لماذا تهرب وتهاجر كفاءاتنا العربية العلمية؟

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 3.3/5 (9 votes cast)

لهجرة كجزء من أزمة مشروع النهوض والحداثة العربي

        لا يوجد بلد عربي إلا ويعاني من هجرة كثير من عقوله وكفاءاته العلمية للخارج.. إما للدراسة والتحصيل العلمي العالي، أو للعمل في مختلف حقول البحث العلمي المتعدد والمتنوع من الطب والهندسة والفيزياء وعلوم الذرة وغيرها..

وتقول الإحصائيات أن أكثر من ثلث الكفاءات العلميّة انتقل من أفريقيا إلى أوروبا في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وأن كندا والولايات المتحدة هما من أكثر الدول انفتاحاً وقبولاً واستيعاباً لتلك العقول والكفاءات العربية المهاجرة، وقد قبلتا خلال الفترة الواقعة ما بين عامي1960 و1990 أكثر من مليون مهاجر مهني وفني من مختلف الدول النامية ومنها دولنا وبلداننا العربية التي تعج ولا شك بآلاف مؤلفة من المبدعين والمخترعين والمكتشفين والعقول النيرة.

وإذا ما حاولنا إعطاء إحصائيات أكثر دقة عن موضوع هجرة العقول العربية للخارج، فإننا سنجد صعوبة بالغة ولا شك بسبب عدم قيام أية دولة عربية بواجبها على هذا الصعيد، ولكن بالعودة إلى ما سجله أنطوان زحلان (وهو بالمناسبة من أهم وأبرز المتابعين والموثقين لموضوع هجرة الكفاءات العربية منذ الستينات من القرن الماضي) يمكن القول بأن أكثر من حوالي 70 ألفاً من أصل 300 ألف من حملة البكالوريوس والماجستير من العرب في العام 1995/1996 قد هاجروا، وأنّ عدد المهاجرين من الأطباء العرب عام 2000 فقط بلغ نحو 16 ألفاً.

ووفق زحلان، يبلغ عدد حملة الدكتوراه العرب في الخارج 150 ألفاً، أي ما يعادل ربع حملة الدكتوراه في الولايات المتحدة وثلاثة أرباع حملة الدكتوراه من العرب. أما أصحاب المهن الطبيّة الذين هاجروا إلى أوروبا فقد فاقوا الـ15 ألفاً بين 1999 و2001.

وإذا أخذنا في الاعتبار عدد الطلاّب العرب الذين يدرسون في الخارج والذين لا يعودون إلى أوطانهم في الغالب، لأمكننا تقدير الحجم الكبير لهجرة الكفاءات العربيّة، ففي 1996 كان 179 ألف طالب عربي يتابعون دراستهم العليا في الخارج.

وعلى صعيد ترتيب الأقطار العربيّة، يمكن اعتبار مصر وبعدها لبنان وفلسطين والأردن الأكثر تصديراً للكفاءات العلميّة، ووفق بعض المعلومات المتداولة، فإن أكثر من مليون وربع مليون عالم عربي موجودون في الخارج، بينهم 800 ألف مصري.

ووصلت تحويلات الكفاءات العلميّة العربيّة العاملة في الخارج إلى حوالي 25,2 مليار دولار عام 2006م، وهي تحويلات زهيدة قياساً إلى الخسائر التي يتكبّدها العالم العربي نتيجة هجرة هذه الكفاءات، والتي تقدَّر في بعض الإحصاءات بـ200 مليار دولار سنوياً، وفي بعض التقديرات قد تعادل قيمة الطاقة الذهنيّة العربيّة التي تحصل عليها الولايات المتحدة وأوروبا من دون مقابل قيمة النفط والغاز العربيّين.

وتشير تقارير أصدرتها كل من الجامعة العربية ومؤسسة العمل العربية والأمم المتحدة (عبر تقارير التنمية الإنسانية العربية)، إلى وقائع وأرقام حول هجرة العقول العربية إلى الخارج. وتشدد هذه التقارير على كون المجتمعات العربية باتت بيئة طاردة للكفاءات العلمية.

وتشكل هجرة الكفاءات العربية ما نسبته 31 في المائة مما يصيب الدول النامية، كما أن هناك أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي من حملة الشهادات العليا أو من الفنيين المهرة هاجروا للخارج وهم يعملون في الدول المتقدمة، بحيث تضم أميركا وأوروبا أكثر من 450 ألف عربي من حملة الشهادات العليا وفق تقرير مؤسسة العمل العربية.

