التغيير الرئاسي الإيراني… جوهري أم شكلي…!!

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 1.5/5 (2 votes cast)

لاشك بأن الشعب الإيراني قد بدأ ربيعه السياسي (السلمي الحضاري) مبكراً منذ عام 2009، أي قبل اندلاع ما أطلق عليه بثورات الربيع التي هبت نسائمها على دول عربية عديدة لاحقاً، لا تزال تخوض غمار الانتقال السياسي لبناء دول قانون ومؤسسات في ظل صعوبات وضغوطات سياسية واجتماعية وثقافية وتاريخية محلية الطابع والامتداد.

ولاشك بأن الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، يمكن اعتبارها –على هذا الصعيد- نسمات ربيعية جديدة قوية بدأت تلفح إيران وتهب بقوة عليها في ظل هذا الجمود والاستعصاء السياسي المسيطر هناك منذ فترة طويلة على مجمل ملفات السياسة الإيرانية، منذ مجيء أحمدي نجاد للحكم في العام 2005..

وقد أسفرت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة عن نصر كاسح للتيار الإصلاحي الذي وقف بكامل زخمه وجماهيره وراء الرئيس المنتخب الدكتور حسن روحاني بعد إقصاء مهذب وملطف لكل من رفسنجاني وناطق نوري، ومنع خاتمي من الترشح..

وكانت النتيجة الصادرة رسمياً حاسمة وكاسحة إلى حد كبير، وبدلالات واسعة، حيث فاز روحاني بأصوات أكثر من 19 مليون إيراني متفوقاً على أربعة مرشحين محافظين دفعة واحدة كانوا مدعومين من قبل مختلف مواقع ومؤسسات الدولة والنظام الإيراني، والحرس الثورة، والحوزة الدينية، وتيار المحافظين وعلى رأسهم مرشد الثورة السيد علي خامنئي..

وإذ يأتي هذا النصر الإصلاحي متأخراً في البعد الزمني حوالي أربع سنوات منذ أن حدث التلاعب المفضوح في نتائج انتخابات عام 2009، حيث أعلن يومها عن فوز أحمدي نجاد بدلاً عن السيد مير حسين موسوي، نتساءل مع كثير من مراقبي ومتابعي الشأن الإيراني والعربي:

هل سيكون لهذا التغيير الإصلاحي السياسي في أعلى هرم السلطة السياسية التنفيذية (وليس الدينية الولايتية) نتائج عملية وميدانية جوهرية على صعيد إحداث تغير بنيوي عميق في طبيعة السياسة الداخلية (تنمية اقتصادية، وعدالة اجتماعية، وحريات عامة، ومكافحة البطالة والفساد) وأيضاً على مستوى السياسة الخارجية الإيرانية التي تأتي على رأسها ملفات شائكة ومعقدة كملف العلاقات المتوترة والمتشنجة جداً مع العالم العربي عموماً، وملف التدخل والتداخل في ملف سوريا الحامي الوطيس حالياً (وحالة الاستقطاب المذهبي التي بات هذا الملف حاملاً لها)، وملف العلاقة مع الغرب وخصوصاً مناخات وأجواء وتعقيدات المحادثات النووية التي كان روحاني المفاوض الرئيسي فيها من طرف إيران في وقت سابق من العقد الماضي؟!.

وكيف سيتعاطى رئيس منتخب شعبياً مع رموز التيار المحافظ الأشداء والقابضين بقوة على روائز ومفاصل السلطة الفعلية الإيرانية من مال ومؤسسات وثروة وموارد وحرس ثوري وعسكر وأمن وغيره؟!!..

وكيف ستكون طبيعة العلاقة مع ممثل ورمز ولاية الفقيه السيد خامنئي الذي يعتبر نائباً للإمام المعصوم (كما هو معروف في الفقه السياسي الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه الدينية والسياسية التي تعطي للفقيه الحاكم ولاية شبه مطلقة على مقلديه ومتبعيه ممن تشملهم ولايته ورعايته)؟!!..

ثم كيف يمكن لرئيس منتخب شعبياً أن يحكم فعلياً في ظل تداخل سلطاته وصلاحياته المعطاة له دستورياً مع مجالس عديدة مثل مجلس البرلمان، ومجلس مصلحة تشخيص النظام، ومجلس الخبراء، وسلطة المرشد، وهيمنة الحوزة العلمية ومراجع التقليد الديني؟!!..

