أزمة الهوية في العالم العربي، أزمة معنى أم أزمة حضارة؟

♦ عزيز مشواط    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 4.1/5 (15 votes cast)

منطلقات السؤال

في نص جميل وطريف لعبد الفتاح كيليطو (الكتابة والتناسخ،1992) مشهد مثير لشخص تاه عن منزل وجوده في صحراء قاحلة وافتقد لكل أثر يمكن أن يقوده إلى منزل وجوده الأصلي. يقوم التائه بجهود مضنية للبحث عن طريق العودة، لكن الصحراء المقفرة تخفي كل آثر أو معالم، تتعدد المحاولات وتتكرر لكنها تنتهي إلى الفشل. بعد تفكير طويل يهتدي هذا الشخص إلى تقليد أصوات كلاب القبيلة أملا في أن ترد عليه للاهتداء إلى موطنه. يبذل الشخص جهودا مضنية للعودة إلى موطن وجوده الأصلي ولو عبر تقليد لغة /صوت الكلاب، لكن هاته الحيلة نفسها تعترضها عوائق من قبيل وجود كلاب أخرى ضالة ومضللة.. الحكاية على طرافتها تطرح مشكلة التيه عن الموطن الأصلي والرغبة في العودة مهما كلف الأمر. المشهد الروائي يختزل سؤالا وجوديا يرتبط بلماذا هاته الرغبة الجامحة في العودة إلى الأصل؟

لماذا هذا الجهد الجبار المبذول للعودة إلى موطن الوجود الأصلي؟ لماذا هذا التشبث القوي بالعودة إلى الأصل هل هو عجز عن التكيف مع معطيات الواقع الجديد؟ أم مجرد حنين مأساوي يرتبط برغبة نفسية مسنودة بذلك الخوف الفطري من المجهول؟ ألا يمكن أن نحيا إلا بهاته العودة ؟ هل العجز عن التكيف مع المعطيات الجديدة في الصحراء يولد الحنين إلى الحضن الأول حيث العشيرة والقبيلة والعادات والتقاليد،و الموطن الجغرافي، واللغة المتداولة والدين المعروف؟

هاته الأسئلة على بساطتها الظاهرة تختزل كل مقومات التعقيد والقلق التي يختزنها سؤال الهوية وتختزل أيضا سؤال المنطلق: من أين يمكن لخطاب الهوية أن ينطلق؟ يصبح الأمر أكثر تعقيدا حينما نسقط هاته الأسئلة على حالة المجتمعات العربية؟ في هاته المداخلة المعنونة خطاب الهوية في العالم العالم العربي أزمة هوية أم أزمة معنى؟ سيدور القول حول الإشكالية التالية: هل يمكننا التمترس بالذاتية والهوية والخصوصية الثابتة في عالم  أصبح بفضل التطور التقني والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود متفتحا ومتداخل العناصر والهويات، عالم السرعة كما يحلو للفيلسوف الفرنسي فيربليو أن يسميه؟ إلى أي مدى يمكن التحرر من الإيديولوجيا، والبحث في موضوع الهوية بحثا علميا؟

يجب الاعتراف بأن موضوع الهوية يتحرك ضمن حقل ألغام شديد الحساسية لأنه صعب المعالجة داخل كل ادعاء نظري كيفما كان تخصصه، فداخله تلتقي السوسيولوجيا بالسيكولوجيا والانتروبولوجيا والإيديولوجيا والسياسة. ينضاف إلى ذلك، التقاطع الموجود بين الذاتي والجماعي بين الفردي والاجتماعي بين الواحد والمتعدد بين الثبات والتغير بين الانفصال والاتصال. هاته التداخلات تصبح أكثر حدة خصوصا و أن الانفعال الواعي أو اللاواعي في كثير من الأحيان يصبح هو اللازمة العامة التي تسود كل حديث عن الهوية.

قبل الدخول تفاصيل الهوية العربية وربطها بمقاربات فلسفية وسوسيولوجية غيرها ومحاولة تلمس مآزق خطابها  ينبغي البدء أولا بتحديد مفهوم الهوية ومفهوم الخطاب لأن لحظة ضبط المفاهيم تشكل اللحظة العلمية الأبرز والخيط الناظم القادر على تجاوز اللخبطة المفهومية، إذ إن الجهاز المفاهيمي بالمعنى الإبستيمولوجي يبقى الركيزة الأساس لأي شرعية علمية، ويعتبر المدخل اللغوي أساسيا في كل محاولة للعلمنة إذ وراء أكمة اللغة كما يقول فتجينشتاين يوجد مكمن الوجود. ومن هنا فتعريف الهوية لغويا يفرض نفسه بقوة، من أجل طرح سؤال الأصل بهدف تجاوز اللبس وفتح آفاق المفهوم على مختلف التخصصات.

الهوية العربية أزمة مفهوم أم أزمة خطاب

   يعرف المُعْجَمُ الوسيطُ” الصادر عن مَجْمَعِ اللُّغة العربية «الهُوِيَّةَ”بأنها:”حقيقة الشَّيء أو الشَّخص التي تميزه عن غيره. ويذهب المُعْجَمُ إلى تحديد معنى آخر للهويَّة حين تُضاف إلى الكلمة “بطاقة”، أو تُوصف بالنَّعت “الشَّخصية”، لتجعلنا نحصل على المصطلح “بطاقة الهُويَّة” أو”البطاقة الشَّخصية”، المُتَدَاوَلين حديثاً،  فيذكرُ أنَّ “الهُوِيَّةَ بطاقة يثبتُ فيها اسمُ الشَّخص وجنسيتهُ ومولدهُ وعمله”.  ويُعَرِّفُ الجرجاني الهُوِيَّةَ بأنها: “الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النُّواة على الشجرة في الغيب المطلق”.

وفي المعاجم الغربية يحدد  قاموس أكسفورد الهوية بوصفها”حالة الكينونة المتطابقة بإحكام، والمتماثلة إلى حدِّ التطابق التام أوالتشابه المطلق” أما معجم روبير فيحدد الهوية”باعتبارها الميزة الثابتة في الذات” ويختزن هذا التحديد معنيين يعمل على توضيحهما معجم المفاهيم الفلسفية لفولتير على الشكل التالي”إنها ميزة ماهو  متماثل،  سواء تعلق الأمر بعلاقة الاستمرارية التي يقيمها فرد ما مع ذاته، أو من جهة العلاقات التي يقيمها مع الوقائع على اختلاف أشكالها”

تشترك التعاريف على اختلافها في التركيز على ماهية الاستمرارية و التطابق والمماثلة فتصبح الهوية هي مجموعة من الميزات الثابتة و المكونة من خصائص الشيء أو الشخص، التي تشتمل على الصفات الجوهرية الثابتة المميزة له والتي تمنحه التفرد والخصوصية، وتحدد في نفس الوقت صورة الشخص عن ذاته والصورة التي يحملها عن نفسه وتقود إدراكه لذاته كموضوع في إطار علاقاته مع الآخر.

