ما الليبرالية الكلاسيكية

♦ رالف رايكو    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 1.7/5 (3 votes cast)

رالف رايكو*

ترجمة:رشيد أوراز

“الليبرالية الكلاسيكية” مذهب يدافع عن الملكية الخاصة، واقتصاد السوق غير المقيد، ودولة القانون، ووجود الضمانات الدستورية للحرية الدينية وحرية الصحافة، وعلاقات دولية يطبعها السلام من خلال ترسيخ التبادل الحر.  إلى حدود مطلع القرن العشرين، لا يتم الحديث سوى عن “الليبرالية” لتسمية هذا المذهب.  إلا أن تمييز الليبرالية بصفة “الكلاسيكية” أصبح شيئا لا بد منه في البلدان الأنجلوساكسونية، لأن الليبرالية تم ربطها بعوامل مقيدة للملكية الخاصة والسوق الحر تحت ذريعة تحقيق المساواة. وهذه النسخة من الليبرالية، إن أمكن لنا أن نسميها كذلك، تعتبر أحيانا “ليبرالية اجتماعية” وأحيانا أخرى يطلق عليها “الليبرالية الجديدة”.  أما نحن فسنستعمل كلمة الليبرالية في هذا المقال للدلالة على معناها الكلاسيكي.

رغم بعده الكوني، فالمذهب الليبرالي مع ذلك، هو نتاج ثقافة معينة وتاريخ خاص. كما بين ذلك اللورد أكتون Lord Acton بوضوح. إنها حضارة الغرب، هي أوربا التي تحالفت مع البابوية الرومانية. لقد وجد المذهب الليبرالي مهده، بصيغة أخرى، في المجتمع الإنساني الذي عرف “المعجزة الأوربية” إذا أعدنا استعمال كلمات إيريك. إل. جونز Eric L. Jones. ولد المذهب الليبرالي في الظروف التاريخية التي عرفت صراعا بين مؤسسات وقيم الحرية الموروثة من العصور القديمة والعصر الوسيط وبين المغريات الاستبدادية والدولتية التي سادت القرنين السادس عشر والسابع عشر.

أدت ثورة الهولنديين ضد استبداد آل الهابسوبرغ إلى تأسيس نظام سياسي ذي طبيعة ليبرالية؛ تَكوَّن أساسا من: دولة قانون ورعاية قوية لحقوق الملكية، وتسامح ديني، وحرية تعبير كبيرة، وحكومة مركزية بسلطات محدودة بدقة. وأثر النجاح المذهل للتجربة الهولندية بشكل كبير  في التفكير الأوربي، ثم شيئا فشيئا، على الممارسات السياسية في أوربا، ولا سيما في إنجلترا. لقد تميز تاريخ الليبرالية بتفاعل مثمر بين النظرية والواقع الاجتماعي: إذ أدت ملاحظة تطور الواقع لتحفيز التفكير النظري وتحسينه، بينما كانت النظريات مصدر إلهام لابتكار إصلاحات جديدة.

خلال المعارك الدستورية التي شهدتها إنجلترا في القرن السابع عشر، أبان أفراد ومجموعات عدة عن نزوعات ليبرالية. إلا أن أول حزب ليبرالي عرفه التاريخ الأوربي كان هو حزب الليفلرز Levellers. الذي قاده كل من جون ليلبورنJohn Lilburne  وريتشارد أوفرتون Richard Overton. لقد دعت هذه الحركة الجذرية المنبثقة عن الطبقات الوسطى لحرية التجارة، وإنهاء الإحتكارات الحكومية، وفصل الكنيسة عن الدولة، وتوسيع تمثيلية الشعب ووضع حدود للسلط بما فيها سلطة البرلمان. إن إصرارهم على مبدأ الملكية الخاصة، بدءا من ملكية الإنسان لذاته، وعداؤهم لسلطة الدولة، ساهم في وضع حد لأي خلط بينهم وبين حزب الاشتراكيين الأوائل Diggers. ورغم فشل حزب الليفلرز فإنه قدم للإنجليز نموذجا لليبرالية الطبقات الوسطى. أما فيما بعد، فقد شهدت نهاية القرن السابع عشر تطبيقا لمذهب القانون الطبيعي على الحياة البشرية من طرف جون لوك John Locke، وخصوصا فيما يتعلق بالحرية وبملكية الأراضي، العنصرين الذين أطلق عليهما لوك مفهوم الملكية Property، في شكلها الذي تحول فيما بعد لأدبيات حزب الويغس Whigs وللثوار في القارة في أمريكا خلال القرن الثامن عشر.

