جدل الدولة الدينية بين ثوابت الماضي وتغيرات الحاضر

♦ عزمي عاشور    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

  بات الحديث عن الإسلام وثقافة التأسلم من الأمور التي تتطلب جدية في البحث، على اعتبار أن هذا المكون أصبح رافدا أساسيا في تشكيل عقلية  وتصرفات  الأفراد  داخل المجتمع،  والذي ظهرا بشكل واضح  في نسبة التصويت الكبيرة التي أدت إلى حصول الأحزاب الإسلامية على الأغلبية في انتخابات  ما بعد الثورة في كل من  تونس ومصر والمغرب. و الخطورة هنا لا تكمن في  الدين الإسلامي كمكون لثقافة المجتمع،  فهو أحد الديانات التي جاءت وارتقت بإنسانية البشر، وإنما تكمن في انه تباينت بشأنه عملية التفسيرات وهيمنة  فيه التأويلات المرتبطة  بالماضي، بصرف النظر عن مدى صحة مضمونها، وندرت فيه التفسيرات العصرية المدركة لسنن التطور للمجتمع البشري. و القرآن الكريم نفسه في آيات كثيرة أسس لهذا المبدأ، وهو مبدأ التعلم من تداول الأيام واستخلاص السنن والعبر والأحكام … وبالتالي احتكار الدين وتوقيف الزمن وتوقيف عقل المجتمع  على فترة زمنية  ترجع إلى  السلف  في تفسيراتهم وفي رؤيتهم للحياة والواقع يتنافى مع المبادئ العامة  والقيم التي جاء بها.

 وتتبدى عملية توقيف عقل البشر على مرحلة معينة من التاريخ في قضايا كثيرة لعل أبرزها قضايا خلط الدين وإقحامه في أمور تحتاج إلى استخدام العقل وليس الاتكال على تفسيرات  كانت محكومة بظروف العصر التي ظهرت فيه ..، وفي هذا الإطار يجب التمييز بين المبادئ والقيم التي جاءت به  الأديان، ومنها الدين الإسلامي، وبين الأفكار البشرية  وما يستجد  فيها من تطورات وتغييرات، حيث في الحالة الأولى الأفكار والقيم  أمور ترتبط بالأساس بالفطرة البشرية وبالتالي فالقيمة نفسها  المرتبطة بفطرة الإنسان  قد لا تختلف في مضمونها في الماضي عنها عما هو موجود الآن .. فمثلا قيمة العدل أو قيمة كالحرية  كلها قيم  مرتبطة بالفطرة،  قد تكون  تعرضت للانتكاسة  في مراحل  زمنية إلا أن الإنسانية دوما تسعي  للتمحور حولها مهما كان الابتعاد لظروف مرتبطة بالاستبداد وسيادة الظلم.

  ومن هنا فتاريخ القيم الإنسانية ليس لها جنسية واحدة تحتكرها، فهي مللك لكل البشر، وقد ساهمت في إثرائها ليس فقط الديانات السماوية  وإنما غير السماوية أيضا، وتجارب الحضارات الإنسانية التي  تعاقبت على مدار آلاف  السنين، بما فيها الحضارات التي سبقت ظهور الديانات السماوية الثلاث(  اليهودية ، المسيحية، الاسلام). فالسنن الكونية ليست مرتبطة في التصاقها بعملية التدافع والتفاعل في المجتمعات  بنزول الديانات  وإنما  جاء ارتباطها بشكل أساسي مع بداية  الخلق.  ولذلك كانت السنن الكونية متحققة منذ  هذه اللحظة والي الآن ونافذة سواء كان ذلك متوافق مع التفسيرات الدينية أو متعارض معها، مع التسليم انه ليس بالضرورة  أن كل ما هو تفسير ديني يكون مرتبط  بالحقيقة..، فمسألة الرزق على سبيل المثال  بمنطق الدين، لا تقتصر على فئة  تدين بدين دون أخرى، ولا تقتصر على أصحاب الديانات السماوية دون الديانات  الأرضية، ولا على المؤمنين دون غيرهم الذين لا يعرفون الخالق، فهذه السمة تعم الكل. فهي ترتبط  بقوانين الحياة كالأخذ بالأسباب عند طلبه، بان يكون هناك سعي وبذل جهد للحصول عليه.  وهذا منطق طبيعي لأنه إذا كانت هناك وحدة في الخلق، على سبيل المثال، للجنس البشري من حيث التكوين  العضوي والشكل  فذلك يستتبع أن توجد سنن كونية حاكمة غير سنن وقوانين البشر لا تستثني فئة عن أخرى فيما يتعلق بوجود هذا الإنسان  ..