 ومن ثمة تصبح الهوية “الفعل الذي يجعل من واقع ما مساويا أو شبيها بواقع آخر من خلال الاشتراك في الجوهر”غير أنه وعلى أهمية هاته التعاريف تبقى العديد من الأشياء عالقة: من قبيل هل فعلا تتحدد هوية الأشخاص من خلال الثبات و المطلق والماهيات والجواهر؟ ألسنا هنا في تناقض تام مع الحكمة الهيراقليسية؟ لا ننزل في النهر مرتين؟ أليس التغير هو الناموس الوحيد الثابت في الوجود؟ بل كيف يمكن، كما يقول السويسيولوجي الفرنسي إدغار موران، أن نحدد العناصر الثابتة في الذات أم في المجتمع؟ في الجسد أم في العقل؟ وليست الهوية في النهاية خليط من المكونات متماثلة مع درجة تعقد الظاهرة الإنسانية ذاتها إذ الإنسان في النهاية كائن عاقل وواهم،سحري أسطوري شعري ونثري؟ مستهلك ومنتج؟ ملحد ومتدين؟ فردي وجماعي؟ خصوصي و كوني؟

هذه الأبعاد المتناقضة لمفهوم الهوية هي التي دفعت روبير مستري في اللقاء الدولي للهوية المنعقد بباريس يقول  :”إن محاولة دراسة الصيرورات التي تعمد إليها المجموعات أثناء بناء هويتها يقتضي افتراضا أن أعضاء الجماعة يحاولون التماثل  فيما بينهم مع ما يقتضي ذلك من إدراك البعد الدينامي للهوية باعتبارها ذات محددات داخلية وخارجية،   ونوعا  من الانزياح يتجاوز البعد الأحادي التخصص إلى مجالات معرفية متعدد الأبعاد” . إن الحل الأمثل في نظره الأمثل لتفادي القلق والمأزق الذين يخلقهما المفهوم هو مقاربة متعددة التخصصات.

بالعودة إلى تعريفات الهوية المذكورة سالفا نلاحظ بغير كثير من العناء التركيز على البعد المطلق للهوية، باعتبارها جوهرا ثابتا، أو ماهية، إنها الخصائص الجوهرية الثابتة، إنها الميزة المتماثلة والمتطابقة. إن هذه الأبعاد التي تحملها الدلالات ورغم كونها لغوية، تحيل على حقل اشتغال هوية المجتمعات. وهذا طبيعي لأن اللغة في النهاية اختزال للوجود بأسره، وأليست هي يقول فتجينشتاين مكمن الوجود؟ أو كما يصدح نيتشه موطن الأوهام؟

   بين الثبات والمطلق، بين الخصوصية والكونية، بين الانغلاق والانفتاح تتموقع أهم إشكاليات مفهوم الهوية وقد تحول إلى خطابات تمارس تأثيرها على المجتمعات.  وهنا يمكن أن نميز بين: اتجاه يعتبر الهوية معطى جاهزا قائما داخل زمنية مقدسة لا مجال لمساءلتها أو إضافة وتعديل عنصر منها. يعتمد هذا الاتجاه على الفكرة الجاهزة التي تتبادر إلى الذهن لتضفي وضوحا زائفا على موضوع الهوية، وهو الوضوح الذي يرافقه إمكانية التَّغَنِّي بالهويّة والخصوصية الخالدة، ونُشْدان الوحدة المنغلقة. أما الاتجاه الثاني فينطلق من رفض كل ما يمكن تسميته بالهوية الذاتية أو الجماعية لان هناك هوية كونية لا مجال لتشتيت الانتماء إليها. بإزاء هذين الاتجاهين يبقى السؤال : أين يتموقع خطاب الهوية العربية؟

لن نتوقف كثيرا عند مفهوم الخطاب نظرا للمآزق الكثيرة التي يطرحها والنظريات اللسانية والسوسيولجية التي قاربته، وسنكتفي بالتعريف الذي منحه إياه مؤسس نظرية الخطاب ميشيل فوكو الذي يعتبره “النصوص والأقوال كما تعني بمجموع كلماتها ونظام بنائها وبنيتها المنطقية أو تنظيمها البياني، أو نظام تعبير مقنن ومضبوط) كما يعني أحيانا (الميدان العام لمجموع العبارات، ومجموعة متميزة من العبارات أحيانا أخرى، وممارسة لها قواعدها، تدل دلالة وصف على عدد من معين من العبارات وتشير لها أحيانا ثالثة)، إنه (في واقعه المادي مكون من أشياء منطوقة ومكتوبة) أو (مجموعة من الأدلة من حيث هي عبارات وبوصفنا قادرين على أن نعين أنماط وجودها الخاصة)،فالخطاب لا يتحدد إلا بوصفه منظومة من القواعد التي تميز مجموعة من المنطوقات التي تنتظم داخل الممارسة الخطابية. أما الهوية العربية فنعني بها  مجموعة السمات التي تصبغ الشخصية العربية بمجموعة من الصفات والخصائص التي تميزها عن باقي الهويات الأخرى والتي تتضمن اللغة والدين والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية.واعتمادا على ذلك فنحن نقصد بخطاب الهوية العربية مجموع النصوص والأفكار والأقوال والدلالات والقواعد التي تتحكم في صياغة هاته المكونات وتحدد تمثل الناس لذواتهم كأفراد وكجماعات وكمتماثلين داخل نفس الوحدة وكمختلفين عن الآخرين وانعكاس ذلك على الواقع المادي بما هو بنيات اجتماعية وسياسية و ثقافية وعلى العلاقة مع الغير المختلف و المغاير.