بعد إنجلترا، أصبحت أمريكا نموذجا لدولة ليبرالية في العالم. إذ شهد المجتمع الأمريكي غيابا شبه كامل للدولة في عدد من الميادين طوال القرن التاسع عشر، وهو ما شكل مفاجأة للمراقبين في أوربا. وهو ما مكن هذه الأفكار الليبرالية الجذرية، من الدفاع عنها من طرف عدة مجموعات مثل أتباع جيفرسون، وأتباع جاكسون، والمناهضون للعبودية، والمعادون للإمبريالية في أواخر ذلك القرن.

 ظهر الجزء الأكبر والأهم من الأفكار الليبرالية في القارة الأوربية، منذ البدايات وإلى فترة متقدمة من القرن العشرين. لكن القرن الثامن عشر شكل استثناء خصبا في إنتاج هذا الفكر. ولعب خلاله “مفكرو الأنوار” الاسكتلنديون دورا كبيرا، مثل دافيد هيوم David Hume، وآدم سميث Adam Smith، وآدم فيرغسون Adam Ferguson ، ودوغالد ستيوارت Dugald Stewart. وتوصل تحليلهم في ذلك الوقت إلى أن “الأصل المركب للبناء الاجتماعي لا يتطلب تخطيطا ذكيا” كما عبر عنه رونالد هاموي Ronald Hamwoy بهذه الكلمات. وساهمت نظرية “النظام التلقائي” الاسكتلندية بشكل واسع في وضع تصور لطبيعة المجتمع المدني كجزء مستقل، لا يحتاج للدولة إلا من أجل الدفاع عن الأفراد لما تنتهك حقوقهم الفردية. واختصر دوغالد ستيوارت هذه الأفكار في تقديمه لسيرة آدم سميث (1811) بالعبارة التالية: “خلال الانتقال من البربرية إلى الثراء، لا تحتاج الدولة لأشياء أخرى سوى: السلام، وضرائب منخفضة، ومؤسسات قضائية تحفظ العدالة، وسيتحقق الباقي تبعا للتطور الطبيعي للأشياء.” أما المقولة الشهيرة للفيزيوقراطيين “دعه يعمل، دعه يمر، العالم يسير من تلقاء ذاته” فقد ألهمت البرنامج الليبرالي وفلسفته التي يقوم عليها. وفيما بعد تم وضع إطار نظري لفكر “النظام التلقائي” من طرف مفكرين أقرب إلى عصرنا، مثل هربرت سبنسر Herbert Spencer وكارل منجر Carl Menger خلال القرن التاسع عشر، وفريدريك هايك Friedrich Hayek وميكائيل بولاني Michael Polanyi خلال القرن العشرين.

إلا أن هذه الفكرة الفريدة عن دور الدولة خلقت تعارضا بين الليبراليين والمحافظين، أمثال إدموند بورك Edmond Burke، الذين يقتربون من الليبرالية على عدة مستويات. ففيما يرى الليبراليون في السوق، بمعناه الواسع، شبكة واسعة للتبادل الطوعي، ونسيجا من المؤسسات والأعراف المستدامة، يرى المحافظون بشكل مخالف أن الأسس التي لا بد منها للمجتمع ترتبط ب”فعل” الدولة، التي تلعب دورا أبعد من مجرد الحفاظ على حياة وحرية وملكية الأفراد، وحتى المرتبطة بالمسائل الدينية.

تسبب المرور من عصر “الثورة الصناعية” في خلاف عميق بين الليبراليين والمحافظين. لقد استغلت نخب المحافظين، خصوصا في بريطانيا، الظروف التي نشأت من خلال العقود الأولى من الثورة الصناعية لتلطيخ سمعة خصومهم الليبراليين. فمن المنظور التاريخي، يتضح أن ما نسميه بــ”الثورة الصناعية” تزامن مع انفجار ديمغرافي غير مسبوق. وأدى ذلك إلى توافد عدد كبير من العمال على الحواضر، وهو وضع استفاد منه المحافظون لتشويه سمعة السوق ونعته بالمادية وعدم الإنسانية والفوضوية.

