مع نهاية عام وبداية آخر: لماذا يستمر الفشل العربي في بناء الذات والولوج إلى المستقبل ؟!!

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 2.4/5 (5 votes cast)

    عام آخر يرحل ويمضي مسرعاً من حياتنا، ويأتي عام جديد نأمل أن يكون محملاً بكثير من الوعود والأماني الطيبة والمثمرة للجميع..

ولكن لا يعلم أحد منا بالفعل ماذا يحمل القادم الجديد بين طياته وفي داخله من آمال وأحلام عريضة، من أرباح وخسائر عادية أو مدمرة، من نجاح هنا وفشل آخر هناك على المستوى الشخصي أو المستوى الجماعي..

وعلى صعيد المجتمعات العربية، لا أحد بين العرب حالياً يمكن أن يكون كثير التفاؤل ليتصور عملياً بأن يكون العام القادم هو بداية خروج القبائل (عفواً: الحكومات والنظم والمجتمعات!!) العربية من صراعاتها وتناقضاتها وأزماتها وانقساماتها المستعصية الداهمة والتي باتت شبه مقيمة..

فلا يزال الواقع العربي رازحاً تحت معضلات سياسية وأمراض ثقافية تاريخية مزمنة لا فكاك له منها حتى الآن.. وهي تتمظهر -أعني تلك الاستعصاءات العملية التي تواجه عالمنا العربي منذ فترات زمنية طويلة- من خلال هذه الحالة العامة السائدة من مناخ الفوضى والعبثية واللاإبالية، وربما حالة الشلل العام الطاغية بقوة على الجميع (من الناس والمجتمعات والأحزاب والتيارات ووالخ)… بحيث عجزت كل الوصفات والعلاجات عن وضع حد له، أو على الأقل احتواء بعض مفاعيله السلبية..

وكل سنة تمر من حياتنا كعرب –وها هي سنة 2012 تلفظ أنفاسها الأخيرة- تبدو أسوأ من سابقتها للأسف، خاصةً على مستوى ما هو مطلوب منذ زمن بعيد من النخب والحكومات والقوى المسيطرة على واقعنا العربي، من ضرورة إنجاز وعد الإصلاح والتغيير السياسي والمجتمعي العام، وعلى مستوى الفعل والتأثير الحضاري، وأهمية إيجاد حضور علمي وتقني بارز ما للعرب في العالم..

فمن الصراعات العربية والانقسامات البينية العربية، إلى الفتن والاضطرابات والقلاقل العربية، إلى مناخ الخوف والقهر التاريخي والاستبداد السياسي العربي، والخشية من الحروب الأهلية الطائفية العربية (هي جاهزة للأسف، فالنار تحت الرماد كما يقولون)، إلى قصص وروايات الفساد السياسي والاقتصادي العربي، وسوء توزيع الموارد والاستخدام الجائر للثروات الطبيعية والبشرية العربية، وتضييع عشرات ومئات المليارات من الدولارات على تفاهات الأمور، إلى الانشغال بالهموم والقضايا الصغرى على حساب القضايا الحياتية الكبرى التي تهم الإنسان العربي العادي.. إلى توسيع أمدية الفقر ودوائر التخلف الاقتصادي، إلى آخره..

ونحن بهذا التوصيف السلبي لواقعنا العربي العام لا نحبط الناس مع ما يترقبونه ويتطلعون إليه من آمال وإيجابيات مع بداية عام جديد، ولكننا نحاول رصد الأمور والوقائع كما هي على الأرض حتى نشخص بسلاسة حقيقة الوضع المرضي القائم، بعد عهود طويلة من هيمنة أيديولوجيات الفكر الواحد والحزب الواحد التي استثمرت واستفادت من ثقافة الموروث التاريخي العربي الإسلامي لتكرس وجودها وذاتها، وتحكم بموجب قوانين الغلبة وعصب القبلية العشائرية المستحكم، وتمعن تدميراً ونهباً في ثروات المجتمعات العربية، فكانت النتيجة ما نراه الآن أمامنا من مجتمعات عربية ضائعة مضيعة، تغيب فيها مساحة العقل والعدالة والحرية بالكامل تقريباً، وتسيطر عليها ثقافة أصولية مخيفة، ويستبعد منها كل ما له صلة بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يترسخ فيها حكم الفرد الواحد كإله أعلى معصوم..