الهوية العربية بين الكوني والخصوصي

لم يكف العرب والمسلمون منذ أكثر من قرن من الزمان عن استعادة السؤال الأزلي لماذا نحن متخلفون؟ بعض رواد النهضة اعتبروها مجرد إشكالية تقدم وتأخر، في حين اعتبرها آخرون أزمة حضارية مرتبطة بتكوينية العقل العربي والإسلامي ذاته؟ فيما ربطها البعض الآخر مؤامرة خارجية وتعبيرا عن اختلال البناء القيمي والأخلاقي نتيجة الابتعاد عن الدين ومن ثمة فإن العودة إلى المنابع الصافية لهذا الدين سيحفظ الهوية من الاندثار والزوال وبالتالي قيام الحضارة العربية الإسلامية من سباتها وانطلاقتها من جديد.

عن هذا السؤال الوجودي لماذا نحن متخلفون؟ ولماذا لم نستطع أن نجد معنى لوجودنا ؟ ينبثق سؤال الهوية العربية ليشكل مآزقا لم تستطع الإجابة عنه كل الصفحات التي دبجت منذ عصر ما قبل النهضة إلى الآن؟ هاته الأسئلة الوجودية تشي بوجود أزمة من انا/من نحن ؟ ما علاقتي بالآخر؟ ما التصور الذي يجب أن يحكم وجودي؟ ألا يمكن أن أصنع نموذجا حضاريا خاصا بي بعيد عن التأثيرات الخارجية؟ هل هويتي إنسانية تقتضي الانفتاح على كل الإنتاجات الإنسانية باعتبارها منتوجا إنسانيا لا وطن له أم ان الخصوصيات الدينية والثقافية والقيمية تحول دون ذلك؟

تفيد هذه الأسئلة بوجود أزمة تعيشها المجتمعات العربية ناتجة عن عدم القدرة على تحديد إطار ناظم يتحرك فيه هذا المفهوم الهلامي المسمى هوية زمن ثمة تنتج كثير من الخطابات بفعل هاته الأزمة حيث “:كل مرة يهتز فيها الكيان الحضاري لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب  أو حتى فئة اجتماعية داخل المجتمع الواحد،ويبدأ نظام القيم والعلاقات وطرق التصور و التنظيم بالتخلخل والتبدل، يبدأ في نفس الآن حديث الهوية للبروز وتتعدد المعالجات وتكثر التآويل”.(آفاية، الهوية والاختلاف ،إفريقيا الشرق 1988).

لكن الأزمة تصير من درجة أعمق حينما يتأسس الحل على ضرورة العودة إلى الماضي لجلب حلول الواقع. مما يؤسس لهوية يمكن ن نطلق عليها هوية نكوصية. المستقبل إلى الماضي ومن الواقع على الخيال.فيتأسس إحساس بفقدان الهوية مما  ترسم حلولا لمشاكلها الآنية عبر رسم خطوط العودة إلى الماضي لجلب حلول لمآزق الحاضر. يقدم العالم العربي وبعض البلدان الإفريقية والأسيوية أحد أبرز وجوه هذا التوجه الناكص.ففي الوقت الذي تتجه فيه خطابات الهوية في الغرب نحو المستقبل للتفكير حول الجامع والمشترك و يتركز تفكيرها على أشكال تحقيق دولة التنمية البشرية وضمان جودة العيش بكرامة للمواطن. تعود الخطابات النكوصية لتغترف من الماضي ومن الأمجاد الفئوية القديمة بما يعمق مظاهر التشرذم و الانقسام والتطرف.

يثير رصد دينامية خطابات الهوية عبر العالم إلى تصنيف هذه الخطابات إلى صنفين حسب البلدان: فهناك بلدان تعرف مدا هوياتيا إيجابيا وملفتا يتحقق على مستوى الواقع من خلال تجارب سياسية وحدوية، حيث نجد النموذج الألماني الذي استرجعت بموجبه ألمانيا وحدتها وبتضحيات كبيرة. كما أن نموذج الاتحاد الأوروبي الناشئ هو بصدد التحول من تعبير رمزي إلى حقيقة قائمة. وفي الولايات المتحدة أسهمت أحداث 11 شتنبر في انبثاق حس هوياتي لدى الأمريكيين وفي تنامي الشعور بالانتماء إلى امة تتوفر على مقومات الوجود”(مجلة رهانات ثقافية العدد2008).

تعاملت هاته التجارب مع مشكلة الهوية بنوع من المرونة المعتمدة على البحث عن المشترك والإيجابي وما يحقق مصلحة الجميع. وعلى هذا الأساس تمكنت بريطانيا من احتواء المشكل الايرلندي ونجح الفرنسيون في احتواء تأثيرات المشكلتين الكورسيكية والباسكية، واستطاعت الصين أن تخفف من حدة أصوات التيبيتيت، ولم تتردد الهند في تدشين مبادرات استثنائية اتجاه أقلياتها المسلمة. لكن الملاحظة الاستثنائية أن هذا الانبعاث الهوياتي الذي يمكن أن نسمه بالإيجابي لم يقتصر على الغرب فقط بل شمل أيضا بلدانا صاعدة من قبيل الصين والهند وإيران وتركيا وبلدان الاتحاد السوفياتي.

لا يعني المقارنة بين هاذين التوجهين عدم وجود التصورات النكوصية في الفكر الغربي. إنها حاضرة باستمرار منذ نشأة الدولة القومية، بل إن اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية لم تكن سوى نتاج لهذا التطرف الهوياتي القائم على إيديولوجية عمياء مبنية على أفضلية الجنس والإقصاء والرغبة في الهيمنة. لكن هذا التوجه المستمر في الفكر الغربي صار منذ انطلاق مسلسل البناء الأوروبي مسلحا بكوابح ذاتية قائمة على الديمقراطية والمصلحة وعلى التوافقات المجتمعية والثقافية”

في ظل هذا المد و الجزر تقف الهوية العربية في مفترق الطرق بين اتجاه يرنو إلى التشكل وفق المتغيرات الجديدة حيث انهيار المسافات بين المجتمعات بفعل الثورة التقانية ووسائل الاتصال وتحت التأثير الهائل لصبيب الصور  والرموز المتدفق من كل جانب. أما الاتجاه الثاني فيمكن أن نسميه بالاتجاه النكوصي الافتراضي المتطفل على زمانه والذي يقدم للهوية الأصلية بصفتها المقدسة والمطلقة والخاضعة للتأبيد والثبات، وهو اتجاه لا يمكن أن ينتج عنه سوى كسر الحوار وثقافة للعنف وتشويش للرؤية. فلما سيطرة هاته الخطابات المتصلبة..هل هي ثابتة في تكوينية العقل العربي أم أنها طارئة بفعل الضغط الخارجي؟

