ديترويت …الخروج من حالة الافلاس يحتاج إلى تغييرات جدرية

♦ شيخة دالميا    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

شيخة دالميا (Shikha Dalmia)*

يقول الروائي الأمريكي سكوت فيتزجيرالد (F. Scott Fitzgerald): “كنت أعتقد بأن قصص الحياة الأمريكية تفتقد إلى الفصل الثاني، لكنني اكتشفت بأن قصة أيام نيويورك الذهبية تحتوي حقا على هذا الفصل”.

      من الجيد أن فيتزجيرالد لم يكن يتحدث عن ديترويت.

إن قصة إفلاس ديترويت، أكبر مدينة من نوعها على التراب الأمريكي، تعتبر درسا للعالم بأجمعه، فمن يعتقد بأن مسؤولي الحكومة يمكنهم تولي الإدارة الدقيقة لكيان شديد التعقيد كالاقتصاد الحضري يجب عليه أن يحلل قصة ديترويت عن قرب. إن هذه المدينة التي كانت من المدن الأمريكية العظيمة في سالف الأيام أصبحت اليوم تسعى إلى الحماية من دائنيها (وصل دينها المتراكم إلى 20 مليون دولار كما أن صندوق التقاعد فيها يعاني عجزا قدره 3.5 مليار دولار)، وهذا بمثابة مجلدات ومجلدات من الحديث عن قدرة الإنسان على التخطيط للاقتصاد والنظام الاجتماعي، والذي لا يمكنه أن يزدهر إلا عندما يتاح له التطور تلقائيا ضمن بيئة تكفل حقوق الملكية والحقوق الشخصية.

ويمكن القول على نحو أخص بأنه ما لم تقم الثلة السياسية القائمة على شؤون المدينة بالتعامل مع المستثمر الريادي المتواضع بالسوية نفسها من الاحترام الذي تتعامل به مع كبار المستثمرين، فإن ديترويت لن تحصل على فرصة ثانية أبدا.

إن الكثير من الناس يأملون بأن الإفلاس سيمنح ديترويت فرصة أخرى، لكن ذلك لن يتجاوز إطار الأمنيات ما لم تقم ديترويت بعكس استراتيجيتها الاقتصادية المتراجعة، فمشكلاتها لم تنشأ بسبب العولمة أو التجارة الحرة أو الإفراط في تقليص الحكومة، وإنما هي تعاني من الترهل الحكومي ومن عقيدة ترى أن السياسيين يمكنهم تدبير شؤون الحياة الاقتصادية بشكل أفضل مما يمكن فعله بواسطة الاستثمار الريادي والتبادل الحر.

لقد حاول كل حاكم توالى على ديترويت خلال العقدين الماضيين أن يعيد إطلاق المدينة من خلال إعادة الحياة إلى وسطها التجاري المتعثر، ومن هؤلاء دينيس آرتشر (Dennis Archer) الذي شيّد الملاعب وصالات القمار في التسعينيات الماضية، وخلفه كوامي كيلباتريك (Kwame Kilpatrick) الذي استضاف فعاليات كبرى (يقبع كيلباتريك حاليا في السجن بسبب دعوى تتهمه بالابتزاز والكسب غير المشروع)، أما الحاكم الحالي دايف بينغ (Dave Bing) فقد سقط في مستنقع العجز المالي إلى درجة لم يستطع معها أن يقترح القيام بأي إجراء كبير.

في غضون هذا الواقع، قامت مجموعة من المستثمرين الأغنياء يقودهم دان غيلبرت (Dan Gilbert)، مالك شركة كويكن لونز (Quicken Loans)، بشن حملة لبذل جهد هائل من أجل جلب الاستثمارات والفنادق والساكنين إلى المدينة، فأنفق غيلبرت ما يقترب من مليار دولار في نقل مكاتبه إلى نيويورك واشترى عقارات من أجل استخدامها كمتاجر وفنادق وشقق سكنية، وقد حذت حذوه في ذلك شركة هول فودز (Whole Foods)، وهي سلسلة وطنية للمجمعات الاستهلاكية، وكذلك شركة موس جو (Moosejaw) المتخصصة في بيع الألبسة. لكن هذه المشروعات تعرضت إلى إغراء الحصول على التعويضات الحكومية الهائلة، حيث حصل الشريك المحلي لشركة (هول فودز) على تعويضات من حكومة الولاية والحكومات المحلية وعلى إعانات ضريبية هائلة، ومع ذلك فإن محلل الشؤون الاستثمارية في مجلة فوربز (Forbes) أعلن قبل سنتين أنه، وبفضل جهود غيلبرت، قد بدأت البراعم الخضراء تنبت في أوصال اقتصاد ديترويت.