كما تؤكد هذه التقارير أن ما نسبته 5,4 في المائة فقط من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج يعودون إلى بلادهم فيما يستقر الآخرون في الخارج. ومن الأرقام ذات الدلالة أيضاً أن 34 في المائة من الأطباء الأكفاء في بريطانيا ينتمون إلى الجاليات العربية (حالة الدكتور والعالم المصري مجدي يعقوب، خبير وجراح القلبية الأشهر في العالم)، وأن مصر وحدها قدمت في السنوات الأخيرة حوالي 60 في المائة من العلماء العرب والمهندسين إلى الولايات المتحدة، فيما كانت مساهمة كل من العراق ولبنان 15 في المائة.. كما وشهد العراق ما بين 1991-1998 هجرة 7350 عالماً تركوا بلادهم بسبب الأحوال السياسية والأمنية الضاغطة ونتيجة الحصار الدولي الذي كان مفروضاً على العراق آنذاك.

هذا وتشير هذه التقارير إلى عمل قسم واسع من العقول العربية في اختصاصات حساسة في بلاد الغرب: مثل الجراحات الدقيقة، الطب النووي، الهندسة الالكترونية والميكروالكترونية، والهندسة النووية..

من هنا يمكن القول وبكل تأكيد وحسم أن تسرب واستنزاف العقول المبدعة في الدول المتخلفة من الناحية السياسية والاقتصادية هي أكبر تحد تواجهه تلك الدول التي لم تضع قدمها بعد على طريق التطور العلمي على صورته الصحيحة التي تبدأ منذ مراحل الدراسة الأولى عندما يدخل التلميذ إلى مقاعد دراسته الابتدائية ليجد المدرسة والسكن المدرسي الصحي الملائم، والمنهاج المناسب والمعلم الخبير، مروراً بالدراسة المتوسطة والثانوية، وصولاً إلى مراحل الدراسة الجامعية.

ولا شك بأن ضغوطات الواقع الداخلي الذي تعيشه تلك الفئات العلمية النيرة المتمثلة في أزمات مجتمعاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية المستمرة، إضافة إلى عدم توفر قاعدة علمية بحثية صحيحة في بلدانها مع وجود مغريات مادية خارجية، كله يشكل دافعاً ومحرضاً قوياً لديها للهجرة والعمل خارج أوطانها حيث يمكن أن تهيئ لها الأجواء والمناخات المادية والشروط العلمية الملائمة لنمو وتصاعد وتفتق إبداعاتها الذاتية التي عجزت ظروف بلادها –من تخلف وتبعية وانقسامات اجتماعية أفقية وعمودية واستبداد وقهر سياسي وانغلاق فكري- عن تأمين متطلبات وشروط نجاحها وتألقها وإبداعها.

ويمكن أن نضرب هنا مثلاً واضحاً على أهمية وحيوية ما يمكن أن تفعله الظروف المحيطة بالإنسان في توسيع مداركه وتفتح عبقرياته وانبثاق إبداعاته، وهو العالم المصري أحمد زويل الذي حاز على جائزة نوبل في الكيمياء الحيوية منذ عدة سنوات.. فقد عاش هذا العالم الكبير معظم حياته المهنية العلمية في جامعات الولايات المتحدة منذ عقد الستينات من القرن الماضي عندما كان لا يزال طالباً في مراحله الجامعية الأولى.. والمناخ السائد هناك هو مناخ البحث العلمي الحقيقي الذي يترك فيه الطالب مع أستاذه المشرف عليه ليبحث ويتعلم ويجرب ويتقصى ويحلل ويستنتج مع وجود ميزانية مادية كبيرة متاحة أمامه للوصول إلى ما يمكن الوصول إليه من رؤى وأفكار ونظريات وحقائق علمية.. ولو أن هذا العالم بقي هنا في بلده مصر لما تمكن من الوصول إلى ما توصل إليه من مكتشفات واختراعات تركزت بمجملها على مستوى علم النانو أو البايوتكنولوجي..