الهوية العربية والدين: مؤشرات انفصام الذات؟

 لا يتم مسعى البحث عن الهوية الموحدة في الحالة العربية دون اللجوء إلى الدين وعلى هذا الأساس فيستعير الخطاب الهوياتي النكوصي من الدين عناصره المتمثلة في الحقيقة المطلقة والعقيدة الثابتة، فتصبح الهوية والدين متلازمان. هذا التلازم ناتج حسب السوسيولجي المغربي عبد الصمد الديالمي عن كونهما (مفهوم الهوية والدين) “تعبيرا عن الحقيقة المطلقة، إذ أن المنطق الداخلي المؤسس لهما يجعلهما يقدمان أنفسهما كمعطيات ما فوق-تاريخية، كماهيات لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.إنهما يحيلان معا على عقيدة ثابتة، وعلى شعور قوي بالامتياز والتفوق. وإذا كان مفهوم الدين المطلق يرى أن جهنم للآخر لأن الآخر يعبد ما لا أعبد، فإن مفهوم الهوية الحق يذهب أبعد من ذلك ليقر أن الآخر هو جهنم بعينه” (عبد الصمد الديالمي، الهوية والدين ،مجلة آفاق، العدد 74،ص79). إن البحث عن الوحدة الافتراضية غير الموجودة واقعيا لا تخفي أيضا رغبة أكيدة في القضاء على كل أنواع الهويات الأخرى. وهكذا يسعى مروجو قدسية الهوية وثباتها إلى القضاء على كل أنواع الهويات المغايرة وسيلتهم في ذلك رفع راية الدين.

صحيح أن الدين يشكل بعدا من أبعاد الوجود الإنساني وأثره وبُعده موجود، لكن حضورُه في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والشعوب والدول يتخذ درجاتٍ متفاوتةً من فترة إلى أخرى. لكن حضوره في كل تفاصيل الهوية العربية الإسلامية ينتج أزمة ناتجة عن التمسك بقراءة معينة للنص الديني تتمسك بتلابيب الماضي وتعتصم بالتراث بكل ماله وما عليه من أخطاء وخيانات سياسية واجتماعية تم خلطها بالدين.

“إن الدين اعتقاد وإيمان يغذيهما التكوين والتربية ويشبع جوانب روحية ووجدانية أساسية في وجود الفرد والجماعة و بالنتيجة فالاعتقاد والتدين حق من حقوق الإنسان.لكن لا الهوية و الدين ينبغي لهما أن يتدخلا أو يتورطا في السياسة نظرا وممارسة” (عبد الحميد عقار، مجلة آفاق العدد 74ص 77). لكن  خلال الأزمات الحضارية الحادة التي تمر منها المجتمعات البشرية، يقود البحث عن هوية طهرانية خالصة إلى اللجوء إلى الدين بسبب تلائمه مع سياق فكري أحادي الأبعاد.

وتتمثل الأزمة أيضا في في غياب لغة الخطاب الهوياتي المستند على الدين عن الواقع المعاش، بل والخلط السيئ بين النصوص الدينية وبين الفقه المنتج من عقول الفقهاء والمحدثين والمفسرين لتلك النصوص حتى أصبح الدين ليس هو مجموعة النصوص وإنما هو تفسير ما فسره الفقهاء والمحدثين والمفسرين لتلك التفسيرات والتأويلات البعيدة عن روح النص والمختلطة بمناخ وبيئة والحالة النفسية والعقلية للفقيه والمفسر والمحدث وقد تم انتقال تلك المفاهيم جيلاً بعد جيلاً بكل ما تحمله هذه المفاهيم من معاني وتأويلات بعيده عن روح العصر الحاضر .

في الحياة اليومية للمواطن العربي تفاصيل كثيرة تخلط كل شيء بالدين والدين بالأسطورة لتنتج هوية دينية أسطورية مبنية على التفوق الواهم، فالنصر المصري مثلا في حرب أكتوبر، برز بأنه نصر من الله، والذي ما إن أتت معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية حتى اغتيل الرئيس المصري أنور السادات باسم الدين.

يمكن التوقف كذلك عند النموذج الأفغاني، الذي تصارعت تياراته الدينية مع القوات السوفييتية لترتد بعد الحرب لتتشكل على أسس عرقية وتتصارع فيما بينها، لأن الولاء الأعلى في مواجهة السوفييت كان للدين، بينما في المواجهة الداخلية أصبحت القبلية هي التعبير القوى عن الولاء الأدنى. أما العراق بعد الغزو الأميركي، وبعد انهيار النظام “البعثي”، فقد أفرز خريطة دينية للشيعة وقومية للأكراد.

وهكذا يصبح الخطاب الهوياتي وهو يستعير المعطى الديني لإضفاء القدسية والشرعية على نفسه، مخترقا بالمصلحة والمنفعة، فيصبح الدين مجرد غطاء إيديولوجي للتضليل وللاستثارة. إنه محاولة مستمرة لنزع الشرعية عن الممارسات المخالفة للنص الديني كما تمت قراءته وتأويله من قبل الحنبلية والتيمية. ونزع الشرعية عن الممارسات الاجتماعية لكي تصبح ضلالا مما يضفي على هذا الاعتراض بعدا دينيا يستهدف بالأساس الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي أي تدمير الأنسقة الرمزية التي يتشكل منها المجتمع وفرض بديل أحادي الرؤية أساسه الإقصاء.

تنتهي جل خطابات الهوية المستندة على الدين إلى التقاطع  في تصوراتها مع التوجهات الفاشية والنازية المؤمنة بصفاء ونقاء العرق، حيث خطر اندلاع الحروب الدينية والعقائدية أو العرقية وارد جدا، بفعل التجييش الديني والعرقي، وهنا لابد من استحضار الحرب العالمية الثانية ورغم كل أسبابها المباشرة وغير المباشرة، التي اندلعت تحت وقع  الأطروحة النازية الباحثة عن ضمان استفراد الجنس الآري بالسيطرة والهيمنة و إقصاء كل الهويات المغايرة.

