الحسابات السياسية الفرنسية و الاقتصاد المغربي

♦ نوح الهرموزي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 1.0/5 (1 vote cast)

بعد مطالبة الوزير الفرنسي أرنولد مونتيبورغ شركات بلاده المتواجدة على الأراضي المغربية بسحب استثماراتها، طرحت التساؤلات حول السبب في اتخاذ هذه الخطوة المفاجئة، وتداعيات تطبيقها. ولإلقاء الضوء على هذا الحدث كان هذا الحوار مع الخبير الاقتصادي د.نوج الهرموزي.

برأيكم ما هو الدافع يجعل الحكومة الفرنسية تصرح بنيتها سحب جزء من استثماراتها في المغرب؟

دعونا في بداية الأمر أن نضع هذه الواقعة في إطارها التاريخي والمكاني، فهي تأتي بالموازاة مع انتخابات الدور الثاني للبرلمان الفرنسي الذي يبحث فيه الحزب الاشتراكي أو اليسار بصفة عامة على أغلبية مريحة للانفراد بدفة الحكم وتمرير برامجه المتسمة بنزعتها الاشتراكية الحمائية الانعزالية. والمدافع على هذه السياسة ـ أي الوزير الحالي للوزارة حديثة النشأة والتسمية “وزارة إنعاش الانتاجية”ـ أرنو مونتوبور Montebourg Arnaud معروف برفضه لسياسات نقل الانتاج إلى الخارج délocalisation بصفة خاصة وللعولمة وتحرير التجارة وحرية انتقال السلع والبضائع والرساميل بصفة عامة. هذا ما عبر عنه في كتابه الأخير “صوتوا من أجل اللاعولمة” (2011). وقد دفعته مواقفه الانعزالية والداعية إلى غلق الحدود والحمائية إلى الواجهة السياسية وجعلته الرجل الثالث في الحزب الاشتراكي مما مكنه من الحصول بسهولة على حقيبة وزارية. ومنه فإن هذه الطروحات في هذه الفترة الانتخابية بالذات أمر مفهوم عند العارفين بمكيافيلية السياسيين وبشعبوية اقتراحاتهم السياسية.

ما هي إذن تبعات سحب هذه الاستثمارات على المغرب؟

هذا عن السياق وحيثيات هذا القرار، أما بخصوص تداعياته الاقتصادية والاجتماعية فهي صعبة الحصر بالنظر إلى عدم توفر معطيات دقيقة حول الاقتصاد المغربي. لكن الأرقام تفيد أن قطاع مراكز الاتصال (المعني بهذا القرار) يدر على المغرب ما يناهز 6 ملايير درهم سنويا، ويشغل قرابة 50 ألف يد عاملة موزعة على 15 مدينة مغربية، تستحوذ منها فرنسا على نصيب الأسد أي قرابة 60 %. كما وتشغل شركات الاتصالات الفرنسية الكبرى الثلاث %Bouygues ، SFR ، Orange) 30)    من اليد العاملة المشتغلة في هذا القطاع. ما يعني أن سحب الاستثمار الفرنسي سيشكل تهديدا مباشرا لقطاع الشغل في هذه الفترة الحساسة والانتقالية بالمغرب.

لكن العارف بتاريخ العلاقات المغربية الفرنسية وتعقيداتها وتداخل السياسي بالاقتصادي والديبلوماسي سرعان ما يخفف من وقع التصريحات الأخيرة لهذا الوزير الاشتراكي. فقد باءت محاولات سابقيه Jean-Louis Borloo, و Laurent Wauquiez في (2004) و (2010) بالفشل بعد ضغوطات ديبلوماسية وسياسية من الطرف المغربي، وكذا ضغط الشركات الفرنسية التي تستفيد من الميزة التنافسية لسوق العمل المغربية، وخصوصا في هذه الفترة التي تعرف ركودا اقتصاديا مواكبا لأزمة أوروبا. فهذه الشركات تؤدي قرابة 4500 درهم بالمتوسط ليد عاملة مغربية مقابل 20 ألف درهم لعامل فرنسي للقيام بنفس المهمة. كما أن هذا الأخير يشتغل 35 ساعة أسبوعيا مقابل 44 ساعة لنظيره المغربي. ومنه يمكن أن نفهم الضغوطات التي تقوم بها هذه الشركة والمناوئة لسياسة الحمائية والانعزالية التي يدعو إليها الوزير المذكور.

ما هي الاجراءات التي يتوجب على المغرب اتخاذها في هذا الصدد؟

جرت العادة لدى الحكومات وصناع القرار في المغرب أن يتخذوا إجراءات ضغطية لثني السياسيين الفرنسيين وإقناعهم عن العدول على سحب هذه الاستثمارات من خلال إبراز تداعياتها الكبيرة على قطاع التشغيل في المغرب. نعتقد أن هذا الاجراء الكلاسيكي التقليدي مفهوم في المرحلة الحساسة الراهنة لكنه يبقى ظرفيا ذو طابع استجدائي. فمن الأنجع أن يقوم المغرب بوضع اقتصاده على أسس أمتن أقل ارتباطا بالظرفية والملابسات والحسابات السياسية الخارجية. فالمعروف اقتصاديا أن الشركات الأجنبية أكثر انجذابا للدول التي توفر مناخا ملائما ومحفزا للاستثمار والابتكار. ومنه يتوجب عليه السعي والاستمرار في تحسين مناخ ممارسة أنشطة الأعمال لتقوية تنافسية الاقتصاده واستقطابيته. فمؤشرات مناخ الأعمال تصنف المغرب في المرتبة 94 ومؤشر الحكامة والرشوة يضعه في المرتبة 89، أما مؤشر المساطر الجبائية وتعقيداتها فيضعه في المرتبة 124 من أصل 189 دولة.
هذه بعض من الإجراءات الاقتصادية التي يستلزم على الحكومة الحالية التفكير الجاد في تبنيها من أجل إرساء دعائم الاقتصاد المغربي وجعله في مأمن عن مزاجية السياسيين وشعبويتهم.

* أكاديمي وخبير اقتصادي من المغرب

منبر الحرية،17 يونيو/حزيران2012

الحسابات السياسية الفرنسية و الاقتصاد المغربي, 1.0 out of 5 based on 1 rating

 

ما رأيك؟