موقعة التمويل وبيت الطاعة الأمريكي

♦ سعيد السني    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

الأزمة الحادة التي ضربت  العلاقات المصرية  – الأمريكية ،تتلاشى، بفعل وتأثير  “القرار القضائي” الصادر مُنذ  أيام  ب “رفع الحظر” عن سفر الأمريكيين أل ( 19) المتهمين  في القضية المعروفة ب”التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني”، مقابل ضمان مالي قدره مليوني جنيه مصري (حوالي  330 ألف دولار أمريكي) لكل متهم منهم، ومع أن هذا القرار أدى لنزع فتيل الأزمة، إلا أنه وبنفس القدر خَلَفَ وراءه مزيدا من الإرباك للحالة السياسية المصرية، إذ ورغم صدوره عن محكمة قضائية، فقد ذهبت الظنون  إلى أنه “قرار سياسي” ناجم عن ضغوط  السلطة التنفيذية، وتحديدا “المجلس العسكري الحاكم”، بما يعنى النيل من “استقلال القضاء”، أو هكذا جرى تصوير الأمر وتسويقه إعلامياً، مع اللعب على وتر إهدار الكرامة الوطنية وخضوع  “العسكري” للإملاءات الأمريكية، وساهم في تأكيد هذه الشكوك أن رئيس محكمة الجنايات الموكول إليها محاكمة المتهمين جنائيا، كان قد تنحى بعد يومين من جلسة المحاكمة الأولى المنعقدة يوم  (26) من شهر فبراير الماضي، بغياب جميع المتهمين الأجانب، وحضور 14 متهما مصرياً فقط، من أصل 43 متهما، بينهم  26 أجنبياً، بينما كان الشعور السائد لدى غالبية  المصريين، هو الفخر والزهو، وهم يتابعون عمليات التفتيش القضائية التي تمت يوم 29)  ) من شهر ديسمبر الماضي، دهماً لمقرات 17  منظمة حقوقية مصرية وأجنبية، من بينها مكاتب للمعهدين الجمهوري والديمقراطي الأمريكيين تم إغلاقها، و إخضاع العشرات من المصريين والأجانب  العاملين بهذه المنظمات للاستجواب القضائي، وانتهى الأمر إلى  إحالة  أل ((43 متهما  لمحكمة الجنايات،  على خلفية اتهامهم بإدارة منظمات غير حكومية  دون تراخيص قانونية، وتلقى أموالً من الخارج  دون  موافقة الحكومة المصرية، وممارسة “نشاطات سياسيةً” محظورة على مثل هذه المنظمات، وقاصرة على الأحزاب السياسية المصرية فقط .

بعيدا عن  الانفعالات الغاضبة، وبحسبان أن السياسة تحكمها المصالح وليس العواطف، يمكننا   تقييم الأزمة وتوابعها من منظور قانوني وسياسي هادئ على النحو التالي :

1-  أن التُهم المنسوبة إلى المتهمين، وطبقا لقانون الجمعيات الأهلية، هي مجرد جنح مُعاقب عليها بالغرامة المالية، بمعنى أن العقوبة يمكن أن تكون من 300  وحتى عشرة آلاف جنيه( مادة 76 )، وهذا ما أشار إليه المستشار عبد المعز إبراهيم رئيس محكمة الاستئناف في معرض دفاعه عن قرار رفع حظر السفر عن الأمريكيين.

2- أن هناك صفقة جرت بين الجانبين المصري والأمريكي، لم يُكشف عن تفاصيلها بعد،  وبناءً عليها جرى إيجاد مخرج قانوني آمن، وسليم للأمريكيين الممنوعين من السفر، بأن قدم دفاعهم  تظلماً  للدائرة المختصة بمحكمة الاستئناف   من قرار “المنع” الذي كان قد صدر عن قضاة التحقيق، ومن ثم صدر الحُكم بقبول التظلمات،  مع ملاحظة  أن قضاة التحقيق كانوا قد أخلوا سبيل جميع المتهمين المصريين، بضمان محل الإقامة، وبلا أي ضمان مالي، ودون منعهم من السفر، وإنما المنع كان من نصيب “الأجانب” فقط ، رغم أن القانون يساويهم بالمصريين.