الهوية وجدلية الأنا والآخر ؟

يحلو للمفكر الإسلامي أوالقومي أن يصفها ويخلدها في لوحة سرمدية لا تحول ولا تزول.. ولا يطالها التغيير القيمي والعصري. وسنبدأ بسؤال : هل لازالت الهوية العربية الأصلية مكونا أساسيا من مكونات المجتمعات المعاصرة في الدول العربية ؟

في كتابه “النقد المزدوج المزدوج” ينتقد عبد الكريم الخطيبي ما يسميه الهوية الأصلية، لأن كل هوية ترتد في النهاية إلى مجتمع الإنتاج  المتعين بحدود تاريخية وزمنية مضبوطة، ولذلك فإن الخطيبي يعتبر الحديث عن هوية غير ملوثة هوية ميتافيزيقية ولاهوتية يقول” لا يمكن للهوية الأصلية التي تقوم على الأصول اللغوية والدينية والأبوية أن تحدد وحدها العالم العربي.فهذه الهوية قد تصدعت و تمزقت بفعل الصراعات والتناقضات الداخلية. ثم إنها مرغمة على التكيف مع مقتضيات الحياة العصرية و التفتح على العالم( عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، دار العودة بيروت ص 09).

إن التناقضات والصراعات ليست التهديد الوحي الذي تعاني منه الهوية العربية. الأمر الذي يجعلنا نتساءل مع عبد الصمد الديالمي ما معنى مثلا أن تمنع تونس تعدد النساء باسم الإسلام،وان يضبطه المغرب باسم نفس الإسلام، و أن تسمح به السعودية اعتمادا على نفس المنظومة؟

تبين هذه الأمثلة وغيرها أن الهوية العربية أو الإسلامية تختلف باختلاف الأمكنة مما يؤدي إلى دحض وجود نموذج هوياتي ديني واحد. تحيلنا الأسئلة والأمثلة المطروحة إلى ضرورة الحذر عند الحديث عن العالم العربي كموضوع سوسيولوجي. إن هذا الموضوع يحتاج إلى إعادة ترسيم حدوده مما يحتم التساؤل  ألسنا بإزاء عوالم عربية مختلفة وبخصوصيات متباينة، أليست هوية العالم العربي في اختلافاته؟ أليست هاته التسمية مبنية على وحدة افتراضية لا نجد لها في الواقع مؤشرات صلبة؟

إن الوحدة الافتراضية المفتقدة في الواقع و المبحوث عنها في عوالم ميتافيزيقية ناتجة عن تلك الثنائية التي لم نستطع الافتكاك منها منذ صدمة اللقاء مع الغرب المتفوق .إنها ثنائية الأنا والآخر. فلا تزال العلاقة مع الغرب الإشكال الأساس الذي يواجه الثقافة العربية رغم مرور أكثر من مائتي عام على طرحها،  ولم يستطع الخطاب الثقافي العربي أن يرسم لنفسه خطا واضحا في التعامل مع الإشكال منذ رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ولطفي السيد وطه حسين وحسن البنا وسيد قطب وزكي نجيب محمود وسلامة موسى وغيرهم.  ولم تسلم نخبة المفكرين والمثقفين المعاصرين من القلق  نفسه وإن تفاوتت الحالات،  إذ لم تفلح آلاف الصفحات المقاربة للإشكال في رسم الطريق المؤدي نحو  نهضة حضارية،  ليدخل العقل العربي في أزمة ثقة في قدرته على الفعل الحضاري الخلاق تسندها حالة التدهور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي التي تخيم بظلالها على امتداد مساحة هذا العالم المسمى عربيا.

إن الصدمة الحضارية بمعناها النفسي ستتخذ لها موقعا هاما في تفسير صيرورة هوية المجتمعات العربية سواء من حيث ما آلت إليه أوضاعها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا أو ما ستؤول إليه في المستقبل،  لأن عقدة الغرب الزاحف حضاريا صارت من طبيعة متضخمة وأحدثت انقلابا جذريا في صورة الأنا وصورة الذات،  ولا يكاد يخلو  تنظير أو كتابة أو  إنتاج فكري عربي من إحالة على هذا الآخر بكل الاستهامات التي يخلقها وبكل امتداداته السلبية والإيجابية.

لقد انكسرت صورة الأنا في مرآة التاريخ وانتقلت من الإحساس بالكبرياء المدعوم دينيا وحضاريا إلى إحساس بالعجز بعد أن انتشرت ثقافة الغرب من غير سدود”عندما دق الغرب مرة جديدة أبواب الشرق العربي مطلع القرن التاسع عشر،  واستعمره،  اتخذ التثاقف طابعا مأساويا .  الصورة كانت ساطعة:ثمة منتصر ومهزوم،  ومن غير معارك عسكرية تذكر.  والفوارق الثقافية بدت شاسعة وعميقة أحدثت في الوعي العربي صدمة وإرباكا.  فالمثاقفة لم تقم الآن سوى من طرف واحد،  طرفنا،  اتخذت شكل تلقن قاصر وناقص مصاب بترهل مزمن إزاء منجم ضخم من المعارف النظرية والتقنية تأسست عند الغربيين على مدى قرون” .

هذا الانقلاب برمزيته العنيفة فكك صورة الأنا المستلقية على أريكة التفوق وعلى مقولة “خير أمة أخرجت للناس” لينفتح المجال واسعا على سؤالين بحجم جرح التخلف الغائر وهما من أنا. ولماذا أنا متخلف؟ سؤالان قديمان ظلت الإجابة عنهما توق العربي والمسلم منذ الصدمة الحضارية الأولى حين دوت مدافع نابوليون بونابرت في أرض مصر واستفاق العرب والمسلمون على الهوة السحيقة بين غرب مسلح علميا وحضاريا وثقافيا وبين بنيات قروأوسطية تعيش عقدة التفوق الواهم.  وخلف حالة التوهان المدوية هاته وقف مفهوم الهوية المستعصي على الانتظام والتعريف،  معلنا وجاهته وقدراته التحولية بين هذا المبحث وذاك فتصبح الهوية ذلك الحاضر الغائب في نزاعات السياسة والاجتماع والفلسفة والدين والثقافة.

قلق الهوية وقلق التموقع إزاء الذات وإزاء الآخرين وإزاء ما أعتقد أن الآخرين يعتقدونه بخصوصي أفرزت حالة من الذهول الهوياتي الناجم عن تضخم حالة تفوق الآخر مما أصاب الذات بجروح نرجسية مست المفكر فيه كما مست اللامفكر فيه إلى درجة استحال فيه أي إنتاج للذات في انفصال عن ذلك المغاير المتربص في كل كلمة والرابض على صدر الثقافة والتمثلات والأحاسيس التي صارت مرهونة بعطالة الذات وحركية المغاير مما دفع بالإنتاج العربي إلى حافة المأزق.

