ليبيا بين مطرقة الدولة الثوريّة وسندان الدولة الدينيّة ج 3

تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 1.0/5 (1 vote cast)

صلاح أنقاب *

         قبل المسير نحو البحث عن الحلول الممكنة، أو تلك المستعصيّة ، فلننطلق مرّة أخرى نحو إعادة فهمٍ لما نعرفه وما لا نعرفه عن [ الدولة ]، الدولة ليست حقيقة تاريخيّةً أو علامة أثنولوجيّة يمكن أن نميزّ عبرها الفرد عن الآخر كحقيقةٍ إثنوغرافيّةٍ ، الدولة هي [ هيكلٌ ] و [ سلطانٌ ] ، والرابط بينهما [ جماعةٌ ] تقوم بدور تمثيل سلطة السلطان عبر هذا الهيكل الذي يحتوي سكّان الوطن داخله ، هؤلاء هم [ المواطنون ] ، وهؤلاء [ مواطنون ] أصحاب حقوقٍ بالدرجة الأولى ، والجماعة التي تدير الدولة إمّا موظّفون ، عسكر ، جُباة أو قضاة ، أو كل هؤلاء مجتمعين ، يجسّدون الحقوق المكتسبة للمواطن عبر [ إدارة ] هذه الدولة التي يحدّد شكلها [ السلطان ] ، هذا السلطان قد يكون الدستور أو الدكتاتور ، وفي الحالة الأخيرة يتحوّل السلطان الى متسلّطٍ على المواطنين ، خلاف الحالة الأولى التي يحمي فيها السلطان المواطنين من هذا التسلّط الممكن دائماً ، هنا يكون الدستور هو شكل العقد الاجتماعي بين الحاكم و المحكومين عبر هيكل الدولة الذي تملأه جماعةٌ خلال أجهزة الدولة ومؤسّساتها المتداخلة ، المشعبّة وشديدة التعقيد ، لكن قبل الدخول في تعقيدات شكل هذه الدولة ، دستورها ، شكل مواطنيها وصلاحيّات جماعة الهيكل التنظيمي للدولة ، نسأل كيف يمكن أن تكون الدولة دون أن تكون دولة الأقوياء فقط ؟ .

الدّولة ميزتها [ العقل ] يقول هيغل بإلحاحٍ ، هذه القاعدة تنفي عنها الدين والثورة أيضاً، الدولة الدينيّة دولةٌ غير عاقلة لأنها لا يمكن إلا أن تكون دولة مذهبٍ انتهى دور العقل فيه منذ انتهى تأسيسه و بناء هرمه الفقهي ، والدولة الثوريّة دولة غير عاقلة لأن الثّورة أساس حدوثها عدم التعقّل وحساب التبّعات التي ستنتج جرّاء الخروج على طاعة الحاكم الظالم ، فلو كان للثورة عقلٌ لما كانت الثورة أصلاً ، لا لأن الدين منافٍ للعقل أو لأن الثورة يقوم بها الثوّار الغير عاقلون، بل لأن المشكلة أن الثوار ورجال الدين هم من يغيب عنهم العقل عند محاولتهم لعب دورٍ في نباء الدولة ، بسبب تغليبهم كونهم أصحاب [ الغلبة/المنتصرون ] ، أو أصحاب [ المعرفة الخفيّة/اللاهوت ] التي تتسلّط على المغلوب على أمرهم ومن لا يملكون هذه السطوة أو المعرفة الخفيّة / اللاهوت ، فالثوّار دائماً يحملون معهم شيئاً من تركة الاستبداد ، نفس الشيء عند رجال الدين الذين يحملون معهم دائماً جذور استبدادٍ يتّسم أولاً بإنكار [ الآخر ] النظير ، وثانيّاً إنكار حق المعرفة لدي [ الأتباع ] والسؤال حين بروز الشكّ ، الثورة لا تستطيع منذ أيام نابليون بل و حتّى قبلها ، لا تستطيع أن تقضي على تبعات الحكم السابق كاملةً ، فالثورة التي تبدأ بمعركةٍ يجب أن تنتهي بحربٍ ، المعركة هي التي يموت فيها الثوّار ، والحرب هي التي يولد عبرها المجتمع دون ميزٍ عرقيٍّ ، جنسيٍّ ، جغرافيٍّ ، طبقيٍّ أو مذهبيٍّ ، لتكون الدولة في نهاية المطاف هي [ غنيمة ] الحرب التي يقودها المواطنون لا الثوّار في طريقهم المحفوف بالمخاطر عبر طريق الإدارة البيروقراطية ، التي يسير بموازاتها دائماً [الثيوقراط/الاستبداد الديني ] و[ الأوثوقراط/الاستبداد السياسي ] يهدّدون اكتساح الدولة لأجل الاستحواذ على الغنيمة الوحيدة ، الدولة .