نشأ مصدر آخر للنزاع بين الطرفين، لما ربط الليبراليون بين نزعة المحافظين والنزعة العسكرية والإمبريالية. ففيما عدا جزء من حزب “الويغ”، الذين يعتقدون أن الحرب قد تكون مبررة لأهداف ليبرالية، أو باستثناء الحالة الخاصة بالحروب التي تخاض من أجل الوحدة الوطنية، فإن الليبرالية هي أولا وقبل كل شيء دعوة للسلام. لقد جسدت مدرسة مانشستر هذه الفكرة الليبرالية المثالية المعادية للإمبريالية، في أعمال رائديها جون برايث John Bright وريتشارد كوبدن Richard Cobden. ووضع هذا الأخير تحليلا مفصلا للدوافع الحربية لدى الدول. فيما شكل مبدأ “التبادل الحر” لدى الليبراليين الترياق المضاد للحروب. وطور الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا Frédéric Bastiat أفكارا ليبرالية شديدة الوضوح في هذا الصدد، لقيت صدى وقبولا واسعا في أوربا أولا، والولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد.

لم يكن أنصار الليبرالية على اتساق بشكل دائم، خاصة في اللحظات التي استعادوا فيها الدولة من أجل الترويج لأفكارهم. ففي فرنسا مثلا، استعمل بعض الليبراليين المدارس الكبرى والمؤسسات العمومية كقنوات للدفاع عن “العلمانية” تحت سلطة الإدارة؛ وصوتوا على قوانين الجمهورية الثالثة المعادية لرجال الدين، في نفس الوقت الذي كانوا ينتقدون مشروع “العلمانية والدين” (Kulturkampf) الألماني الذي كان يهدف لفصل الكنيسة عن الدولة في ظل حكم أوتو فون بسمارك. إنها خيانة كان كبار مفكري الليبرالية قادرين على تجنبها لحسن الحظ.

أصبحت المصالحة بين الليبرالية والنزعة المحافظة المناهضة للدولة أمرا ممكنا بعد الثورة الفرنسية والإمبراطورية (حكم بونابرت). وشكل بنجامان كونستانت Benjamain Constant المثال الأبرز لهذه الحقبة. ففي مواجهته لمخاطر السلطة المركزية غير المحدودة والقائمة على التلاعب بمبادئ الديمقراطية، بحث كونستانت على توازنات اجتماعية وحلفاء لنظريته من كل جانب. لقد اعتبر الايمان الديني والطبائع المحلية والموروث الشعبي قوى مكافحة للقمع والاضطهاد الذي تمارسه الدولة. ووسع ألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville بدوره مقاربة كونستانت، مما جعل منه المحلل الأكبر والأكثر ازدراء للدولة البيروقراطية الآخذة في الظهور.

أما في الدول الأنجلوساكسونية، فإن عقم فكر المحافظين تفاقم من جراء تركيزهم الكبير على دور جيرمي بنثام Jeremy Bentham وبقية الجذريين في تاريخ الأفكار الليبرالية. ففي كتابه “عن الحرية” (On Liberty, 1859) انحرف جون استيوارت ميل عن الفكر الليبرالي بخلق تعارض بين حرية الفرد، ليس فقط مع الدولة، ولكن مع “المجتمع” أيضا. على عكس بنجامان كونستانت وفيلهلم فون هومبولت Wilhelm von Humboldt، الذين اعتبرا أن الهيئات الوسيطة تعد بمثابة امتداد لعمل الأفراد، وبالتالي فهي حاجز أمام توسع سلطة الدولة، كان جون استيوارت ميل يريد تحرير الفرد من كل تقليد أو سلطة ولو كانت اختيارا متعمدا للشعوب.