لقد لاحظ R.MÆSTRI أن تضخم خطاب الهوية مرتبط بفترات الهزات الحضارية العميقة إذ” لا يكفي توفر لغة وثقافة وأرض لكي تصبح جماعة ما إثنية، كما أن انبثاق الهوية الإثنية والثقافية لا يتم إلا عندما يتعلق الأمر بوضعية أزمة مرتبطة بهيمنة ما، أو في الوقت الذي تصبح فيه بعض الخصائص الإثنية معرضة للانقراض (“Du particularisme au délire identitaire)

هاته الأزمة تصير من درجة أكثر تعقيدا حينما يقوم الآخر بإنتاج خطاب في قالب علمي لا يرى العالم العربي سوى تلك الذات المازمومة المنتجة لكل المشاكل والقلاقل. إنها مصدر الشر المطلق. وتبدو هاته الأزمة بشكل أكثر وضوحا من خلال الأدبيات التي تقارب موضوع العالمين العربي الإسلامي.

لقد صارت هاته الجدلية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أكثر تعقيدا حين  خرجت أقلام المفكرين في العالم كله لتبحث في هاته الهوية الانتحارية القادرة على تفجير النفس بحثا عن الفردوس المفقود، وهكذا صارت الهوية العربية الإسلامية ملونة بالدم والسواد والخراب.

لقد صارت هاته الهوية محط مساءلة واته. وصفها برنارد لويس بـ ”الهياج الإسلامي،وقبله قال صامويل هنتجتون  أننا في ”عصر حروب المسلمين“ كما يسميه، ووسمه فوكوياما ”بالفاشية الجديدة وأرجعها الكاتب اللبناني جورج قرم  إلى”سحر الجمود السلفي“ وهل في صارت الهوية العربية الإسلامية محكومة بالدين الذي  حل محل القومية العلمانية ؟  لماذا هذا النكوص إلى عصر الحروب الدينية والحواجز الدينية ؟ هل حدث ضمور وذبول في العقل المسلم ؟ هل يمكن إصلاح الإسلام  ولماذا هاته العودة إلى الدين  الذي ييقول عنه ريجيه ديبراي لس فقط ”أفيون الشعوب وإنما أيضا فيتامين الضعفاء“.

 هل الهوية العربية بهذا السوء الكبير أم أن المسألة ليست هذا ولا ذاك وإنما هي مخاوف وهمية تندرج كلها تحت إستراتيجية  البحث عن عدو كما تقرر أغلب الكتابات العربية ؟. هل المشكلة تكمن في ”اختطاف الإسلام“، عبر تاريخه الطويل من قبل منظمات وجماعات إرهابية من الخوارج إلى الحشاشين إلى القاعدة والإرهابيين الجدد ؟ هل المشكلة في سيادة الجمود والتخلف والتطرف في الفكر الإسلامي منذ إصدار أبو حامد الغزالي كتابه ”إحياء علوم الدين“ و”تهافت الفلاسفة“ إلى ”اقتضاء الصراط المستقيم مخافة أصحاب الجحيم“ لابن تيمية إلى ”الجهاد في الإسلام“ و”الخلافة والملك“ و”الشريعة والدستور“ لأبي الأعلى المودودي إلى ”معالم في الطريق“ لسيد قطب وكلها تمثل الزاد الفكري لجماعات الإرهابية الحديثة، وتمثل صلب التعليم الديني المتخلف الذي يدرس في العالم الإسلامي حتى هذه اللحظة.

الهوية والدين ونشأة التعصب

تتسارع في العالم وثيرة تشكل الحركات المنبثقة عن  مطالب الهوية الإثنية والقومية والدينية المنادية بالخصوصية مما أفرز توجهات كبرى للهوية والمتمظهرة في مختلف أشكال التعصب.

لنبدأ أولا بتحديد المصطلحات ولا نقول المفاهيم لأن تحديد المفهوم يحتاج إلى مقام آخر لا يتسع الحيز هنا للوقوف عنده .التعصب في اللغة من العصبية، ومعناه أن يدعو الرجل لنصرة عصبته والتآلب على من يناوئهم ظالمين أو مظلومين(ابن منظور1981). ويعتبر التعصب من المفاهيم التي تناولها العديد من علماء النفس، ولذا تعددت المضامين التي يشير إليها المصطلح. ويرى كولين أن التعصب اتجاه سلبي ضد جماعة معينة،أو اتجاه إلي شخص يدرك باعتباره انه ينتمي إلى هذه الجماعة.وتشير أغلب النظريات التي حاولت دراسة التعصب على ارتباطه الشديد بالأفكار النمطية، إنه نتيجة حتمية لعمليات التنميط stereotyping processes، كما أن العلاقة بينهما علاقة  قوية إذ يغذي كل منهما الآخر. إن التعصب بوصفه اتجاها يتميز بالانحياز والسلبي، يتكون لدى الفرد من محصلة تجارب وخبرات وتفاعلات اجتماعية تزوده بها عملية التنشئة الاجتماعية.

في عصرنا حيث قيم الديمقراطية و الحرية وحقوق الإنسان تحاول أن تصير ثوابت عالمية وكونية يشكل التعصب أخطر ما يهدد العالم ،وللتعصب جذور تنتشر في مجتمعات دون أخرى بدرجات متفاوتة ولذلك نتساءل ما الذي يجعل مجتمع ما يتجه نحو التعصب وما علاقة خطابات الهوية المتماهية ما المطلق الديني في ذلك؟

لقد لقي التعصب الديني اهتماما كبيرا من طرف عدد من التخصصات وخاصة من قبل علم النفس الاجتماعي، فقد وجد أن الدين يلعب دورا مؤثرا في التعصب وهذا ما أثبتته معظم الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع حيث لاحظ وليام جيمس في كتابه قناع التدين 1902 “أن المتدين يميل إلى أن يتخذ الدين قناعا لكل أنواع الأفعال القاسية التي يرتكبها”.

إن الدين بهذا المعنى يسهم في ظهور التعصب نحو بعض الشعوب أو الطوائف خاصة مع صعوبة انتزاع وتغيير الأفكار التي تنقل من خلال الدين عبر الأجيال. لكن أهم ما يجعل الدين عنصرا أساسيا في انبثاق التعصب حسب klinberg   1982 هو الاستعلاء الديني الذي تصنف بمقتضاه الشعوب إلى كافرة ومؤمنة.

