إشكالية سؤال النهضة: لماذا تأخر المسلمون؟وكيف يتقدمون؟ ج1

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 2.6/5 (5 votes cast)

    لا يزال سؤال النهضة الإشكالي (لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب؟) حاضراً بقوة وحاراً كلحظة تشكله الأولى منذ بدايات القرن الماضي المنصرم.. كما ولا تزال الإجابات عليه -على تنوعها واختلافها وتمظهراتها الفكرية والأيديولوجية- تتوارد بأشكال وأنماط فكرية ومفاهيمية متنوعة ومتعددة، لكن أكثرها جاء بصيغة مشاريع نهوض تقدمية أسست فكرياً ومعرفياً –وبحسب مرتكزات ومرجعيات تلك المشاريع- لتصورات الحالة المنتجة الفعالة لواقع العرب المنشود والمأمول منه أن يكون نافعاً ومثمراً على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..

والملاحظ أن كل تلك المشاريع –على تباين وتعدد مرجعياتها القومية أو اليسارية أو الدينية الإحيائية- اجتمعت على اعتبار أن أزمة التقهقر الحضاري التاريخي العربي الممتدة منذ أكثر من ألف عام هي في الأساس ذات امتدادات بنيوية ثقافية ومعرفية بامتياز… ولكنها –مع اتفاقها في بعض مقدمات الرؤى التنظيرية نسبياً- اختلفت وتباينت حول طبيعة مضامين طرق معالجات الأزمة (المرض الحضاري)، ومتطلبات حلها، وفك عراها المعقدة، وبالطبع من دون نتائج عملية حقيقية على صعيد الإنسان والتنمية والاقتصاد، إلا في حالات نادرة تمثلت في نوع من الرخاء والرفاه الاستثنائي الذي عاشته بعض دول الخليج العربي نتيجة اقتصاداتها الريعية ليس إلا.

 ولكن الكل (كل مشاريع النهوض الآنفة الذكر) كان يؤكد وينظر بأن عملية تغيير بنى مجتمعاتنا (الراسخة) -بمختلف مكوناتها وشيفراتها الفكرية والمعرفية والثقافية، ومختلف مآلاتها السلطوية شبه الدائمة منذ أيام وزمانات “الملك الأموي العضوض”- بحاجة ماسة إلى جهود فكرية بنيوية نقدية مضنية وحثيثة من الاشتغال على نقد الذات الحضارية المريضة، واجتراح أسس الحل، وذلك للقيام لاحقاً بكافة مقتضيات وإجراءات التحولات البنيوية في طبيعة العقليات والمفاهيم، وفي أنماط الوعي والسلوك والتفكير والتخيل..

والملاحظ أيضاً أن هذا المعتقد الفكري قد رسخ في بنية الثقافة العربية، واستوطن في قلب ووعي كل مشاريع النهوض العربية، أي أنه كان بداية الطريق لكل المشاريع التنويرية والنهوضية حتى في مديات زمنية لاحقة لأجيال مقبلة عديدة.. وهذا ما كنا نقصده دوماً من أن أزمتنا ثقافية معرفية بامتياز قبل آن تكون أزمة سياسية اجتماعية.. أزمة فكر وثقافة ووعي، قبل أن تكون أزمة إدارة للشأن السياسي والاجتماعي العام.. ولهذا كان ولا بد أن يكون من الأولى الانطلاق من البداية، أي من الثقافة، أي من الرأس والعقل، وليس من النهاية، أي من السياسة والاجتماع والاقتصاد، وتدبير شؤون الناس، وفض خصوماتهم، وتحقيق العدل والمساواة بينهم، من خلال بناء دولة المؤسسات والقانون، دولة المواطنة الصالحة.