في الواقع، نحن لا نحسد روحاني على موقعه الرئاسي القادم، ولكن يبدو لنا أن لفوزه دلالات وتأثيرات وربما نتائج عديدة يمكن أن نجملها فيما يلي:

يأتي فوز حسن روحاني في ظل ظروف سياسية واقتصادية حساسة ومصيرية وفائقة الخطورة داخلياً وخارجياً على الصعيد الإيراني والدولي، فمن جهة هناك أزمة عدم ثقة في العلاقات مع كثير من البلاد العربية وبالذات الخليجية منها بالذات، حيث المناورات والعسكرة وحديث القنبلة النووية والتهديد بإشعال الخليج العربي ومنع عبور النفط وإغلاق المضيق وغيرها..وتتصاعد أزمة العلاقات تلك في ظل الدعم الإيراني اللامحدود للنظام السوري، وتمظهر هذا الدعم في لبوس ديني مذهبي كما تذكر وتتحدث دول الخليج.. وهذا برأيي سيحمل الرئاسة الإيرانية الجديدة مسؤولية كبيرة دينية وسياسية في عمله وسعيه إلى حقن الدماء، والتوجه الحثيث إلى إعادة جسور العمل والتعاون مع دول الإقليم المجاور لإيران، بعد التصالح السياسي والديني معهم بالطبع.. ولكن هل باستطاعة الرئيس الجديد “روحاني” حمل هذا العب التاريخي والحالي المقيم، ومعالجة تعقيدات هذا الملف الشائك (ملف التدخل، ومحاولات الهيمنة، وإثارة المشاكل للحصول على مواقع وأدوار ترتكز على فائض القوة) الذي يحظى بدعم وإشراف وسيطرة مباشرة من مرشد الثورة خامنئي؟!!.

 يبدو أن الناس التي اعتادت على حالة سياسية محددة بذاتها منذ عقود، عملت على سحب السياسة منها، وتنميطها بأشكال محنطة من الوعي السياسي الشمولي الأحادي التفكير، قد رأت في وجود شخصية مختلفة “نوعاً ما” عن السائد في وعيها السياسي وسلوكها العملي وطبيعة قناعاتها وانتماءاتها الثقافية الحركية، والمتمثلة في رفض العنف والإيمان بالعمل السياسي المدني الحضاري، وطرحها لمقاصد وطنية تنموية تخص الوطن والمواطن الإيراني قبل غيره، أقول: الناس رأت في هكذا شخصية كالدكتور روحاني، مخلصاً أو منقذاً لها من حالة الجمود والتحجر والتقهقر السياسي والاقتصادي التي تعيشها منذ نهاية حكم خاتمي واستلام أحمدي نجاد قبل ثانية أعوام، خاصة مع تزايد مشاكل وتحديات وصعوبات الحياة، وضغوطات العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران التي أنهكت المواطن الإيراني في صميم عيشه، وضربت له أهم مفاصل حياته…

الناس ذهبت للانتخابات وهي في حال توق وتلهف شديدين لإحداث تغيير ما في الواقع السياسي الإيراني الداخلي سلمياً ومدنياً، فهي أحجمت لسنوات طويلة عن المشاركة الفاعلة في الحكم، بعد أن ملت ويئست من الشعارات الطنانة والوعود الجوفاء ببناء دولة قانون وعدل وتقدم ومؤسسات من رموز التيار المحافظ المهيمن على كل شيء في إيران.. وهي تعتقد محقة أن أصحاب تلك الشعارات الفضفاضة لم يتمكنوا –هم أنفسهم- وعلى مدى عقود طويلة، من حل مشاكل البلاد السياسية والاقتصادية، بل هم فشلوا –كما يعتقد هذا المواطن- في إنجاز أي شيء على هذا الصعيد.. وقد وجه الناخبون الإيرانيون صفعة قوية لهذا التيار من خلال إسقاط بعض رموزه المرشحين انتخابياً. مما يدلل على أن الناس الذين لم يصوتوا لأولئك إلا بأرقام بسيطة ومتواضعة للغاية (عدة ملايين) يريدون إحداث تغيير بنيوي حقيقي سلمي وليس عنفي ليس فقط في مسار وطريق الثورة بل في عمق بنيتها الفكرية التاريخية التي تستنجد (وتتلطى وراءها) بها نخبة الحكم الديني والسياسي الإيراني للبقاء في الحكم والهيمنة على البلاد والعباد.. وهاهو الشعب الإيراني يرسل رسالة أخرى للنخبة الأمنية والعسكرية الحكمة في إيران بأن زمن الوعود قد ولى، وأن زمن التغيير قد حلَّ، وأن رموز الثورة السابقين لم يعودوا صالحين للخدمة والعمل والبناء والتطوير، حتى لو أعادوا اجترار أنفسهم بأشكال وشعارات جديدة..وأن الأجيال الشابة الجديدة ترنو للتغيير الحقيقي وليس التغيير اللفظي الشكلي.

فشل الساسة وصانعي القرار الإيراني في تقدير وفهم ومعرفة طبيعة مزاج وتوجهات الرأي العام الإيراني الطالب للتغيير، عندما اعتقدوا أن المحافظين سيفوزون بالرئاسة، وأنه يمكن التحكم بنتائج الانتخابات وتسييرها إلى الجهة التي يريدون في حال حدوث مفاجآت غير متوقعة، مثلما حدث سابقاً مع نجاد، ولكن ضخامة الأصوات وتوسع المشاركة الشعبية في الانتخابات أسقطا أية خطط وحسابات مبيتة لمحافظي إيران نهائياً.

