مستقبل الإصلاح السياسي في عمان

♦ خلفان البدواوي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 4.7/5 (3 votes cast)

خلفان البدواوي*

يمتلك التاريخ العماني رصيدا زاهرا من حركات النضال والتحرر والتي كانت تطالب على الدوام بحرية الشعب والديمقراطية وإيجاد صيغة توافقية لحكم الشعب، وقد تعددت أشكال هذه الحركات متنوعة بين حركات إسلامية وحركات يسارية وحركات ثورية وأحزاب سياسية معارضة خارج البلد ولكن جميعها كان يهدف نوعا ما إلى تغيير النظام السلطاني.

 وعندما نبحث عن الأسباب والتي دفعت العديد من الأفراد العمانيين إلى معارضة النظام السلطاني والعمل لمحاولة تغيير شكل النظام، فان هناك عدة عوامل كامنة وراء هذه الأسباب، فهناك عوامل اجتماعية وعوامل اقتصادية وعوامل سياسية وربما من منظور أكثر عمقا هي مسالة الحقوق والحريات.

وقد ظهر جليا في الأحداث التي شهدتها عمان في 2011 وما بعدها من حراك شبابي واعتصامات عامة وإضرابات فئوية ونشاط واسع في مواقع التواصل الاجتماعي أن الرغبة واضحة أيضا لدى الأجيال الحالية في انتزاع حقوقهم وبناء نظام ديمقراطي يضمن الحريات عبر دولة مدنية حديثة.

العوامل الاجتماعية:

إن المحرك للتاريخ الإنساني هو العوامل الاجتماعية عبر روابط تربط بين الفرد والجماعة ودائما فان أبطال التاريخ هم أفراد يضحون من أجل قضايا، والعامل الاجتماعي هو أهم عامل يحرك الأفراد للتضحية من اجل قضاياهم.

يعتقد الكثيرون أن المجتمع العماني يعيش برفاهية بفضل موارده الطبيعية (نفط وغاز) وعدد سكانه الصغير (أكثر من 2.2 مليون نسمة تقريبا) ومساحته (309 ألف كيلومتر مربع) ولكن الواقع ليس بذلك فهناك عدد كبير من العوائل ممن هم يكتفون بوجبة واحدة في اليوم، وهناك أيضا عامل اجتماعي مهم وهو سطوة القبيلة والطبقية رغم محاربة القانون الجديد لها ولكنها واضحة في الامتيازات الحكومية وتوزيع المناصب، فإذا كنت من قبيلة معروفة وكبيرة فحظوظك أفضل وسهلة.

ومن العوامل الاجتماعية المهمة أيضا هي طبيعة العادات والتقاليد العمانية والتي تحتاج إلى دراسة معمقة، فهي في الغالب مقيدة لحرية الفرد وتمنعه من حقه في التعبير وإبداء الرأي بحجة الطاعة وعدم مخالفة الكبار والباحث في الموضوع يجد أن هناك خلطا للمفاهيم، فكثير من المجالس يعتبروا أن إبداء الرأي من فرد من قبيلة ضعيفة أو لصغر سنه يعتبر هو من باب قلة الأدب وعدم الاحترام ويجب عليك الطاعة ولو كان الرأي خاطئا وعدم مناقشة الموضوع بتاتا.

ورغم اتجاه الحكومة المتأخر لاحتواء العدد الهائل من العاطلين عن العمل (أكثر من 153 ألف عاطل حسب إحصاء رسمي) بعد الاعتصامات الشعبية في فبراير 2011 عبر توظيف عدد منهم في الجهات العسكرية والأمنية وخصوصا قوات مكافحة الشغب، إلا أن المشكلة لم تحل نهائيا فما زال هناك عدد لم يحصل على فرصته وأيضا لا ننسى أعداد الأفراد الخريجين من التعليم العام أو الجامعة سنويا في غياب إستراتيجية واضحة اقتصادية واجتماعية قد تساهم في حل هذه المشكلة المؤثرة. والبطالة مرتبطة أساسا بعدم توفر فرص عمل والذي بالإمكان توفيرها عبر تحرير السوق وتسهيل الإجراءات التجارية وعمليات خصخصة مدروسة وتوفير أرضية اقتصادية تسهل عملية التبادل بكل حرية.