إن أهم الدراسات التي اهتمت بالعلاقة بين الدين و التعصب أجريت ما بعد الحرب العالمية الثانية وانصبت بالخصوص على دراسة الشخصية التسلطية من خلال مقياس الفاشية. لكن هاته الدراسات لم تستطع مع ذلك أن تثبت العلاقة التلازمية بين الدين والتعصب، ولم توضح وجود علاقة صريحة بينهما.

لقد ظل دور الدين متراوحا بين تعزيز الاتجاهات السلبية ومساعدا على التعصب وقد يساعد على عكس ذلك . هاته الخلاصة توصل إليها ألبورت مع مايكل روس إلى أن الذين يعتبرون الدين غاية في ذاته أقل تعصبا من الذي يعتبرونه وسيلة.

 في الحاجة إلى نقد خطاب الهوية

  لا يشذ العالم العربي الإسلامي كما يبدو للوهلة الأولى عن حالة المشهد التي وصفها في نصه الطريف عبد الفتاح كليطو ، فالإنسان العربي  منذ استفاق على وقع مدافع نابليون مصاب بحالة من التوهان، بفعل الألغام الكثيرة المزروعة في طريقه والأزقة المفخخة،التي كتب حراسها على بوابتها الرئيسية “ممنوع الاقتراب أو محاولة التفكير”، بل إن كل محاولة لمساءلة هاته الهوية المقدسة تعرض صاحبها للمساءلة وربما التعذيب.

حراس الهوية متجهمون جدا وشداد غلاظ. بعضهم يلبس لباس السلطة التي تحدد شرعية كل الخطابات وتراقبها باستمرار وتفرض الهوية الجاهزة المتوافقة مع استمراريتها في السلطة، والبعض الآخر صار يلبس اللباس الأفغاني الغريب هو نفسه عن خصوصية المنطقة عن كان لهاته المنطقة من خصوصية ثابتة ، والبعض الآخر متخف في عمامة الإصلاح الديني المعتدل، أما هدفهم فاقتناص فرصة إهدار دم أصحاب الأفكار الدخيلة غير المنسجمة مع تعاليم بيئتنا وخصوصيتنا”

إن المتتبع لخطابات الهوية التي أنتجها الفكر العربي الإسلامي يكتشف أنها خطابات مبنية على الطابع العفوي و العاطفي. إنها تنبني على ثنائية الأنا والآخر والرفض أو القبول المطلقين. إن خطابات الهوية مهما اختلفت صيغها تصبح نابعة من المبدأ نفسه والقائم على القدسية واللازمنية وعلى الثبات.

أزمة خطابات الهوية في العالم العربي تتمثل في عملية التبسيط الشديدة التي يتعرض لها مفهوم الهوية نفسه، رغم شدت تعقده وإحالته على عوالم يستحيل تصنيمها واختزالها من خلال الثبات. وتتمثل أيضا في استمرار منطق الثنائيات المتصلب مما يؤدي إما إلى التمجيد والنرجسية الفارغة، أو إلى التعصب والعنصرية. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة هي التقهقر، والتطرف فكرا وثقافة واجتماعا.

يلزم الكثير من الجهد لإعادة صياغة سؤال الهوية اعتمادا على إخضاعه للنقد وإخضاع سؤال من نحن لإعادة التنظير؟   إن الجدوى من إعادة صياغة سؤال «من نحن؟» تتمثل في تفادي السقوط في الفلكلورية أو الثقافوية لأن  الهوية التي نحن بحاجة إليها بالنسبة حسب المفكر التونسي فتحي التريكي، لا بد من أن تتعالى عن هذه الثقافوية الضيقة ولا بد أن يأخذ تصورها صبغة الانفتاح والحركة كي لا تؤدي في واقع الأمر إلى استبعاد الآخر.

لا بد هنا من التنصيص على أن نقد  خطاب الهوية لا يعني تقويض الهوية والتأسيس لنزعة نسبانية متطرفة بقدر ما يعني اكتشاف العناصر المتصلبة وإبراز أوهامها. إن الأمر لا يتعلق بشك مطلق في الهوية وعناصرها المؤسسة بل ضرورة إخضاعها لمصير العصر وأساسه صيرورة الزمان ومن ثمة إمكانية تشكيل عناصر جديدة إي هوية منفتحة بعناصر متطورة ومواكبة لإشكاليات القرن في أفق تشكيل الفرد الواعي بذاته المحدد لخياراته.

إن سيطرة المطلق على خطاب الهوية يحولها إلى مأساة ويسهل تحولها إلى مغامرة أصولية عاجزة عن إدراك الجديد.وبالتالي تشكل تهديدا لكل إرادة في التحديث وتأسيس المجتمع المنفتح والمنشود. إن الهوية القائم على الثبات و المطلق كثيرا ما تؤسس لأوهام الحقيقة المطلقة خارج مفاهيم الاختلاف والمغايرة والتعدد والكونية وهي أوهام تقود إلى الانغلاق والتطرف.

يجب إذن أن يتركز نقد خطاب الهوية على بناء نقد إبستيمولوجي ينصب على الأصول إذ لا مجال للبناء دون عودة للأصول ولا أساس لثقافة مجتمع مأزوم دون صياغة هوية اختلافية جوهرها الإبداع والتجاوب مع الجديد. إن القضاء على الأوهام المستندة على هوية متفوقة ومتعالية عن الزمان وغير خاضعة للتغيير ونسبية وغير معترفة بأسباب الهزيمة والتخلف تبقى رهانا فلسفيا و سياسيا وحتى دينيا لتجاوز أسس هوية مأزومة وهو تجاوز لن يتم إلا بالقطع مع أنماط التفكير المنغلق في كل أبعاده التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية والدينية.

خاتمة من أجل هوية بديلة

 في الختام نعود إلى سؤال المنطلق : هل يمكننا التمترس بالذاتية والهوية والخصوصية الثابتة في عالم  أصبح بفضل التطور التقني والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود متفتحا ومتداخل العناصر والهويات، عالم السرعة كما يحلو للفيلسوف الفرنسي فيربليو أن يسميه؟

أزمة خطابات الهوية في العالم العربي تتمثل في خلق المتجانس من اللامتجانس، واختزال المعقد في البسيط، عملية التبسيط الشديدة التي يتعرض لها مفهوم الهوية نفسه، رغم شدت تعقده وإحالته على عوالم يستحيل تصنيمها واختزالها من خلال الثبات.