وهكذا تراكمت حالة اليأس والإحباط وابتعد الناس عن ممارسة السياسة، وكفروا بالعمل السياسي التنظيمي بعد الملاحقات والتصفيات ووضع الناس في السجون والمعتقلات والمنافي الصحراوية بأعداد تصل لعشرات الآلاف قامت بها نخب الدولة الأمنية العربية على مدار العقود الستة الماضية، وترك الناس مقاليد الحكم وأمور المجتمع لتدار من قبل شخصيات وأحزاب ديكتاتورية ذات أيديولوجيات معبأة بقيم مثالية ومشحونة بشعارات وهمية طوباوية بعيدة عن الواقع، كلفت في سبيل تنفيذها وتطبيقها غير الممكن، الكثير من الدماء والدموع والمال..

في مواجهة هذا الواقع السياسي والاجتماعي العربي القائم حالياً، قد يبدو من السذاجة إعادة طرح سؤال: ما هو الحل؟ وما هي البدائل والممكنات العملية المتاحة للخروج من نفق الأزمات العربية المتولدة باستمرار؟

طبعاً، لا يوجد أي حل سحري، يمكن السير عليه بهدوء واستقرار وطمأنينة، للوصول إلى شاطئ وبر الأمان.. كما أنه من نافل القول إعادة التأكيد على أهمية إجراء الإصلاحات والتغييرات السياسية في قمة الهرم السياسي العربي، والبدء باعتماد الانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيهة، وتوسيع نطاق نظام الحريات العامة والمشاركة الشعبية في العملية السياسية.. ووالخ..

ومع الأهمية الكبرى لهذا الحل (الذي يبحث عن قوى وأحزاب ذات تأثير مباشر تنقله من حالته النظرية كمجرد مشروع نهضوي نظري، إلى حالته العملية للاستخدام والاستثمار المباشر من قبل الناس والمجتمعات) نعتقد أن إهمال الجانب الثقافي في عملية الإصلاح سيبقي المشكلة قائمة، لأن قناعات وأفكار وقيم الناس في مجتمعاتنا العربية لا تزال مهجوسة وربما مجنونة بثقافة وتاريخ وقيم ورموز “أيام زمان” وأيام “ألف ليلة وليلة”.. وهي لا تزال مرهونة للعيش في ماضي مجيد تريد سحبه بالكامل إلى الحاضر والمستقبل..

هنا أساس المشكلة وبؤرة التوتر ومركز الأزمة.. أن الإنسان العربي –الذي عليه مسؤولية العمل والتغيير والإصلاح- يعيش بجسده في الحاضر، وبعقله في القرون الأولى أي منذ 1200 سنة.. فكيف يمكن لهكذا فرد أن يكون فاعلاً ومنتجاً وذو أثر وتأثير إيجابي في عصره، وهو غائب العقل ومغيب التفكير وهارب على الدوام من أزمات واقعه إلى مراحل وأزمان تاريخية مضى عليها أكثر من ألف عام.. يجد فيها ملاذه الآمن من أزمات ومشاكل واقعه الحاضر..

إنه التناقض بعينه.. أن يعيش الفرد العربي نوعين من الولاء والتبعية المطلقة، ولاء داخلي لمكنوناته وقيمه الذاتية (وأفكاره الموروثة وقناعاته الدينية وما فيها من تعاليم وأسس وضوابط وروادع والتزامات وفتاوي وغيرها..) وولاء خارجي ظاهري آخر للمناخ العام السياسي والثقافي المسيطر عليه (مع ما فيه من قيم وأفكار وثقافة علمانية سائدة في محيطه المجتمعي والسياسي) والذي يختلف ويتناقض مع ما يعتقده في ذاته بصورة شبه كلية..

من هنا الحاجة إلى مزيد من الدراسات والمباحث الفكرية النقدية حول مضامين تراثنا الديني الإسلامي التي لا تزال تتحكم بمسارات الفرد العربي حتى الآن.. وتؤثر في كل حراكه العملي على الصعيد الذاتي والموضوعي..

وهذه الاشتغالات المعرفية النقدية على التراث، يمكن أن تمنح –في النهاية- هذا الإنسان الفرص العملية، وتقدم له الوسائل المناسبة للتمكن من الحياة على الأرض بفاعلية، من خلال تحفيز إمكاناته ومواهبه الذاتية على طريق العمل والتطوير والبناء.. خاصة على صعيد استيعاب منجزات العلم الحديث، وأساليب الحداثة والتنظيم المعاصرة، المبنية على قيم العلم والعقل والحوار والتعددية الثقافية والحضارية، والاعتراف بشرعية التنوعات بين الأقوام والجماعات البشرية المتعددة.

 * كاتب سوري

منبر الحرية،30 ديسمبر/كانون الأول2012

مع نهاية عام وبداية آخر: لماذا يستمر الفشل العربي في بناء الذات والولوج إلى المستقبل ؟!! , 2.4 out of 5 based on 5 ratings
(Visited 302 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