         ومن هنا فهذه الوحدة في السنن الكونية الحاكمة على الكل تدحض احتكار أي فئة للدين، وتجعل من كل الديانات بمثابة رسائل إرشادية في مسائل جاءت في فترات زمنية معينة لإرشاد  البشر إلى اكتشاف حقيقة جوهرهم ..، ولعل أول  شيء كانت تؤكد عليه هذه الديانات هي الحرية، ليس فقط من الاستبداد والقهر، وإنما حرية العقل  بمعنى أن يؤمن المؤمن بالخالق عن طريق العقل والاقتناع  وليس عن طريق الإتباع .. إلا أن الخطورة كمنت أن عملية التدين تحولت إلى عادة وإتباع، أصبح  الدين بهذا الشكل، مع مرور الأيام ومع كثرة التفسيرات وتفشي الجهل والفقر، أداة لسلب عقل وإرادة البشر وتحويلهم إلى خاضعين ومستسلمين، ليس فقط أمام  تفسيرات الدين بصرف النظر عن الصحيح منها والمشوه، وإنما أيضا أمام  الأسطورة التي تقترن أحيانا به…..وأصبح  الإنسان البسيط في ظل هذه الظروف ضعيف وملجأه هو الدين. وبناء على ذلك تعاظمت وقويت سلطة كل من تكلم باسميهما أمام هؤلاء الضعفاء من البشر.

    وترعرع السلطة الدينية هذا اخذ أشكالا مختلفة سواء داخل  المؤسسة الدينية الرسمية أو خارجها عن طريق تفشي ظاهرة الإسلام السياسي في شكل جماعات وفرق تبني شرعيتها على نفس النهج المرتبط باحتكار الدين وبتفسيراته الماضوية، مستغلة في ذلك ضعف البشر الناتج عن الفقر والجهل  وقمع السلطة السياسية   لنشر فكرها، الذي لم تجد صعوبة في نشره مما أدى إلى أن أصبح الدين  وكل ما يرتبط به من ممارسات بمثابة أداة تعبوية وحشد لأصحاب السلطة الدينية.

     فتاريخ الأفكار يؤكد أن الصالح منها يجد طريقه التلقائي للتطبيق على ارض الواقع بدون فرض أو  إجبار في دعوتها. ولعل ابرز الدعوات التي  تحملها هذه الجماعات سواء المعتدل منها أو المتطرف هي الدعوة لعودة الخلافة الإسلامية. وتحت هذا المسمى أفكار كثيرة  فضفاضة لا تمت  بصلة للواقع الذي تنادى برفضه. فعند النظر إلى فلسفة الحكم في الوقت الحاضر في النظم السياسية الغربية نجد أنها تميز بين معنيين: الأول مرتبط بمضمون وجوهر عملية الحكم وتسيير شؤون المجتمع. والثاني مرتبط  بشكل هذا  النوع من الحكم، حيث في المعنى الأول  نجد انه حدث ما يشبه بمأسسة القيم الإنسانية الصالحة كالعدل والحرية ،على سبيل المثال، في سلوكيات وثقافة المجتمع، الأمر الذي جعل من هذه الثقافة وهذه المؤسسات التي تترجم فيها، بمثابة القيّم على شكل عملية الحكم، وبالتالي الفرد الحاكم ما هو إلا تابع لهذا النظام الثقافي يتحرك وفقا له وليس هو المحرك له، ويتضح ذلك على سبيل المثال في  نمط اختيار رئيس دولة عن طريق الانتخابات  لقترة محددة ثم بعد ذلك يترك الحكم لرئيس جديد يأتي بانتخابات، وأيضا ظاهرة محاسبة هذا الحاكم وفقا لنمط مأسسة القيم والثقافة في المجتمع في حالة ما إذا ارتكب خطأ. وهذا يقترب أكثر بالمعنى الثاني المرتبط بشكل الحكم والذي يبدو ضعيفا جدا أمام المعنى الأول المرتبط بمأسسة القيم داخل مؤسسات وثقافة  المجتمع تترجم كسلوك.