3- كان بإمكان مصر أن تقوم بترحيل الأجانب حال ظهور دلائل تورطهم فيما هو منسوب إليهم، غير أنه تم منعهم من السفر، لاستخدامهم كورقة تفاوضية لتسوية المسائل العالقة بين مصر وأمريكا، وربما يأتي قرار إحالة المتهمين لمحكمة “الجنايات” بدلا من “الجنح” في نفس الإطار، كما أن من حق الدولة أن تتنازل عن الدعوى ضد المتهمين وتوقف سير المحاكمة ( مادة 76بقانون العقوبات المصري)، ولا يُعد هذا تدخلا في القضاء أو انتقاصا من استقلاله، وإنما هو إعلاء لمصلحة وطنية أهم من إنزال العقوبة على المتهمين.

    4-  أن هذه الأزمة  في  “العلاقات الأمريكية  -المصرية”  الموصوفة  بأنها   “إستراتيجية”، هي الأخطر منذ توقيع اتفاقية  “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل، عام 1978 بوساطة ورعاية أمريكية، وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات، قد أستبق توقيع الاتفاقية، معلناً بأن”99%  من أوراق اللعبة هي بيد أمريكا”،  وجاء  خليفته  “مبارك” ليرفع هذه  النسبة  إلى (100%) ،  ويجَرد “مصر” من كل الأوراق ، ويواصل السير بلا إرادة في الفلك الأمريكي ، والدلائل على ذلك لا تقع تحت حصر.

  5- واقع الحال أن تفجير قضية التمويل، وتوقيف الأمريكان، وتوافد المسؤولين والمشرعين الأمريكيين على مصر في جولات مكوكية، للتفاوض بشأن المتهمين من رعاياهم ، هي كلها أمور جديدة على صانع القرار الأمريكي، الذي كان ينهى مثل هذه المشكلة في الحال، بمجرد “مكالمة هاتفية”  من وزيرة الخارجية لمبارك المخلوع، بما يؤكد أن “مصر الجديدة “، تعيد ترتيب أوراقها، و بناء قواعد اللعب من جديد ،وبعبارة أخرى، فإنها تحاول استعادة “نصف” أو “بعض” الأوراق، لتعود بيد مصر، كي تتعدل قواعد اللعب، ويحدث التوازن  في العلاقات بين البلدين، فلم يعد ممكنا، بعد الثورة  أن تستمر  كل أوراق اللعب  بيد أمريكا، وأن يظل دور مصركما الزوجة  في بيت الطاعة الأمريكي،على نحو ما كان عليه نظام مبارك .

 6 – أن هذه الأزمة جردت الولايات المتحدة من “ورقة المعونة”، وأحرقتها، ففي بداية اشتعال الأزمة، وكما اعتاد الأمريكان، راحوا يلوحون بهذه الورقة، فكان الرد تذكيرا من مصر بأن قطع المعونات “يبطل” اتفاقية كامب ديفيد، وتلويحاً بأن هذا يدفع  القوات المسلحة المصرية  إلى تركيز تسليحها بعيدا عن الولايات المتحدة، وتحديدا اللجوء إلى روسيا والصين ودول أوربية وأسيوية لجلب السلاح اللازم، وهو ما دفع رئيس أركان الجيوش الأمريكية  الجنرال ديمبسى إلى أن يحذر الكونجرس الأمريكي من مغبة تشريع قانون بقطع المعونة، ومؤكدا أن أمريكا هي المستفيدة من علاقتها بمصر، بأكثر من تكلفة المعونة،  بل أن السيناتور الأمريكي اليميني المتشدد جون ماكين، لم يصدر عنه أي تصريح  مسيء لمصر على عكس المعتاد منه.

 على أنه لا يفوتنا أن “موقعة التمويل” هذه منحت المجلس العسكري الفرصة  لاستثمار التورط الأمريكي في الشأن الداخلي المصري، من أجل تعديل شروط المعونة، وتخفيف الضغوط الأمريكية عليه، وإلزام الولايات المتحدة  بوقف الدعم والتمويل للأفراد والجماعات والائتلافات الشبابية،  والمنظمات الحقوقية، والأنشطة المحظورة، وفى ذات الوقت تخفيف حدة الانقسامات الداخلية، وتعبئة الشعب المصري في مواجهة عدو خارجي.

*كاتب وصحفي مصري

منبر الحرية،07 أبريل/نيسان2012

 

ما رأيك؟