وإذا كان من الطبيعي والمعروف جداً أن تتأثر بلداننا العربية بهجرة عقولها المبدعة إلى الخارج، على مستوى الإبقاء على تخلفها وبؤسها العلمي المتفاقم (وتراجع مستويات حقول المعرفة وإضعاف الفكر العلمي والعقلاني)، فإن من غير المنطقي أن يتم تحميل هؤلاء المهاجرون المبدعون مسؤولية هذا التخلف أو حتى جزءاً بسيطاً منه، لأن هؤلاء ليسوا في موقع القيادة والتخطيط لبلدانهم، ولم تتح للكثيرين منهم فرص ومناخات العمل العلمي الصحيح في داخل بلدانهم، وأساساً لا تتوافر أية ركائز علمية بحثية ذات قيمة فيها، فضلاً عن أن جل اهتمام مسؤولي بلدانهم ونخبها السياسية ليس منصباً على العلم والمعرفة العلمية ومحاولة تطوير مجتمعاتهم وإيجاد موطئ قدم فعال لها على المستوى العالمي، بمقدار ما هو منصب ومتركز على السلطة والحكم وديمومة الكراسي للأسف.. وإذا كان من الضروري التذكير هنا بأن كثيراً من البلدان العربية ترسل طلاباً على شكل بعثات دراسية علمية إلى كثير من الجامعات المرموقة والمعروفة دولياً بهدف تحقيق مزيد من التأهيل العلمي العالي الصحيح، فلابد من أن نوضح بأن كثيراً من هؤلاء العائدين من الخارج يوضعون ويسمون في وظائف ومراكز حكومية لا تتناسب أساساً مع طبيعة تأهيلهم ودراستهم العلمية التي درسوها وابتعثوا من أجلها للخارج وتكلفت الدولة من أجلها الكثير من الوقت والجهد والمال.

من هنا وبناءً على هذه الصورة السوداوية لحالة الاستنزاف والهروب المتواصل للعقول العلمية إلى الخارج (خارج بلدانها إلى بلدان عربية أخرى مجاورة لها قد تجد فيها بعض المواقع العلمية المتقدمة للعمل والبحث، أو الهجرة إلى خارج الدول العربية إلى أوروبا أو أمريكا للعمل والبحث وزيادة التأهيل العليم)، ثمّة أسئلة إشكالية نطرحها ونحاول البحث عن إجابات منطقية وعقلانية وواقعية لها:

لماذا هذا الإصرار الموجود لدى العقول والكفاءات العلمية العربية لمغادرة بلدانها وعدم العمل فيها؟ ثم ما هي الأجواء والمناخات الملائمة المطلوب تأمينها على كل المستويات والأصعدة كي تبقى تلك العقول في داخل بلدانها تعمل وتبحث وتطور؟ وهل مجتمعاتنا العربية مؤهلة أساساً لتأمين ظروف عمل وبحث علمي حقيق لتلك العقول المبدعة؟!!

أسئلة كثيرة ولا شك يمكن تسجيلها حول واقع العقول العربية المهاجرة، وأسباب هجرتها، لأن طبيعة هذا الملف العلمي مرتبط في العمق بأزمة التخلف العربي ككل، ويظهر لنا أن مشهد العقول العلمية المهاجرة هو جزء بسيط من الصورة الإجمالية الكلية لأزمة مشروع الاستنهاض العربي، وحالة الإخفاق الكبير الذي وصل إليه ككل، والذي لم تتمكن كل نخبه وكفاءاته وعقوله من الإجابة العملية –وليس النظرية فقط- على السؤال النهضوي الإشكالي الكبير المطروح منذ أكثر من قرن من الزمان: لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب؟

إننا نعتقد أن تشخيص أسباب وعلل المرض هو بداية وضع العلاج الناجع والملائم له، وإن البحث والتقصي في جملة الأسباب الطاردة للكفاءات العلمية العربية –كمرض علمي عربي مزمن- ليس صعب التحقق والمنال..

وإذا تتعدد وتتنوع وتتراكب تلك الأسباب التي تدفع الأدمغة العربية إلى الهجرة، فلا بد من أن نركز الحديث هنا حول أهمها وأجلاها وأكثرها وضوحاً وهو العامل السياسي حيث أن غالبية المجتمعات العربية محكومة بنظم قائمة على قاعدة الغلبة وحكم القوة والبطش، وبالتالي هي تعيش وتعتاش على مناخ التوتر والتناقض، مما يسبب لشعوبها على الدوام مشاكل وأزمات واضطرابات سياسية لها أكلاف وأثمان باهظة مادية ومعنوية حاضرة ومستقبلية تطاول حياة مستقبل الأجيال اللاحقة ومختلف مواقع العلم والعلماء، التي تحتاج إلى بيئة حاضنة للإبداع العلمي وجاذبة للعقول المبدعة، لها شروطها من حرية واستقرار وميزانيات بحث علمي ضخمة تمكن أولئك الباحثين من العمل الإبداعي والمنتج..