 ومن خلال التحليل السابق يمكن تسكين  المطالبين بالسلطة الدينية أو الدولة الإسلامية  في إطار المعنى الأول ولكن بشكل معاكس، بمعنى انه ليس من المهم مأسسة المجتمع  وثقافته  بقيم كالعدالة والحرية  وإنما المهم هو تسكين الشكل سواء في سلطة دينية تستلب  هوية الأفراد، سواء تم ذلك في شكل خلافة إسلامية  أو أي نوع آخر  لشكل الحكم يهتم بالشكل على حساب المضمون وبالفرد على حساب المجموع  وبالرأي على حساب الآراء وبالتفسير الواحد للدين على غيره من التفسيرات.. ومن هنا يتأكد جوهر أن كل هذه المصطلحات الفضفاضة كالخلافة الإسلامية ما هي  إلا خدعة كبيرة قد لا تحقق العدل والحرية بقدر ما تكون إطار تسلب فيه إرادة وحقوق البشر تحت مسمى الدين .

 *كاتب وباحث سوري

© منبر الحرية،09 فبراير/شباط2012

 
  1. الموضوع مش محتاج تفكير كتير العلمانية هي الحل
    المجتمع مش ممكن كل شئ فيه يدار بأسلوب مدني من المدرسة إلي الجامعة إلي المصنع و في الآخر نبقي دولة دينية رجعية متخلفةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة
    لو قلت لواحد نعين الدكتور في الجامعة علي أساس حفظه للقرآن الناس هتضحك عليك يبقي إزاي إدارة الدولة يدخل فيها حسابات الإسلام السياسي المتخلفة اللي بالعافية عايزة تخلي الإسلام دين و دولة مع إن فكرة الدولة الحديثة جات بعد كل الأديان
    العلمانية أو المدنية هي الحقيقة بعيدا عن أوهام المتطرفين
    العلمانية دولة تحتضن الجميع من متدين و غير متدين و تتفرغ للإبداع و الإنتاج و ليس للتكفير
    العلمانية هي الحل و يسقط الإسلام السياسي

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: 0 (from 0 votes)
    • m.s.n says:

      أضحكتيني بتعليقك
      ولا أدري المزعلك دوله دينية أو الرجعية والتخلف أم هما سيان
      وأما المناقشة السطحية التي ذكرتيها في تنصيب الدكتور فجعلتني أصحك مرة أخرى وشكرا
      وأخيرا فالإسلام لا ينفك عن السياسة فلا أدري حينئذ من الذي تطالبين بسقوطه

      VA:F [1.9.22_1171]
      Rating: 0 (from 0 votes)
  2. جمال حسن says:

    هنالك نقاط اشارك فيها الكاتب ونقاط أختلف معه. نقاط الالتقاء تتمثل في وجود سنن كونية ينبغي على المسلم ادراكها والعمل بها كضرورة الأخذ بالأسباب في تحقيق الأهداف والمقاصد الشرعية وأهمية العدل في بقاء الأمم وازدهارها، وقد قيل (اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً ). وفي الواقع يحوي القرآن والسنة العديد من هذه السنن والقوانين الكونية، كسنة التدافع والتعددية في الآية القرآنية “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”، وسنة بقاء القيم الصالحة في الآية : ” فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”، وأهمية قيم الحوار والحرية الانسانية (حوار الانبياء مع قومهم وقول عمر بن الخطاب “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً”). وبصورة عامة دعا الاسلام الى العلم والمعرفة العلمية ضمن التوجيه النبوي العام “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. الا اني أختلف مع الكاتب في قوله ان “كل الديانات بمثابة رسائل إرشادية في مسائل جاءت في فترات زمنية معينة” فالاسلام رسالة لا تحدها الزمن باعتبار انه الدين الأخير وأن الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والسلام هو خاتم المرسلين. ولكونه رسالة خالدة، يحوي الاسلام جانب ثابت أو استراتيجي لا يتغير بتغير الزمان والمكان (كالعقيدة والاخلاق وجانب أساسي من الشريعة في قضايا المعاملات) وجانب مرن متغير قابل للتغير (ويشمل العديد من القضايا الحياتية في مجال الاقتصاد والسياسة والتنمية الانسانية). البعض يركز على الجانب المرن ليثبت خطأ ان الاسلام لا يحوي توجيهات محددة، أو يركز على الجانب الثابت ليثبت خطأ ان القرآن جامد ولا ينسجم مع تطور الحياة الانسانية. كلا الموقفين باعتقادي مجتزأ وانتقائي وبالتالي غير موضوعي.

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: 0 (from 0 votes)

ما رأيك؟