أخيراً نأمل أن يكون هذا الفوز الكبير للإصلاحيين (الذي جاء بالضربة القاضية بعد استجابة ومشاركة واسعة من شعب إيراني عظيم تواق للحرية والعصرنة والتغيير السلمي في مواجهة ولاية الفقيه التسلطية) أن يكون تغييراً في البنى الفكرية والتاريخية السائدة وأدوات الفعل المهيمنة منذ عقود، وليس مجرد صيحة شعبية أخرى في وادي سحيق لا قرار له، خاصة وأن المجتمع السياسي الإيراني حي ومتفاعل وهو يريد إثبات جدارته وموجوديته السياسية الحقيقية على الأرض، في مواجهة نظام سياسي عتيق بدت عليه منذ حوالي عقد من الزمان ملامح وآثار “الختيرة” والترهل وأحياناً العجز السياسي الواضح في إنتاج أنماط جديدة من العقلانية السياسية والرشد العملي في التعاطي مع كثير من ملفات الداخل والخارج، مع هيمنة شبه مطلقة للديني على السياسي، خاصة مع عمل هذا النظام دائماً على إنتاج علاقة ومفهوم واحدي أحادي عن معنى الوطن والوطنية والسياسة والعمل السياسي وهو أن توالي وتتعبد في محراب النظام، وتؤمن بخيارته والتزاماته دون اعتراض أو مساءلة أو حتى مجرد رفض داخلي.

لكن مع كل ذلك، نتمنى أن يشكل فوز حسن روحاني إضافة نوعية جديدة، على الحركية السياسية الإيرانية، بحيث يؤدي ذلك إلى تخفيف (والأفضل تجفيف) منابع التوتر مع دول الجوار الإقليمي، مع القيام بمراجعة نقدية شاملة ملموسة لمجمل عملية إدارة الأزمات مع الخارج المجاور وخاصة العربي..

فهل سينجح روحاني حيث فشل خاتمي، في إضفاء مسحة عقلانية رشيدة على ما تبقى من “ثورة” إيرانية؟ وهل سيتصالح مع الخارج المتوتر؟ وقبل ذلك مع شعبه وأجياله الشبابية الطالعة؟!!..

أسئلة تحتاج إلى إجابات عملية (وليس تنظيرية) من روحاني ذاته، ولعل مقبلات الأيام تخبئ لنا أخباراً طيبة على هذا الصعيد، مع أنني أميل للحذر الشديد، لأن السياسة خطوط وموازين وزوايا وألاعيب ومصالح، وليست أخلاقيات مثالية، ولأن طبيعة النظام السياسي الإيراني الذي مر بتجربة سلطانية اجتماعية منذ أكثر من ثلاثة عقود، ثيوقراطية دينية بطركية شديدة التدين والانغلاق المذهبي من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها حيث أوسع القواعد الاجتماعية، وهي لا تزال حتى اللحظة متكورة على مصالحها، وترفض التصالح الحقيقي مع المجتمع السياسي الإيراني، مع عجز بائن في التصالح مع الحياة والعصر..

وطالما أن مفاتيح القوة على الأرض هي بيد آيات الله الكبار –وعلى رأسهم “ولي الأمر” و”المرشد” الديني والسياسي- المرتكزين على نظام حرسي إكليروسي قابض على كافة مواقع الثروة والسلطة والعسكر والأمن، وبالتالي آليات صنع وتنفيذ القرار السياسي وغير السياسي، فإن توقعات وآمال التغيير المرتقبة والموعودة في عهد الرئيس الجديد ستبقى –فيما أظن- محدودة للغاية للأسباب الآنفة الذكر… خصوصاً في ظل استمرار وجود قضية عربية هي قضية فلسطين بنت عليها إيران –ولا تزال- مشروعاً وعقيدةً سياسية استثمر فيها النظام الإيراني كثيراً من الثروة والمال والعقيدة والتاريخ العتيق، بحيث بات له (للنظام الإيراني) تواجد ميداني، وقوى محركة مقتدرة وقادرة، على الأرض.. لم تدرك معه السياسة الرسمية العربية حدودَ وطبيعة وآفاق هذا المشروع السياسي الشعبوي –الذي قدم نفسه كمشروع خلاصي مصيري بديل- إلا بعد مرحلة زمنية متأخرة، هي لحظة انكشاف العرب وضعفهم وتشظيهم وانفصاماتهم البنيوية السياسية والمجتمعية العميقة للأسف..

 * باحث وكاتب سوري

     منبر الحرية، 08 يوليوز/تموز 2013

التغيير الرئاسي الإيراني... جوهري أم شكلي...!! , 1.5 out of 5 based on 2 ratings
(Visited 135 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