أما ما هو قائم في تلك البلدان فهو على العكس تماماً.. إذ لا تكاد تخلو بلاد عربية من حالة اللا استقرار السياسي والاجتماعي، وحالة شبه حروب أهلية المتنقلة والمستمرة، أو القائمة تحت الرماد بسبب التوترات والنزعات والاستحكامات الطائفية والعشائرية..

ويضاف إلى ذلك أن طبيعة الثقافة السائدة والمهيمنة في عوالمنا العربية، اتباعية اتكالية تلقينية، ذات أبعاد إطلاقية غير نسبية، تعمل بالنص والمرجعية النصية، وليس للشك واللا يقين أي وجود فيها.. ومن المعلوم أن البحث العلمي يحتاج لبيئة ثقافية تتصف بالنسبية والتشكيك واللايقين العلمي، لأنه (أي العلم) قائم على التجربة والاستكشاف البحثي المادي المعتمد في جوانب كثيرة منه على الأوليات والبديهيات والقبليات العقلية.

ومن الأسباب الطاردة للعقول أيضاً نجد هناك الأسباب الاقتصادية والاجتماعية القائمة في داخل بلداننا العربية والمتعلقة بانعدام تكافؤ الفرص، وعدم وجود الفرص العملية التي تناسب عمل هؤلاء المبدعون كما ذكرنا آنفاً.. وعلى هذا المستوى لا نجد أن بلداننا العربية مهجوسة بهذا الجانب، وهو أصلاً ليس موجوداً على أجندتها أو على سلم أولوياتها.. كما أنها ليست معنية بالإفادة من مجمل الاختصاصات العلمية خاصةً على صعيد إيجاد أو تأمين مجالات عمل لأصحابها، مما يجعل من هؤلاء الخريجين الجامعيين أنفسهم ضحايا البطالة خاصةً المقنعة منها (أعني بها أن يعمل المرء في مؤسسة ما ويأخذ راتب، ولكن بغير اختصاصه وتأهيله العلمي الذي اختص به).. ويزداد الأمر هنا تعقيداً عندما يرى هؤلاء الجامعيون بأم أعينهم كيف تستعين دولهم ومؤسساتهم بخبراء أجانب يدفعون عليهم الكثير الكثير من المال، بينما هم مهمشون ومغيبون ولا أحد يفكر بهم.. كما يرون ويعاينون على الأرض ضعف وترهل مؤسساتهم العلمية البحثية وعدم توظيفها في خدمة المجتمع ككل، مع انعدام الإدارة الفاعلة ذات الكفاءة والنوعية والتدريب الكافي..

وهذا كله ما يدفعهم لأسف للإسراع باتخاذ قرار الرحيل والهجرة والبحث عن مواقع عمل أخرى تناسب مؤهلاتهم في بلدان أخرى.. حتى لو كان لقرارهم هذا الكثير من الآثار السلبية على مستقبل العلم والإنتاج العلمي والمعرفي في بلدانهم ومجتمعاتهم.

من هنا نحن نعتقد أن محاولة العرب استعادة عقولهم المهاجرة مرهون لدى قدرتهم على الانخراط الجدي في مشروعهم النهضوي العقلاني التقدمي القائم على الحرية والعدالة والديمقراطية والتعددية السياسية.. أي هو رهن بإيجاد قاعدة سياسية واجتماعية صلبة يمكن لها أن تشكل بيئة جاذبة لتلك العقول والكفاءات الكبيرة.

وفي ظني أن أولى هذه التغييرات الكمية والنوعية المطلوب العمل عليها لتشكل بيئة حاضنة للعلم والعلماء والكفاءات والعقول النيرة، هي في إجراء تغييرات ثقافية وسياسية في داخل بنية مجتمعاتنا، وهي تتمثل –كما نؤكد ونشير دوماً- في إعادة السياسة إلى حضن المجتمع بالعنوان الأولي، ومواجهة عقول الاستبداد والطغيان.. والاشتغال النقدي المعرفي الفاعل والمتواصل على ثقافتنا العربية والإسلامية التقليدية التي تعاني من الانغلاق على الذات والتقوقع على نصوص متخشبة، والخوف من الآخر.. وهذه الإشكاليات والأمراض التي تعاني منها ثقافتنا تشكل أكبر معيق لإطلاق حريّة الفكر والإبداع، والاستثمار الفاعل للعقول والقامات العقلية الكبيرة والكثيرة في عالمنا العربي.

© منبر الحرية،17 فبراير/شباط2012

لماذا تهرب وتهاجر كفاءاتنا العربية العلمية؟, 3.3 out of 5 based on 9 ratings

 

ما رأيك؟