ولكن يبقى السؤال مشروعاً ومفتوحاً بالفعل طالما أننا لا نزال نقبع في الهامش والمتون الحضارية على مستوى العلم والتطور والحداثة التقنية: لماذا لم يتمكن العرب -بعد تشخيص الداء والمرض والوقوف على سبل وطرق العلاج الممكنة- من السير ولو خطوة واحدة على طريق التطور والتقدم التاريخي لبناء مواطن سليم معافى عقلياً ومادياً، منتج ومؤثر علمياً وتقنياً، وحاضر بقوة فكره وعلمه ومخترعاته ومكتشفاته، في معادلة الحضور الكوني العالمي مثل باقي حضارات وأمم العالم المتقدم؟! ولماذا لم تتمكن سلطات ونظم الحكم العربي من بناء وطن مقتدر قوي حصين ومنيع.. مع أنها رفعت شعارات التقدم والتطور والاكتفاء الذاتي؟ ولماذا فشلت كل أو معظم خطط واستراتيجيات التنمية الداخلية لتلك البلدان التي باتت لشدة الفشل الذريع تعتمد -بصورة شبه كلية- على المصادر الخارجية تمويلاً واقتراضاً واستثمارات كنتيجة طبيعية لغياب تلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة، والعجز ربما –في حال وجود بعض تلك السياسات والبرامج التنموية- عن استثمار واستنفار كل القدرات والمواهب والإمكانات البشرية وقدرات الفئات الوسطى وأصحاب المهارات والكفاءات في عملية التنمية الحقيقية؟!..

ومع وجود تطبيقات وتجارب عملية محددة كماً ومحدودة نوعاً لبعض خطط التنمية ذات الطابع الاشتراكي، أو تلك التي اعتمد فيها على اقتصاد السوق (غالباً ما كانت ذات تجارب ريعية الطابع تقوم على تجميع وتكديس المال والعملة الصعبة ضمن صناديق “سيادية!!” جراء بيع مواد خام كالنفط والغاز وغيرهما من دون وجود صناعات ثقيلة ذات امتدادات متجذرة في بنية الدولة والمجتمع، ومن دون امتلاك زمام المبادرة العلمية والتقنية فيها)… كل ذلك لم يمنع للأسف من زيادة رقعة ومساحة وحجم بقع الفقر العملاقة، ولا في إنقاص معدلات البطالة المرعبة، خاصة لدى العناصر الشابة المتعلمة في بلداننا العربية، وحتى منها تلك البلدان والدول الغنية بالثروات النفطية نتيجة الطغيان السياسي، وسوء إدارة الموارد، وهيمنة عقلية الفساد..

وهذا الفقر (أو التفقير) الشامل والعميم والتخلف المقيم لا نعتقد أن محاربته تنجح وتتم بصورة مضمونة النتائج إلا في ظل وجود مناخ سياسي حر ومنفتح، تتم فيها وبسلاسة عملية توطين العلم والمعرفة العلمية والتكنولوجيا، والدخول في عالم صناعة وإنتاج السلع والخدمات المطلوبة في الاقتصاد المعولم الذي نعيش فيه..

وقد أثبتت التجربة التاريخية العربية مع الغرب، ومع مختلف دول العالم المتقدم، أن الرهان على الدول المتقدمة خاصة الغربية منها، هو رهان على حصان خاسر إلى حد كبير من دون وجود مبادرات عربية داخلية يمكن أن تشكل أساساً لكي يساعدنا الآخرون (وهذا من حق هذا الغرب)، بما يعني أن الاعتماد كلياً على الخارج لا معنى له، لأنه سيجعل من بلداننا رهينة لزمن هذا الآخر الغادر، وسيبقيها في ثلاجة الانتظار وحالة تخلف مغطاة بقشرة حداثوية شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع..

فالغرب سبق له أن أقام وجوده وركز وعمّم مركزيته الغربية الثقافية والحضارية، وحضوره النوعي المؤثر من خلال تلك الثورات العلمية والتقنيات المذهلة والاكتشافات العظيمة المفيدة الفائقة على مستوى العالم، وعلى حساب باقي ثقافات هذا العالم بالطبع، وخصوصاً ثقافتنا وذاتنا الحضارية العربية والإسلامية.. وهذه من أهم التحديات، وهي تأتي على رأس قائمة الأولويات المصيرية التي تحيط بحضارتنا التي توقف إنتاجها العلمي والبحثي عن التوليد الذاتي منذ قرون طويلة كما ذكرنا أعلاه، لتصبح تابعة ومستلبة، منفعلة غير فاعلة، في ظل تنامي وتصاعد الحركية العلمية للغرب الحديث على كل المستويات والأصعدة حتى باتت الاختراعات تقاس بالشهور وربما بالأسابيع وليس بالعقود الطويلة.