وكما أن التعليم لم يساهم إلى الآن في تطور البلاد وما زالت مخرجاته على حسب المؤشر الدولي أقل من المتوسطة، حيث ينتظر من التعليم أن يساهم في صناعة حضارة وأن تتمكن مخرجاته من المساهمة الفعلية في التنمية وتقليل الاعتماد على النفط، ورغم وجود خطة لإنشاء الجامعة الثانية في البلاد والتي من المقرر افتتاحها في عام 2020 فإننا ما نزال تحت رحمة جامعة واحدة وللأسف فان مركزها الدولي يعتبر ضعيفا حيث صنفتها منظمة كيو أس بين 500 إلى 550 عالميا رغم ميزانيتها الهائلة وهذا طبيعي لعدم استقلالها عن الحكومة وعدم وجود كفاءات دولية وغياب الدعم للأبحاث ووجود إدارة مترهلة.

وقد شهد القطاع الصحي مطالبات عديدة من المنتسبين إليه ومن المواطنين لتردي جودة الخدمة الصحية وعدم وجود رقابة وقانون محاسب للأخطاء الطبية ولذلك يلجأ الغالبية من العمانيين إلى الاقتراض من البنوك للسفر للخارج (غالبا تايلند) لتلقي العلاج.

وجميع هذه العوامل الاجتماعية عززت من السخط الشعبي وأدت إلى ظهور رغبات في تغيير نمط الحكم وشكل الحكم القائم على الفرد الواحد في ظل استجابة بطيئة وضعيفة للمطالبات بتحسين ظروف المعيشة.

العوامل الاقتصادية:

إذا تحدثنا هنا عن دخل الفرد السنوي فسنجد أنه كان لمدة طويلة جدا يعتبر ضعيفا مقارنة مع حجم الموارد الطبيعية والناتج المحلي وهذا لعدة أسباب منها قضية الاحتكار حيث من المعروف في عمان أن هناك فقط عشرة عائلات ممن يستحوذون على 90% من حجم التجارة في البلاد وهذا يرجع لقربهم من الحاكم، والقضية الأخرى هي أن الحكومة دأبت على إعطاء امتيازات خاصة لكل العاملين في الديوان وتوابعه والمكتب السلطاني والاستخبارات وهذا ما أدى إلى ظهور نوع من الطبقية والرغبة لدى العموم البسطاء الحالمين بحياة كريمة في العمل لخدمة السلطان عن طريق هذه الجهات.

والدولة الريعية تحظى دائما بحسن التقديم من طرف المدافعين عنها، ممن يجدون فيها مصالحهم الخاصة والشخصية فهذا يمكنهم من الحصول على كل ما يرغبون فيه دون أن يبذلوا أي جهد إبداعي فقط خدمة الحاكم وحماية نظامه حتى لو كان استبداديا.

ورغم صدور قانون الرقابة المالية في عام 2011 إلا أنه لم يتمكن من مكافحة الفساد فعليا في ظل غياب إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد والذي يتمثل في الرشاوي لتقديم المناقصات والواسطة في التوظيف والرشاوي أو تبادل الخدمة لتمرير المعاملات، وفساد إداري عميق جدا وكما وصف الوزير المسؤول عن شؤون الخارجية الحكومة بأنها مترهلة.

ورغم الدعايات الإعلامية الكثيرة عن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إلا أن الواقع يصطدم ببيروقراطية كبيرة جدا حيث تأخذ فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر مع تلبية اشتراطات لثلاثة جهات على الأقل لفتح محل صغير جدا طبعا بدون واسطة ومعرفة، وحتى من ناحية المستثمرين من الخارج فإنهم يواجهون صعوبات وعراقيل جمة للاستثمار في عمان هذا مع إلزام وجود شريك عماني وغالبا الأسماء تكون متكررة.

ويعاني العمانيون من غياب واضح للشفافية في حجم وتوزيع الثروة الوطنية الذي تستحوذ عليه الدولة بالكامل بدون مشاركة شعبية، وتستحوذ الدفاع والأمن والديوان وتوابعهم على النصيب الأكبر من الميزانية السنوية للدولة كما تبينه الميزانيات السنوية التي تنشر علنا في الإعلام الحكومي.

العوامل السياسية:

في تعديلات عام 2011 منح السلطان مجلس الشورى وهو منتخب شعبيا صلاحيات في المرسوم السلطاني (99/2011) مادة (58) تغنى بها الإعلام على أنها صلاحيات تشريعية ورقابية ولكنها لم تخرج من دائرة تقديم الاقتراحات والتوصيات مع وجود ثغرات قانونية في صالح الحكومة والسلطة، وحيث أنه من الاسم لا يعد برلمانا شعبيا حقيقيا فهو مجرد مجلس صوري يقدم الشورى للسلطان.