لكن الواقع يقول بأن الوضع تفاقم سوءا مع مغادرة المزيد من الناس وتدهور الخدمات في المدينة، لماذا؟ لأن هذه “البراعم” لم تكن إلا براعم اصطناعية، وليست استجابة تلقائية للحاجة الفعلية، بل إن الأسوأ من ذلك هو أن انتقالا للثروة قد حدث من دافع الضرائب العادي إلى الغني الذي يرعى هذه المتاجر التي تبيع سلعا فاخرة.

وفي الواقع، ومع احتفال مجلة فوربز بالبراعم الخضراء الاصطناعية، فإن ضوابط المدينة كانت منشغلة باقتلاع البراعم الخضراء الحقيقية من أمثال شركة بينك فلامينغو (Pink FlamInGo)، وهي شركة تجهز أطعمة بنكهات أمريكا اللاتينية بحسب الطلب الحقيقي في السوق، حيث قامت الضوابط بمنع الباعة الجائلين من بيع أي طعام ساخن باستثناء النقانق (ومن دون مخلل) وبالاقتصار على 16 موقعا فقط، وقد استطاعت شركة (بينك فلامينغو) أن تبني استثمارا ناجحا بتجاهلها لهذه القواعد إلى حين إغلاقها من قبل سلطات المدينة.

أدت الشكوى التي رفعتها (بينك فلامينغو) إلى إجبار سلطات المدينة على إصلاح الضوابط، لكن ذلك لم يمنع بقاء بعض الضوابط حتى الآن، ومنها أن سيارات بيع الأطعمة يجب أن تبقى على مسافة 500 قدم من المطاعم وأن تتوقف عن خدماتها بحلول الساعة الحادية عشرة ليلا.

لقد جعل الحاكم الحالي دايف بينغ قضية التحرش بشركة بينك فلامينغو منهاجا لسياسته العمومية، وذلك من خلال إطلاق برنامج يدعى (عملية الامتثال)، حيث يهدف هذا البرنامج إلى تجميل صورة المدينة عبر إغلاق 1500 استثمار “غير قانوني” (محلات لتصليح الإطارات تعمل في ساحات المنازل، ومتاجر لبيع الآلات المستعملة في ورشات مهجورة) إذا فشلت في الامتثال لضوابط المدينة، لكن القلق على صورة مدينة تنحدر إلى هاوية البدائية هو أقرب إلى الجنون من أي شيء آخر. وعلاوة على ذلك، فإن الخبير المشهور هنري لويس تايلور (Henry Louis Taylor)، أستاذ الدراسات الحضرية في جامعة بوفالو، صرح لمجلة بلاك ديترويت (Black Detroit) المحلية بأن هذه المؤسسات ربما لا تشكل إلا حوالي (10%) من استثمارات المدينة، لكنها تخدم حوالي (70%) من الساكنين.

وإذا كانت قلة قليلة من هذه الاستثمارات تؤدي إلى مشكلات صحية حقيقية، فإن الأغلبية الغالبة من الساكنين تتعرض للملاحقة القانونية بسبب انتهاكات فنية من أمثال: عدم امتلاك تصاريح أو تراخيص عقارية مقبولة، أو عدم سداد الضرائب في وقتها. وهكذا فإن هذا الحاكم الذي تذرع بأنه لا يمتلك الموارد اللازمة لإنارة شوارع نصف المدينة أو تدبر جمع النفايات في الوقت المحدد أو السيطرة على معدلات جرائم القتل المتصاعدة نجده يمتلك في الوقت نفسه ما يكفي من المفتشين الذين يطلقهم على أشخاص فقراء يحاولون تدبر أمور معيشتهم. وفي هذا يقول أحد المستثمرين الغاضبين الذي وجد جرذا كبير الحجم في زقاقه الخلفي: “إنهم يهتمون كثيرا بما يجري أمام متاجرنا، لكن سلطات المدينة يجب أن تنتبه إلى شؤونها الخاصة فتحافظ على أمان الشوارع العمومية ونظافتها”.

إن المدينة التي تغدق التعويضات على الاستثمارات المتمتعة بالنفوذ بينما تثبط المستثمر الريادي وتتجاهل الخدمات الأساسية إنما هي مدينة تكتب قصيدة رثائها، وليس فصلا إضافيا في قصة حياتها.

* كبير محللين بمؤسسة Reason Foundation    بواشنطن العاصمة

     منبر الحرية، 30 يوليوز/تموز 2013

(Visited 308 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