واجهت الليبرالية الكلاسيكية الدولة الإشتراكية بقوة أكثر من غيرها. فالاقتصادي النمساوي/الأمريكي لودفيغ فون ميزس Ludwig von Mises حاول أن يبين استحالة تحقيق تخطيط مركزي عقلاني. وبانتاجه الغزير لأكثر من خمسين عاما، جدد ميزس الفلسفة الليبرالية وكان الناطق باسمها خلال القرن العشرين، بعد عدة عقود من تهميشها. فيما قام موراي روثبارد Murray Rothbard، وهو أحد تلامذة ميزس المتأثرين بفكره، بضم أفكار المدرسة النمساوية إلى مذهب جون لوك في القانون الطبيعي، وخلق شكلا جديدا من التحررية الفردية، سميت بــ “التحررية-الرأسمالية “، عن طريق توسيع مجال “المجتمع المدني” إلى حدود النقطة التي تختفي فيها الدولة، وهو ما جعل بالتالي روثبارد يصل إلى حدود الليبرالية الكلاسيكية الأصلية.

تتعارض “الليبرالية الكلاسيكية” مع “الليبرالية الاجتماعية” في كثير من المناحي، فهذه النسخة من الليبرالية، والتي كانت امتدادا لها، أصبحت مستقلة تماما عن المذهب الأصلي منذ بدايات القرن العشرين. لكن هذه الليبرالية التي يطلق عليها “الليبرالية الاجتماعية” تتنافى بشكل عميق مع نظيرتها الليبرالية الكلاسيكية لما تنفي قدرة المجتمع على “التنظيم الذاتي”: ففي نظرها تعد الدولة المنقذ الحتمي القادر على خفض التفاوتات الاجتماية. وهو في نظرهم المبرر الذي بمقتضاه تتابع الدولة تحقيق مقاصد الليبرالية، أي بتغيير الوسيلة فقط. لكنه مبرر يرفضه دعاة الليبرالية الكلاسيكية: لأنه هو المبرر نفسه لكل الصيغ المختلفة من الاشتراكية. بل لم يكن من السهل في الواقع أن نميز بين “الليبرالية الاجتماعية” و”الاشتراكية” سواء على المستوى النظري أو في الواقع العملي ! كما يمكننا أن نشك بقوة في أن مصدر “الليبرالية الاجتماعية” إنما هو “الليبرالية الكلاسيكية” ذاتها، وأنها انفصلت عنها في مطلع القرن العشرين. لأن “الليبرالية الاجتماعية” ترجع على الأقل إلى عصر سيسموندي Sismondi، بينما كانت فكرة “دولة الرعاية” كامنة في كتابات بعض الليبراليين الكلاسيكيين الكبار الأوائل أمثال كوندورسيه Condorcet وتوماس باين Thomas Paine.

لقد اتفق الليبراليون الكلاسيكيون والمحافظون على أن “الليبرالية الاجتماعية” تحولت إلى العدو الأكبر “للمجتمع المدني” بعد انهيار الاشتراكية التقليدية. ويظل الانشغال السياسي لليبراليين الكلاسيكيين اليوم مفروضا بضرورة مكافحة الاتجاه العام لشهية رجال الدولة الآخذة في التوسع، إنه الكابوس الذي قض مضجع إدموند بورك وبنجامان كونستانت على السواء، كما ألكسيس دو توكفيل وهربرت سبنسر. إن معارك الماضي عفا عليها الزمن الآن، وتبدو عقيمة. فالليبراليون والمحافظون المعادون لسلطة الدولة وإكراهها بإمكانهم أن يكتشفوا نقاط التقائهم أكثر مما لم يستطع أسلافهم إدراك ذلك.

………………………………………………………………………………..

لوحة الغلاف: الملك الإنجليزي لحظة توقيعه على “الماغنا كارتا” يوم 15 يونيو 1215.

ترجم النص إلى الفرنسية من طرف أرثور كوتييه Arthur Gautier ونشر على موقع معهد كوبي Coppet التطوعي المهتم بنشر أدبيات الحرية.

* رالف رايكو Ralph Raico أستاذ فخري للتاريخ الأوربي في معهد بوفالو ستايت كوليج Buffalo State College وزميل كبير لمعهد فون ميزس بألاباما. مختص في تاريخ الحرية، وفي تجربة الحرية في تاريخ أوربا، وفي العلاقة بين الحرب ونمو الدولة. ألف كتابا مرجعيا عن “مكانة الدين في الفلسفة الليبرالية من خلال أعمال كونستانت، ودي توكفيل، واللورد أكتون.

منبر الحرية، 22 نونبر/تشرين الثاني 2013

 

ما الليبرالية الكلاسيكية, 1.7 out of 5 based on 3 ratings
(Visited 2,201 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