لا بد هنا من التنصيص على أن نقد  خطاب الهوية لا يعني تقويض الهوية والتأسيس لنزعة نسبانية متطرفة بقدر ما يعني اكتشاف العناصر المتصلبة وإبراز أوهامها. إن الأمر لا يتعلق بشك مطلق في الهوية وعناصرها المؤسسة بل ضرورة إخضاعها لمصير العصر وأساسه صيرورة الزمان ومن ثمة إمكانية تشكيل عناصر جديدة إي هوية منفتحة بعناصر متطورة ومواكبة لإشكاليات القرن في أفق تشكيل الفرد الواعي بذاته المحدد لخياراته.

تتمثل عملية التبسيط في فعلين أساسيين أولهما تحويل الأفراد المكونين للجماعة إلى وحدة متجانسة ومتميزة وثانيهما تحويل تلك الوحدة إلى ماهية ثابتة مستقلة عن التاريخ.

إن تجانس الجماعة فعل يتم بإرادة انتقاء عنصر واحد باعتباره العنصر الأساسي والمحدد(الخطاب النسائي-المثليين-العرب-المسلمين-الامازيغ…)

وتتمثل أيضا في استمرار منطق الثنائيات المتصلب مما يؤدي إما إلى التمجيد والنرجسية الفارغة، أو إلى التعصب والعنصرية. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة هي التقهقر، والتطرف فكرا وثقافة واجتماعا.

إن التفاعل مع التغيرات المتسارعة في تقنية الاتصالات وأجهزة الكومبيوتر ومع التحرك نحو سوق عالمية متكاملة يؤدي حتما إلى تغيير معاني القيم التقليدية والتعبيرات الاجتماعية وتحدث أنواع جديدة من المشاكل قد تكون غير منتظرة. وهي مشاكل لا يمكن لخطاب الهوية المتصلب أن يستوعبها. وهنا تتمثل أزمة خطاب الهوية.

إن الأزمة ناتجة عن التبسيط الذي يلازم خطابات الهوية حيث تبسيط الواقع إلى فعلين أساسيين: “إنه يحول الأفراد المكونيين لجماعة إلى وحدة متجانسة ومتميزة ،أما التبسيط الثاني فيتمثل في  تحويل تلك الوحدة إلى ماهية ثابتة مستقلة عن التاريخ يفضي الفعل الأول إلى تهميش الفوارق الاجتماعية والثقافية والاجتماعية وذلك لصالح ما هو ثقافي وديني عبد الصمد الديالمي مجلة آفاق ص 87

إن التقاء الهويات المتباينة، لا يقود بالضرورة إلى التصادم، إنه سنة من سنن التاريخ ومن سنن الوجود البشري،  بل إن الالتقاء ومهما كانت ظروفه وشروطه التاريخية غالبا ما يكون دافعا إلى التقدم خاصة إذا كان اللقاء في إطار غير مغلق، لكن طبيعة التحولات التي شهدها العالم واتجاهه نحو العالمية بقدر ما يوسع آفاق الحوار والتواصل بقدر ما يفرز سيطرة قيم الانغلاق مما يقود إلى الصدام المأساوي والتسليم الأعمى بأفضلية هاته الهوية على أخرى.

لا بد من التمييز أيضا بين المجتمعات. إن العالم الذي يحيا من خلال نماذج يمكن اختزالها في مجتمعات منغلقة وأخرى منفتحة وثالثة تتلمس طريقها مابين هذا وذاك. وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين المجتمعات حسب درجة انفتاحها “مجتمع قائم على أساس المواطنة والحرية والعيش المشترك وعلى الفردية والذاتية وحرية الاختيار المؤسسات والقيم إبداعات إنسانية، الفكر النقدي يمارس بكل حرية دائم المساءلة لذاته، الفرد قيمة عليا، تحديد الفرد لاختياراته الشخصية” مقابل مجتمعات منغلقة يقدس كثيرا الطابوهات والإكراهات • يقدس كثيرا الطابوهات والإكراهات وسيادة السلطوية ورفض الفكر النقدي ورفض التطور ومجتمع عشائري لا يؤمن بالفرد، عدم تقبل الاختلاف والتعدد، ينزع نحو نوع من التوتاليتارية

 وهنا نستعير ذلك التصنيف الذي استحدثه بوبر حين ميز بين نوعين من المجتمعات: المجتمعات المنفتحة والمجتمعات المنغلقة. لقد استعار بوبر مفهوم المنفتح من برغسون ويتمثل المنفتح ”في كل مجموعة أخلاقية اجتماعية تنفلت من خنق دائرة القواعد المغلقة و الصلبة ومنفتحة على طفرة الحياة و الإبداع“

إن الخلاصة الأساسية اللازمة يجب أن تنبني على تعريف الهوية”كوعي متحرك وحيوي بالصيرورة وبالمغايرة والاختلاف وهي إدراك نقدي متفتح على الآخر. فليست الهوية بمعطى ثابت ولا هي بملجأ،بل بالعكس، إنها صيرورة وبناء متواصل ومتجدد للذات،وهي تبحث عن اندماج معقلن وذي مردودية يقدر أهمية الآخر ويقبل به شريكا متضامنا في الثقافة والمشترك الإنساني” لأن الغريب يسكننا على نحو غريب كما تقول جوليا كريستيفا.

* باحث سوسيولوجي مغربي

© منبر الحرية،30 دجنبر/ديسمبر2011

 

R.MÆSTRI, Du particularisme au délire identitaire, Ed harmattan, Collection Questions Contemporaines,  novembre 2003

 -راجع في هذا الصدد كتاب د. أحمد زايد الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة، سيكولوجية العلاقات بين الجماعات،قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات، العدد 326إبريل 2006

 – فتحي التريكي ،فلسفة العيش سويا 1997


أزمة الهوية في العالم العربي، أزمة معنى أم أزمة حضارة؟ , 4.1 out of 5 based on 15 ratings
(Visited 27,280 times, 19 visits today)

 
  1. *نزيهة* says:

    تبيان الشاعر معاناة شعبه بسبب عمال المحتل وتحذيره من عواقب ذلك .

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: +1 (from 1 vote)

ما رأيك؟