لا يوجد منفذ آخر للمشاركة السياسية في صنع القرار، فصناعة القرار محصورة في يد السلطان وأتباعه فقط ويمنع بقوة النظام أي نشاط سياسي مهما كان شكله أو قوته، وينفرد السلطان في توليه ما يقارب من عشرة مناصب بنفسه بحجة أنها سيادية ويستحوذ من خلالها على جميع السلطات فهو رئيس الحكومة وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء وهو رئيس مجلس عمان ولكن الواقع أن الحكومة هي من تقوم بعمل كل شيء فهي تسن القوانين وتشرعها وتنفذها والقضاء ما زال أمامه مشوار طويل لكي يستقل رغم صعوبة الآمر أمام عطايا الديوان ومكرمات السلطان.

والمتابع للمشهد السياسي العماني الداخلي يجد أن الجهات الأمنية من المكتب السلطاني وجهاز الأمن الداخلي (الاستخبارات) صلاحيات واسعة ونفوذ قوي جعلتهم فوق القانون ولا يخضعون للمحاسبة والمراقبة وممارساتهم تعد قمعية في حق كرامة الإنسان ويعتبرو من أهم العوامل لتأخر تطور البلاد، فتدخلاتهم في جميع مفاصل الحياة للإنسان العماني تقيد من حرية الفرد وبالتالي لا إبداع ولا تطور.

الخلاصة:

نستخلص من جميع العوامل التي ذكرتها في الأعلى أنه لا يمكن أن تتطور البلاد إلا إذا شهدت إصلاحات سياسية حقيقية يشارك الشعب في صناعتها وبناء دولة مدنية تحتوي الجميع وتقوم على التعددية والقبول بالطرف الآخر، دولة الحق والقانون عبر وضع دستور تعاقديا يشرك الشعب في صياغته والاستفتاء عليه وفصل السلطات فصلا مرنا بين بعضها حيث يخضع الجميع للمراقبة والمحاسبة وقوانين تكفل الحريات الفردية وتضمن الحقوق، وإنشاء برلمان شعبي ذا سلطة تشريعية حقيقية يكون فيه للشعب كلمة ويسمح له بالمشاركة السياسية العامة، والسماح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل باستقلالية ويسر، واعتبار الإنسان العماني هو الثروة الوطنية للدولة وليس النفط والموارد.

*كاتب وحقوقي من سلطنة عمان

منبر الحرية،08 يناير /كانون الثاني 2014

 

مستقبل الإصلاح السياسي في عمان, 4.7 out of 5 based on 3 ratings
(Visited 768 times, 1 visits today)

 
  1. محمد says:

    مادونه الكاتب هنا لا اعده سوى تزويراً لحقيقه الوضع في عُمان
    السلطان قابوس مؤيد من قبل الغالبيه العظمى من
    العُمانيين والبقيه لا يهمنا ادعائاتها لان رضا الجميع لن تُدرك
    ولو كسوت جميع افراد شعبك ذهباً.
    الوضع الاجتماعي والاقتصادي مستقر وعجله الاصلاحات بدأت
    منذ عام ١٩٧٠ ولازالت مستمره.
    اغلب افراد الشعب يتفهمون تملك السلطان للسلطات السياديه
    التي توفر من خلالها الامن والعداله الاجتماعية وفقاً لرؤيته وخبرته
    العميقه باحتياجات الشعب العماني ومكوناته القبليه والمدنية .
    والحال لدينا مشابهه لاحوال جميع انظمه الحكم في العالم دون استثناء.
    فالقوة العسكرية والامنية والمالية لجميع البلدان تُدار من قبل النظام الحاكم فقط
    دون غيره كما هو الحال في الولايات المتحدة الامريكية كعبه الليبراليين المقدسة
    اذا تحتكر السلطة من قبل حزبين فقط مع إقصاء كامل لبقيه الاحزاب
    وكذلك تملك البنك المركزي وشركاته على القوة المالية والكل يعرف من يديرونها من خلف الستار هم انفسهم
    رجال الحزبين الديموقراطي والجمهوري الانجلوسكسون واليهود .
    تبقى الديموقراطيه سراب لا يصدقه الا جاهل.

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: +1 (from 3 votes)
  2. عبد القادر كشيدة says:

    لطاما عهدناك يا خلفان بطل قومي أفكارك من \هب و نشاطك الثوري هو من يجعهلك في مصاف المبدعي.شكرا جزيلا لك اخ خلفان

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: +1 (from 1 vote)

ما رأيك؟