وقد لعب هذا التأخر والتراجع (ومن ثم التخلف) العلمي والمعرفي العربي والإسلامي عن الركب العلمي المعرفي الغربي، والذي جاء كنتيجة طبيعية لحالة الترهل الثقافي والكساد العلمي الإسلامي منذ أكثر من ألف ومائتي عام، وهيمنة العقل الفقهي وترسبات وتراكمات الشروح التقديسية البعيدة عن روح الحرية.. بعد أن كان للحضارة العربية الإسلامية تأثير حيوي في تطور أوروبا العصور الوسطى… أقول: لعب هذا التقهقر والتراجع والارتكاس الحضاري الإسلامي دوراً كبيراً في تشتيت مقدراتنا ومواردنا وقوانا الحضارية المادية والمعنوية، وساهم في تهميشها، وجعلها عديمة الفاعلية والجدوى في العمق والامتداد والتأثير.. خاصةً مع تضخم الجانب النظري على حساب ضآلة وضحالة الجانب العملي التقني، أي مع ضخامة التأويل والشرح النظري وشرح الشرح على هوامش وحواشي الكتب القديمة بلا فوائد كبيرة تذكر، مما ساهم في توقف النمو النوعي والإنتاج العملي.

وهذا التحدي الأكبر، تحدي استنهاض الذات الحضارية الفاعلة، يتطلب إعادة بناء معرفية جديدة وعصرية للمشروع الثقافي الإسلامي الخاص بهذه الحضارة الشاهدة (ليكون منفتحاً على العصر والحياة بلا عراقيل ولا حواجز)، بحيث يكون قادراً على استيعاب الواقع الموضوعي الجديد المرتبط بعنصري الزمان والمكان، وإبداع القواعد النصية الخاصة به، خصوصاً وأن هناك تأثيرات عملية سلبية لا بد أن تنجم عن تلك الثورات المعرفية والعلمية الهائلة اللامحدودة، في ما يتعلق بآليات التنميط الثقافي والحضاري القسري التي يستخدمها الآخر في عمله الدائم على فرض نموذجه الحضاري على الثقافات الحية الأخرى.

إذاً شرط الاستقلالية عن الآخر الغربي المتمركز حول ذاته، وعدم الانغماس فيه، والتبعية له، هو أول خطوة صحيحة سنخطوها على طريق النهوض الحقيقي، مع توافر شرط الإرادة وتفعيل قدرات الأمة وزجها في معترك الصراع الحضاري الراهن والمستقبلي… وباعتبار أن الفرد هو أساس وجوهر أي مشروع ومنطلق وغاية الحياة كلها، كخليفة لله على الأرض، فلابد من العمل على تمكين هذا الفرد المسلم الخليفة، تمكينه من الحضور المؤثر والمنتج في ساحة العمل والإنتاج، لكن هذا التمكين لن يحدث طالما أن هناك تجاهلاً مقصوداً وممنهجاً (وبمستويات متعددة) لفكره وقناعاته ومعتقداته الدينية والتاريخية التي يؤمن بها وبقوتها وفاعليتها، ويواليها كنص مقدس أو كسلوك مقدس، أي يمحور حياته بناءً عليها..

*كاتب وباحث سوري

     منبر الحرية، 26 غشت/أغسطس 2013

إشكالية سؤال النهضة: لماذا تأخر المسلمون؟وكيف يتقدمون؟ ج1 , 2.6 out of 5 based on 5 ratings
(Visited 1,633 times, 2 visits today)

 

ما رأيك؟