عام جديد وأمنيات عربية “جديدة-قديمة”

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 2.6/5 (7 votes cast)

 

    سنة أخرى من عمر “العرب” تمر وتنقضي عليهم كما مرت غيرها من السنوات ما بين تأمل وتكهن وانتظار… لا شيء يتغير كثيراً في مجال الإيجاب الصاعد إلا قليلاً، أما الأزمات والتحديات وسؤال المصير والمستقبل، فلا يزال هو ذاته، حيث تتفاقم النزاعات، وتتكدس المشاكل فوق بعضها بعضاً بلا حلول مجدية ومنتجة، ولا يتبقى معها سوى إنتاج مزيد من الوعود والأماني والآمال والأحلام الموزعة شمالاً ويميناً بلا أي طائل ولا إنجاز حقيقي على الأرض..

 

في العام المنقضي، وصلت أزماتنا الوجودية العربية إلى ذروتها مع تصاعد أعمال القتل والعنف الدامي والاحتراب الأهلي في غير بلد عربي، بين أبناء القومية نفسها، أو بين أتباع الدين ذاته، أو بين المختلفين قومياً ودينياً وطائفياً… فلا فرق المهم أن أعداد الضحايا في تزايد مطرد، والفتن المتنقلة تشتعل وتتوالد ذاتياً، ومستقبل الأجيال الطالعة بات في خبر كان، طالما أن هناك استنزافاً مستمراً في الموارد والطاقات الهائلة التي تفجرت عنها الأرض العربية، يصب في غير طريق التطور والعمل الخلاق المبدع.. وفي النهاية لا تزال تحديات البناء التنموي للفرد والمواطن العربي حالة رفاهية بعيدة التحقق والمنال، ربما حتى في الماديات البعيدة..

 

يجري ذلك كله على مرأى ومسمع نظم وحكومات عربية لم تعد قادرة سوى على إنتاج مزيد من هزائم وانكسارات مجتمعاتها، وأمام دول ومنظمات وهيئات وأمم وقوى دولية “ديمقراطية” كبرى “قوية” و”عريقة” رهنت نفسها وإمكاناتها –كما تقول وتدعي- لمنع حدوث أو التقليل من احتمالية اندلاع النزاعات الأهلية، ومحاسبة المتورطين فيها، وتحقيق العدالة الدولية، واستنهاض طاقات وموارد المجتمعات المتخلفة النامية.. ولكنها في الحقيقة ليست على هذا النحو كما جاء في أدبيات إنشائها وتأسيسها، بل هي أقرب ما تكون إلى المحرض والمتسبب والمغذي لتلك الصراعات والاحترابات الدينية والطائفية والعرقية العربية منها بالتحديد، تحقيقاً لمصالح سياسية ومكاسب أمنية وجيوسياسية واستراتيجية قصيرة أو بعيدة المدى، لن يكون بالإمكان تحقيقها عملياً وجدياً دون إنجاز عدالة، ومحاسبة، وتنمية شاملة مستدامة..

 

وعلى هذا يكون هذا المسمى بــ”المجتمع الدولي” في حالة مشابهة للإنسان المعدوم الضمير والأخلاق والإنسانية، عندما يرى القتل والدمار والفتن تتنقل دموياً من بلد إلى آخر، ويقف مراقباً ومتفرجاً وباحثاً فقط عن مصالحه ومصالح طفلته المدللة “إسرائيل” في كل ما يحدث، لتظهر هذه الدولة كمستفيد ومستثمر رئيسي ورابح أكبر لدمار العرب أو لتدميرهم لأنفسهم..

 

ونذكر هنا كمثال، سوريا، هذا البلد العربي العريق في السياسة والحكم والإدارة، وأحد المساهمين في تأسيس منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية، بات مهدداً بالتقسيم إلى دويلات وإمارات وولايات، كنتيجة مأساوية وخطيرة لهذا الاحتراب الطائفي الدموي الحاد الواقع بين أبنائه الذين أشعل أجدادهم شمعة الحضارة الأبجدية في العالم منذ 3600 سنة… ولم يتمكن ساسته (سلطة ومعارضة) من الاتفاق بعد على تأسيس لمرحلة انتقالية سياسية تحفظ ما تبقى من هذا البلد، وترمم ما تعرض له من خراب وويلات وتدمير.. خاصة هذا  الشرخ الوطني والإنساني والديني الحاد الذي دخل النفوس وقسم المجتمع وفرق بين أهل البلد الواحد.

