ليبيا بين مطرقة الدولة الثوريّة وسندان الدولة الدينيّة

♦ علي أنقاب    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 1.0/5 (1 vote cast)

         إن الدستور باختصارٍ هو : [… كتابٌ يحوي موجز القوانين الواجب تطبيقها على كل المواطنين دون ميزٍ جغرافيٍّ ، إثني ، لغوي ، ثقافيّ، جنسيٍّ أو مذهبيٍّ ، يهدف إلى عقلنة الدولة و تنظيم العلاقات بين المواطنين ].  الدستور يهدف إلى بناء الدولة المؤسّساتيّة التي يكون فيها [ الموظّف ] فرداً منسلخاً عن محيطه الاجتماعي، العائلي والحرفي، كجزءٍ من طبقة [ البيروقراط/مجال الإدارة ] ليحمي الدولة من الانحطاط أولاً، وليضمن حقوق المواطن بناءً على كونه مواطناً لا غير ثانياً ، بحيث يتم تحويل العمل الفردي للموظّف، إلى عملٍ جماعيٍ لا يهم فيه الفرد بقدر أهميّة النظام الفعّال، فالفرد الموظّف لا يهم كونه أبيضٌ أو أسود، رجلٌ أو امرأة ، مالكيٌّ أو إباضيٌّ ، شريفاً أو عاميّاً، صاحب رأيٍّ أو لا رأي له بقدر ما يهم كفاءته في تأدية وظيفته ، لتكون [الدولة البيروقراطيّة ] الغير مبرّرة بأيديولوجيا أو مشروعٍ شوفينيٍّ يحدد الأهداف البعيدة و يتجاهل المواطن و همومه الآنيّة ، حيث الأحداث الصادرة خارج الوطن تدفع الوطن حيث لا يريد دائماً ، الدولة البيروقراطيّة هي دولةٌ يباح فيها 1: التفكير ، 2: التعبير ، 3: العمل لجميع الأفراد/المواطنين داخل حدود القانون ، حيث المجال مفتوحٌ أمام 1: الفرديّة ، 2: الإبداع ، 3: والإعقال للوصول في نهاية المطاف إلى 4:الديمقراطيّة.

 وفي ليبيا لا يمكن أن تكون هذه الدولة دون دعم [ اقتصاد ]  قويّ متحرّرٍ يكون عماده ثلاثة جيوش معقلنة في اتّجاه المدنيّة ، 1: جيش العسكر ، 2: جيش الموظّفين و 3: جيش المنتجين، حيث يتحوّل المجتمع من مجتمع [ عسكري ] إلى مجتمع [ متمدّن ]، و من مجتمع [ عمالة ] إلى مجتمع [ موظّفين ] ، ومن مجتمع [استهلاك ] إلى مجتمع [ إنتاج ] ، وهذا لا يكون إلا بفرض قوانين صارمة تنطلق عبر فكرة [ الحصار القارّي ] التي قام نابليون بتطبيقها ، وهي فكرةٌ اقتصاديّةٌ ثوريّةٌ خالصة، حيث يتم أولاً 1:  إقفال الباب أمام تسلّل اقتصاد المحيطين بالدولة القوميّة ، 2: رفع الحواجز الجمركيّة الداخليّة ، 3: إلغاء القوانين التي تكبّل المنتجين ، 4 : منع تكدّس العمالة الرخيصة، وأخيراً 5: تنظيم الملكيّة الخاصّة للمواطنين داخل حدود الدولة للوصول إلى [ الرفاهيّة ] والتي هي أهم وأول أهداف تكوين الدولة في الأساس، كل هذا يتم بعد تحرير [ التعليم ] من الأيديولوجيا و الاتجاه نحو تكريس توجيهه ناحية [التطبيقي] بموازاة [ الإنساني ] ، فلا يتم تغليب ثقافة اللا ورائيّات على ثقافة الإنتاج، ولا يتم أيضاً إغفال زيادة المعرفة لأجل نمو الاقتصاد، وهذه عمليّةٌ معقّدةٌ لا يمكن للدولة الدينيّة التي خطابها إنساني لا ورائي فقط أو الثوريّة التي خطابها أيديولوجي تعبوي محض تبنّيها أو تطبيقها، كون الأولى هي دولة [ مفتّتة ] تفصل بين الإدارة، السلطة والرعايا كجزر منفصلةٍ يربط بينها فقط الغيبي المكتنز داخل ضمائر الأتباع، وهي دولةٌ وهميّةٌ تؤسّس فقط لاستبداد طائفةٍ وعبودية طائفةٍ أخرى، أما الدولة الثوريّة فإنها عادةً بل دائماً تمثّل فقط [ الامتداد ] للدولة السابقة ، تطيح بالاستبداد لتنشأ استبدادا آخر، فنابليون نفسه على سبيل المثال لم يكن سوى امتداداً رغم محاولاته التخلّص من التركة، امتداداً للملكيّة السابقة التي قامت ثورته للقضاء عليها ، [ الاقتصاد الحر ] و [ التعليم المؤمّم ] المبنى على المنافسة للوصول إلى الكفاءة بغية الحصول على الكم المعرفي الذي يرشّح الفرد للانضمام كأداةٍ من أدوات الدولة الفعّالة وفق الأفضليّة لا وفق الانتماء لجهة الغلبة، كل هذا تحت كنف [البيروقراطيّة] التي تحمي الضعفاء من الأقوياء، تكفل حقوق الذين لا يملكون كي يصبحوا من الذين يملكون .

