الطريق إلى الديمقراطية..إعلاء مؤسسية الدولة على أيديولوجية نخبة الحكم

♦ عزمي عاشور    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

لم تختلف السلطة المركزية في مقوماتها في ماضي الدولة المصرية الذي يرجع لحكم الأسر الفرعونية منذ آلاف السنين عن الحاضر من امتلاك الثروة والنفوذ وقوة الجيش الذي كان مميزا في فترة حكم هذه الأسر . ولم يكن هذا التصور غائبا عن مؤسس الدولة المصرية الحديثة محمد على باشا الذي بدأت تجربته سنة 1805 باختيار النخبة المجتمعية  له ثم انقلابه عليهم  لينفرد بتأسيس الدعائم الواقعية لنفوذه وقوته ليكون حاكما شرعيا على القطر المصري ثم بعد ذلك على ما جاورها من أراض في بلاد الشام والسودان ..واستمر نهجه في تكريس مركزية السلطة في أشكال مختلفة من الهيمنة على الثروة  وتكريس النفوذ ببناء جيش عصري  والاهتمام بكل السبل التي ترفع من شأنه سواء بالتعليم أو بالابتعاث للخارج  أو جلب الخبراء ليطورا داخله لدعم مركزيته وهيمنته ، والتي نجح في أن يرسي دعائمها في أثناء فترة حكمه التي امتدت لسنة 1848 ثم  ظهر تأثيرها بعد ذلك في فترة حكم أفراد أسرته التي انتهت بقيام ثورة يوليو  1952..

 وكمنت قيمة هذه التجربة في أنها استطاعت أن تخلق سلطة سياسية مركزية حديثة  تتمحور عليها أسس الحكم داخل القطر المصري وما استلزم ذلك من صدور تشريعات وقوانين  تعمل داخل دولاب العمل الحكومي في المؤسسات الجديدة المستحدثة، سواء في الجيش أو في النظام القضائي أو حتى النظام التشريعي الذي بدأ بمجلس النواب في عام 1866 وما تبعها من إنشاء دساتير كانت تعبر بشكل ما عن السلطة المركزية للدولة ..والتي تطورت في مراحل لاحقة بشكل كبير داخل دستور 1923 ، بإبراز الحقوق والواجبات المتبادلة بين مؤسسات الحكم والأفراد داخل المجتمع  .. ومثل هذه التطورات صبت في دولاب الحكم ومركزيته الذي شرعن الحكم عن طريق هذه القوانين والمؤسسات وعمليات احتكار القوة بأشكالها المختلفة مظهرا هيمنة وقوة  الدولة المصرية أيا كان من يحكم سواء ملك أو رئيس جمهورية مثلما سارت آليات الحكم في فترة ما بعد ثورة يوليو،  واستمرار نفس النهج في الإصرار على مركزية السلطة والاستئثار بالقوة في شكل الثروة والجيش بنفس النهج الذي بدأ به محمد على حكمه تأكيدا على مركزية الدولة في شكل نخبتها الحاكمة ..

وباتت عملية التمحور حول مركزية الحكم في المجتمعات التي لم تكن فيها قيم المؤسساتية وتداول السلطة من الأمور الطبيعية،  حيث من  يمتلك السلطة يستطيع أن يحكم وان تسير قاطرة الحكم على قضبانه رغم ديكتاتوريته. ومن هنا فدولاب الحكم  أيا كان شكله في ظل غياب المؤسساتية وحكم القانون وقيم الديمقراطية يستطيع  أن يٌسير عجلة الحكم ويخلق الشرعية لنفسه،  وهذا ما كان يعمل عليه بنفس المنطق منظرو النظام السابق في مصر  الذين كانوا يخططون لإمكانية استمرارا هذا النموذج من الحكم (حكم الفرد) في شكل التوريث  مستندين إلى هذه الخلفية التاريخية التي تؤكد على انه على مدار المائتين سنة الماضية إن السلطة المركزية،  أو بمعنى أوضح  سلطة الدولة كانت لها الهيمنة على باقي السلطات الأخرى بما فيها القوى السياسية  وبالتالي من الممكن تسخير هذه السلطة في خدمة أغراض غير مشروعة مثل الاستبداد وديكتاتورية الحاكم الذي يحكم مدى الحياة ثم استخلافه في أسرته بعد ذلك  ..

