سيكولوجية الهدر عربيا

♦ حواس محمود    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 5.0/5 (1 vote cast)

حواس محمود*

كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ استبدادية فظيعة وهائلة وكارثية في آن، تجسد  الهدر المادي في الفساد والرشاوي وشراء الذمم وفشل التنمية بجميع مجالاتها وبالتالي انهيار الاقتصاد الوطني لكل دولة عربية، أما الهدر الزمني فتجسد بتضييع الأوقات الثمينة  دون أي خطوات في مجال التعليم والتطوير والتنمية والتكنولوجيا،  كان كل الوقت مخصصا لخطب وشعارات طنانة رنانة برمي إسرائيل بالبحر ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة دون أن يرتبط  زخم الشعار بحركية الواقع، أما الهدر النفسي فتجسد في الإحباط  والمرض النفسي الذي أصيب المواطن العربي جراء حرمانه من كل حقوقه الإنسانية بالعمل والتعليم والسفر، ظل المواطن يكابد شظف العيش ويعيش أحلام استعادة الأراضي العربية المحتلة وفلسطين لكن دون جدوى،  استشرس الاستبداد وتحول إلى عدو جديد للشعوب العربية وتم نسيان إسرائيل التي صموا أذاننا بها في إذاعاتهم وصحفهم وفضائياتهم.

فالحروب كانت خاسرة وكانت كارثية، بداية من حرب حزيران وانتهاء بحرب الخليج الثانية، وأُهدرت الحياة الاجتماعية والسياسية في بعض الدول العربية بمنع ممارسة الحريات العامة: الصحافة والمواطنة وحقوق الإنسان وقيم المجتمع المدني، ولعل أهم هدر هو الثلاثية: «الفكر والوعي والطاقات»، وهدر الفكر هو أهم ركن من الثلاثية المذكورة لأنه يصيب حيوية المجتمع ونماءه في الصميم، إذ يتركه مكشوفاً دون مناعة تجاه الضغوط الخارجية المتتالية، وتحرمه من فرص لعب دور بارز على ساحة المنافسة الإقليمية والدولية، وهذه الثلاثية تضرب المجتمع ضربة قوية وبخاصة من جانب فقدانه مناعته الذاتية، فتُحيله جثة هامدة، وبالتالي تنعدم القدرة لديه على مقاومة الاستبداد أو العصبيات، واستفحالهما في خلايا المجتمع المعني. كل هذا كان من شأنه أن تتحول البلدان العربية إلى أشبه ما تكون بعلب كرتون فارغة معلقة بسلك رفيع إلى سقف تحتاج لمن يقطعها فتسقط العلبة سريعاً على الأرض، وتجسد ذلك في ثورات الربيع  العربي، إذ عندما هبت هذه الثورات سرعان ما انهارت تلك الأنظمة الأمنية التي كانت مسنودة من الأمن ” السلك “.

الآن نتائج الثورات العربية تبين حجم الإحكام الأمني  الشرس الذي أطبق على المواطن العربي، وهذا الاستشراس الكبير للأنظمة العربية  في الدفاع عن كرسي الحكم، وهذا اللجوء الاضطراري تحت ضربات الثوار  إلى العصبية والطائفية والمذهبية، لقد خصصت من ميزانياتها وميزانيات الدول الداعمة لقمع الثورات العربية مليارات الدولارات  بشراء الأسلحة المتطورة وحتى استعمال الكيماوي، ويمكن القول بأنه لو كانت قد خصصت جزءا يسيرا من هذه الأموال لتنمية المجتمعات العربية ( التي دفعها المواطن من جيبه وعرق جبينه ) لكانت مشكلة أساسية قد حلت وهي سد الحاجات المعيشية والصحية والتعليمية للمواطن أي الجذر الأساسي والعامل  المؤثر في انطلاق الثورات العربية، وهنا يتبين للمراقب حجم الاستقتال على البقاء رغم الهدر الهائل وبخاصة في الأرواح قتلا سجنا فقدا تهجيرا وغرقا في بحار التشرد والضياع .

إن الهدر سيكولوجية أنظمة الاستبداد العربي بامتياز، وسيظل هذا الهدر فاعلا ينزف من طاقات الشعوب العربية إلى  حين الوصول إلى حالة الدولة الوطنية الديمقراطية التي تمنح المواطن حقوقه الكاملة وتقوم الدولة بواجباتها كما المواطن لخدمة الوطن والمواطن – دولة المواطنة – .

* كاتب سوري

منبر الحرية،30 ديسمبر /كانون الأول 2013

 

سيكولوجية الهدر عربيا , 5.0 out of 5 based on 1 rating
(Visited 310 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