الدولة كقيمةٍ من قيم الحياة الحقيقيّة ، العالم الحقيقيّ بلغةٍ أكثر وضوحاً ، لا تحوي داخلها المجهول ، القوانين و العقوبات لحظيّة وآنيّة لتنتج فاعليّتها و دوامها، وتبعات الأفعال التي يقوم بها المواطن ، الموظّف في أدنى سلم تكوين نظام الدول وصولاً إلى قمّة الهرم المسطّح في حالة الدولة الديمقراطية والعمودي في حالة الدولة الديكتاتوريّة ، تبعات هذه الأفعال توصل إلى نتائج داخل العالم الحقيقي لا خارجه، الثواب والعقاب الأخروي شيء، والثواب و العقاب الدنيوي شيءٌ آخر، الأول في يد الله و في علم الغيب أيضاً، أمّا الآخر فإنه في يد وسائل الدولة عبر معاييرها، قوانينها وتشريعاتها الخاصة، والتي تخضع لظروفٍ وحيثيّاتٍ متغيّرةٍ بعينها، تناقض [ الخطيئة ] و[ التوبة ] والذي يكفل الدين وجودهما جنباً إلى جنب ، لا يمكن للدولة أن تسمح بوجودهما محكومين فقط بالنيّة المبيّتة للإنسان ، بل يوجد فقط [ الجريمة ] و [ العقاب ] ، حيث [ القانون ] منظّمٌ للعلاقات ، لا [ الضمير ] أو [ ذروة الإيمان ] ، هنا لا مكان للدين جوار الدولة ، فوقها أو تحتها ، الدين للمواطنين فقط لا غير يدينون به ، أما الدولة فهي بطبعها و حقيقتها لائكيّة كونها ليست كائناً حيّاً في الأساس ، وفي سياقٍ آخر فإن تكامل منظومة [ الثواب ] و[ العقاب ] لا تتّفق أيضاً مع جبروت [ الثوّار ] من يُعلنون أنفسهم مصدراً للحق، معلنين إياه ، ينشأ عبرهم الحكم و خلالهم يتم التنفيذ ، فتضيع الدولة في فوضى الثورة لأن الثوّار لا يقبلون أن يقفوا جنباً إلى جنب ومن ثاروا عليهم أو من يعتقدون أنّهم في صفّ من أطاحوا بهم ، حتّى لو كانوا ارتكبوا أسوأ مما أرتكب في حقّهم في اتّجاه المغلوب، هنا تضيع العدالة في ضوضاء الدولة الثوريّة ، ويعاد تكرار مسلسل الاستبداد مرّةً أخرى رغم أنف الجميع ، فكيف يمكن الفرار بالدولة في ليبيا من براثن الدين/الفقه أو [ التسلّط الفقهي ] بعبارةٍ أصح ، من تهيّأت له الظروف ليفرض نفسه بأريحيّةٍ عبر لا وعي الليبيّين من تم تصحيح فهمهم للدين ؟، وكيف يمكن أن تنتج الدولة الليبيّة الديمقراطيّة بعيداً عن [ الحشد الثوري ] ، في بلدٍ كل من يحمل سلاحاً يعتقد أنّه يمتلك الحق و يستحق أن يكون المرجعيّة في بنيان الدولة غير مكتملة النمو أصلاً ؟. *كاتب من ليبيا

منبر الحرية، 24فبراير/شباط 2013

ليبيا بين مطرقة الدولة الثوريّة وسندان الدولة الدينيّة ج 3 , 1.0 out of 5 based on 1 rating
(Visited 718 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