وعلى ما يبدو أن فترة المخاض التي تشهدها مصر منذ تنحى الرئيس السابق  وحتى انتهاء المرحلة الانتقالية تشهد تفاعلات  من قبل قوى سياسية تعمل للانتصار لهذه الوجهة التاريخية بخلق  السلطة السياسية المهيمنة دون أن تكون هناك مؤسسات وإطار القانوني  ومبادئ الديمقراطية  حتى لو أتت بالانتخاب، فالعبرة ليست  في كونهم جاءوا عن طريق صندوق الانتخاب وإنما في عملية تحييد مؤسسات الدولة بعيدا عن نخبة الحكم، ولا تكون تابعة لهم بل يعملون في إطارها دون إخضاعها  لسلطة الفرد أو التنظيم  كما كان في السابق .. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي سوف يحدد مؤشرات نجاح الثورة  التي لا يمكن الحكم على نتائجها بمرور عام أو أكثر بل تحتاج إلى سنوات. فهل تستمر الثورة في نجاحاتها بكسرها هذا الاحتكار التاريخي للسلطة السياسية  والذي شهد محطات خروج عنها وفقا للاتي :

أولا:  شهد تطور السلطة السياسية في مصر عبر المائتين سنة الماضية حالات خروج عن هيمنة الديكتاتور، فالشرعية على سبيل المثال خرجت عن طوع الملك وذهبت إلى حزب الأغلبية المعارض الممثل في الوفد في الفترة من 1924- 1952. وبروز الوفد   كحزب معارض يتناوب على الحكم مع أحزاب أخرى. في هذه الفترة لم يكن إلا نتيجة للصحوة المجتمعية والنهضة التي أحدثتها ثورة 1919، وهو ما صب في صالح كيان قوة الدولة المصرية كمجتمع ومؤسسات… وهذه الفترة ما زالت هي الأبرز في القدرة على تحييد هذه المؤسسات عن السلطة السياسية  بقدر ما.

 ثانيا : إن عملية الإصلاح من داخل دولاب الحكم الذي يستوعب المعارضة ممكنة مثلما حدث  في الفترة الليبرالية فوجود المعارضة وحصولها على الأغلبية وعلى الحكم حتى لمدة قصيرة  كرس من فكرة تبادل السلطة،  وهو ما انعكس على  الثقافة المجتمعية التي كانت متنوعة فكريا إلا أنها في النهاية لم تخرج عن الثوابت المتعلقة بمصر كوطن لكل المصريين وليس وطن من يحكمون فقط.

ثالثا : يجب التمييز بين الفرد الحاكم أو نخبة الحكم  والمجتمع بمؤسساته، فالدولة ليست هي الحاكم الفرد ومن ثم ليس توجيه نقد للفرد الحاكم. انه يكون موجه للدولة المصرية بمؤسساتها وتراثها السياسي في الحكم..، فالدولة هي المؤسسات المختلفة بميراثها الثقافي وتقاليدها التي رسختها على مدار الخبرات السابقة، والمفترض فيها أن تكون متسمة بالاستمرارية مع التطوير على عكس الحكام الذين يجب أن يأتوا ويذهبوا دون أن يحدثوا التوقف في استمرارية هذه الصيرورة المؤسساتية والمجتمعية.

وبناء على ما سبق  فالطريق لوضع دستور جديد  يكون أمامه تحدين الأول يتمثل في كيفية التغلب على الفصل ما بين الحاكم والدولة بمؤسساتها بشكل يخالف ما هو كان متبع ومتجسد في نظام الحكم في مصر على مدار المائتين سنة الماضية، والتي كان فيها الحاكم الفرد هو الدستور والقانون والمؤسسات… والتحدي الثاني يتعلق بالقوى السياسية، بأن يضمن الدستور الجديد المبادئ والإطار الذي يعلي من قيم الدولة كمؤسسات وكيان عام عن أيدلوجية هذه القوى مهما كانت أغلبيتها في المجالس النيابية التي بحكم طبيعتها هي متغيرة بالانتخابات، وبالتالي حالة المنافسة فيما بينها على الحكم تكون من خلال هذا الإطار العام لشكل الدولة وليس وفقا لأيدلوجية سياسية أو دينية قد تنعكس في شكل كتابة الدستور ..

 منبر الحرية،23 مارس/اذار2012

 

ما رأيك؟