 

ولا نريد أن نطيل ونستطرد في الحديث والأمثلة عن العراق وليبيا ومصر وتونس والعراق ولبنان واليمن..ووالخ.. فلكلٍ أوجاعه ومعاناته ومآسيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية… المهم أن عاماً عربياً مضى وأقفل على مزيد من الصراعات والخسائر المدفوعة سلفاً من دماء وثروات ومستقبل شعوب هذه الأمة، ومن رهن مقدراتها لحصاد الرياح العاتية التي تسببت بها سوء إدارة أهل الداخل، والتفرد الأرعن بالسلطة ومقاليد الحكم، والتبعية للخارج..

 

هذا في رأيي هو الصراع الرئيسي والمعاناة الأولية في المنطقة، إنه صراع قائم –بالعنوان الأولى والعمق الاستراتيجي- بين نظم مستبدة مغلقة عقيمة وشعوب مستضعفة تواقة للإصلاح والتغيير والتطلع لبناء دولة الحق والقانون والمؤسسات، دولة الحكم الديمقراطي المدني، وتعميق ثقافة المواطنة والمجتمع المدني ولو جاء ذلك كمحصلة لنضال عدة عقود مقبلة…

 

أما محاولة صرف النظر عن حقيقة هذا الصراع، وحرفه ليكون صراعاً واقتتالاً أهلياً داخلياً مع التطرف والعنف الأصولي وما يسمى بـ”الإرهاب الإسلامي” السلفي الجهادي التكفيري “الوهابي”، فمع تشديدنا على خطورة هذا المنهج الإلغائي العنفي، وجذرية عصبيته، وتزمته وقناعاته الصلبة والحادة، لابد من التأكيد هنا على أنه يبقى مجرد صراع ثانوي وليس صراعاً أولياً، لأنه من نتائج ومآلات العنف الأولي البدئي العاري الهائل واللامقيد الذي استخدمته (وتستخدمه) نظم العنف والاستبداد والفساد ضد ثورات الشعوب العربية منعاً لاستقلالها وتحررها من ربقة الحكم الاستبدادي، وكسرها لمحاولات إعادتها مجدداً إلى حظيرة القمع والذل والاستعباد والفساد..

 

وبطبيعة الحال الديمقراطية التي نعيد التأكيد عليها دوماً كعلاج لتلك الأمراض العربية ليست وصفات سحرية جاهزة لعالم عربي مرتهن وواقع تحت ضغط معضلات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة، وهي لن تتحلل فوراً من تلقاء ذاتها أو حتى بعد دفع تكاليفها الباهظة، بل سيستغرق العلاج والنقاهة مراحل زمنية طويلة ربما تصل لعدة عقود..

لأن التغيير المجتمعي صعب وطويل، خاصة مع وجود أهداف كبرى وشعارات عالية (نظام ديمقراطي وحكم مدني في بيئات عربية معسكرة وقبلية) محتاجة لتوسطات واشتغالات مكلفة، دونها واقع قبلي عربي صلب، رافض لأي تغيير حقيقي مستقبلي على صعيد التحرر والتنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية.. وهذا هو عقل الواقع (لا العقل الخطابي النظري الثقافوي العاجي!!) الذي لا يراه إلا القلة من العارفين بالبواطن والخفايا العميقة لتراكيب مجتمعاتنا العربية، ودولنا الاستبدادية العميقة.

 

* كاتب سوري

 

منبر الحرية،01 يناير /كانون الثاني 2014

عام جديد وأمنيات عربية "جديدة-قديمة", 2.6 out of 5 based on 7 ratings
(Visited 102 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