المدنيّة لا تُنتجها الثورة، والدولة لا يبنيها الثوّار، يجب أن ننظر إلى الأمر بهذه الصرامة، المدنيّة نمطٌ سلوكيٌّ و طريقةٌ من طرق التفكير يصنعها تسلسل الأحداث الكبرى في تاريخ الأمم، التنوير بعد الثورة يجب أن يكون في كل الاتجاهات لتنتج المدنيّة، في ليبيا عملية التعتيم الممنهج على كل مصادر المعرفة وهدم كل مصانع الأفكار جعلت المدنيّة تتقهقر أمام سطوة التعصّب أو [ بنية العصبيّة ]، وسطوة رغبة الامتلاك منذ تحوّل الليبيّيون إلى مجرد [ أشياء ] في نظر السلطة و في نظر الليبيّين أنفسهم للأسف الشديد، وهذه أخطر تبعات النظام الدكتاتوري على امتداد التاريخ البشري، يجب أولاً : السعي لتوحيد اللّيبيّين كليبيّين تحت [ غطاءٍ قوميٍّ واحدٍ ] يعتبر كل شيءٍ خلاف [ الوطن ] هوامش ضروريّة منبعها الاختلاف، مصبّها وحدة الوطن نفسه ،  ثانيّاً : يجب توجيه [ الكفاءة ] نحو مكانها الصحيح في منظومة الإنتاج ، وثالثاً : وهو الأهم تجريد [ المحاربين/الثوّار ] من ملكيّة السلاح أولاً و الولاء الأيديولوجي ثانياً، للوصول إلى رابعاً وهو الدولة صاحبة الموقف السياسي ، الاقتصادي والاجتماعي البعيد عن الصبيانيّة ، حيث الدولة هي فقط أداة الدولة كما يقول أنجلس ، ليست الدولة أداة الفقيه لتمرير الفقه في اتّجاهٍ واحدٍ ، إقصائيٍّ و تعسّفيٍّ، منشأه التاريخ لا غير كحقائق لا تقبل الشكّ بالنّسبة له فقط ، وليست الدولة وسيلة في يد الثوّار للحصول على المكاسب بقوّة السلاح أحايين كثيرة

الدولة الدينيّة هي دولة قمع، ودولة تربيّة أيضاً، والدولة الثوريّة هي دولة غنائم، وهي دولة المنتصرين أيضاً، وهذه مجتمعةٍ ليست دولاً في واقع الأمر بل هي شيءٌ آخر يمكن أن نسميّه ما نشاء، الدولة لا تقمع مواطنيها ولا تقوم بتربيتهم، المجتمع يفعل ذلك، النظم الاجتماعية و التمايز الطبقي بين ساكني الحاضرة هي التي تضع معايير التمييز بين الأفراد/المواطنين، أمّا الدولة فإنها تعمل كظاهرةٍ اجتماعية متساويّةٍ بالنّسبة لكل المواطنين، بغض النّظر عن المذهب الذي يعتنقونه أو كم يكنزون من المال مثلاً، وعلى صعيدٍ آخرٍ فإن المنتصرين من قاموا بالإطاحة بأربابٍ ليأتوا محلّهم يُنتجون استبدادا وعسفاً يوازي أضعافاً مضافعةً له، يؤدّي إلى اضمحلال الدولة واختفائها كغنيمةٍ لا يمكن أن تعود لمالكيها الحقيقيّن، المواطنين جميعاً، كون القمع يتحوّل من ظاهرةٍ مؤقّتةٍ في عصر الاستبداد الأول إلى جزءٍ من الحياة اليوميّة في عصر الاستبداد الثاني ، ولا يمكن الفرار من هذا العصر سوى عبر إعلان ثورةٍ أخرى على مستوى القيم و الذهنيّات، المبادئ والأفكار العامّة، تلك التي شُوِّهت وغاب عنها المنطق، بسبب غياب عقلنة الدولة أصلاً، وغياب إحساس المواطن بالمواطنة أيضاً، فصار كما رأته القوة الباغية [شيئاً/شخص] يتعامل مُجبراً مع [أشياء/أشخاص] للحصول على [أشياء أخرى/ممتلكات]، ولا يمكن أن تتحول هذه الأشياء إلى حقيقتها ووضعها الصحيح إلا بإعلان عقلنة الثورة و الدين في طريق عقلنة الدولة ، عقلنة الدين يكون بإنكار حق ومنع المذهب الواحد في الحديث بإسم هذا الدين، وعقلنة الثّورة يكون بمنع تسلط الثوّار على غير الثوّار ، لينتج جهاز الدولة الحديثة و الموضوعيّة، حيث بنية المجتمع مفصولةٌ تماماً عن تركيبة الدولة المبنيّة فقط على المنطق الموضوعي الفعال، الذي يعتمد على فصل المصلحة العامّة عن المصلحة الخاصّة ، بفصل الدولة عن الماورائيّات أي أن يكون للدولة هدف خارج عالمها، وفصلها أيضاً عن المجتمع المدني الذي يلعب دور الرقيب وراسم معياريّة عمل وسير أجهزة الدولة و مؤسّساتها، هكذا تكون الدولة أمّا خلافها فليس سوى تدليساً و امتهانا لشرف الثورة و قداسة الدّين.

* كاتب من ليبيا

منبر الحرية،نيسان  11 ابريل/2013

ليبيا بين مطرقة الدولة الثوريّة وسندان الدولة الدينيّة, 1.0 out of 5 based on 1 rating

(Visited 424 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