السوق الحرة والأخلاق

♦ عماد يسري أبو غزالة    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

عماد يسري أبو غزالة*

إن سعي الناس للوصول إلى حياة مريحة وممتعة وتتمتع بالجمال والرفاهية لهي من الغايات النهائية لكثير من الأفراد، يسعون لتحقيقها ويبذلون في سبيل ذلك كثير من الجهد والعناء سواء بتحمل مشقة الابتعاد عن الأهل والأحباب والأصحاب والأوطان حيث يقطعون مسافات طويلة للحصول على فرصة عمل جيدة أو بتحمل مصاعب ومشقة الأعمال للغرض نفسه وهذا واضح وجلي في البلدان التي تتبع سياسة الأسواق المغلقة.

إن ما يوفره السوق الحرة من فرص عمل للشباب وزيادة الأجور والمرتبات وحوافز الإنتاج وخلق منافع وتوظيف للإبداعات لهو من أشد البواعث على السير في هذا الاتجاه.

ويضاف إلى ذلك ما يشهده العالم اليوم من تطور في التكنولوجيا والاتصالات حيث أصبح العالم كما يقولون (قرية صغيرة )  أدت إلى قرب الناس بعضهم إلى بعض ومتابعة، بل وملاحظة كل ما يحدث في أي مكان لحظة بلحظة مما أدى إلى نشر الثقافات المختلفة بين البلدان والمجتمعات، بل وأيضا نشر المنتجات حتى أننا نستطيع أن نجزم بأن ما يحدث الآن في الشرق الأوسط من ثورات وانقلابات الشعوب على حكامها من نتاج ذلك وما يحدث في الغرب ( أوروبا – أمريكا ) من تحول اتجاهات وميول لدى جماعات كثيرة من نتاج ذلك أيضا، حيث أن نشر الثقافات المختلفة بين البلدان والمجتمعات والشعوب تؤدي إلى تبادل التأثيرات من تعزيز وتغير بين هؤلاء جميعا .

ومن الأمور الخاضعة للتأثر، القيم الأخلاقية حيث يعرفها ( Cooper ) بأنها معتقدات تحدد شكل تصرفاتنا وأهدافنا، ويعرفها ( Bengston ) على أنها معايير تحدد توجهات الفرد وتصرفاته ويرى ( Schein ) أن القيم عبارة عن مجموعة من المشاعر والأحاسيس الداخلية التي تؤثر في سلوكيات الأفراد وتحدد مدى توافقهم وانسجامهم مع باقي أعضاء الجماعة التي ينتمون إليها.

وفي الحقيقة  أن القيم الأخلاقية التي يكتسبها الفرد ويعيش بها تتعدد مصادرها، حيث أن المجتمع الذي يعيش فيه يشكل جزء منها، فالفرد الذي يعيش في المجتمعات العربية يتصف بصفات غير الفرد الذي يعيش في مجتمع آخر، حيث تبرز فيه أخلاقيات التقارب الأسري والكرم …..، بينما الذي ينشأ ويعيش في مجتمع غربي يهتم بالقيم المادية أكثر من القيم الاجتماعية .

وأيضا من مصادر اكتساب القيم الدينية والأسرة التي ينشأ بها الفرد وتتكون شخصيته بداخلها يضاف إلى ذلك الخبرة حيث تستمد القيم أهميتها وثقلها من خبرات وممارسات الأفراد، فالإنسان الذي يتعرض للكبت والحرمان يقدر قيمة الحرية بدرجة أكبر من الفرد الذي يعيش حرا طليقا وبالتالي يكون لقيمة الحرية وزن أثقل وأكبر عنده.

ومن مصادر القيم الأخلاقية أيضا منظمات الأعمال وجماعات العمل الذي يعمل الفرد داخلها ولعل هذا من مقاصد مقالنا اليوم حيث أن سلوك الأفراد داخل منظمات الأعمال يأخذ شكل السلوك السياسي داخل الوظيفة والذي يعرفه  Robbins بأنه سلوك يعبر عن تلك الأنشطة التي لا تعد جزءاً من الدور الرسمي للفرد في المنظمة، وبالتالي لا تكون مطلوبة في وظيفته الرسمية وعادةً ما يكون الهدف من هذا السلوك تحقيق مصلحة ذاتية داخل التنظيم بغض النظر عن اتفاق هذه المصلحة مع أهداف المنظمة، وعلى الرغم من عدم استجابة بعض الأفراد لممارسة سلوكيات سياسية داخل وظائفهم إلا أن تجنب مثل هذه السلوكيات في منظمات الأعمال وخاصة في السوق الحرة أمر غير ممكن، لأن هناك من المواقف ما لا يمكن معالجته من خلال وضع سياسات وظيفية رسمية وفي الحقيقة قد يكون السلوك السياسي مشروع أو غير مشروع حيث ينطوي عادةً على استخدام واحدة أو أكثر من استراتيجيات الإقناع العقلاني أو الأفكار المستوحاة أو الاستشارة أو التملق والنفاق أو تبادل المنافع أو التحالف أو الشرعية أو الضغط. وتستخدم هذه الإستراتيجيات ليس فقط للتأثير في الآخرين ولكن أيضا في مقاومة تأثير الآخرين.

ولمعرفة أبعاد السلوك السياسي التنظيمي فإن الأمر يتطلب فحص وسائل وغايات هذا السلوك حيث أن العلاقة بين وسائل وغايات السلوك تحدد ما إذا كان هذا السلوك ينطوي على أنشطة مفيدة للمنظمة أم لا.

فقد تكون الوسائل المستخدمة مقبولة أو غير مقبولة وقد تكون الغايات من وراء استخدام هذه الوسائل أيضا مقبولة أو غير مقبولة فكلما كانت الغايات من استخدام هذه الوسائل مقبولة كلما صب ذلك في صالح المنظمة والعكس صحيح.

وعلى ذلك فإن أية ممارسات سياسية تنظيمية يجب أن تراعي مصالح المنظمة وتحترم حقوق الأفراد والجماعات كما يجب أن تكون ملائمة وتتسم بالعدل وبذلك تكتسب البعد الأخلاقي الذي يزيد من درجة تأثيرها في الآخرين.

ونستطيع أن نجزم هنا أن دور الدين في إكساب الأفراد القيم الأخلاقية أساسيا  ولازما حيث أن دوره محوريا في كبح غرائز الإنسان اللاأخلاقية سواء الاجتماعية منها أو المادية أو التي يستخدمها الأفراد في التعامل مع الآخرين، وهي بذلك لها مقاصد سامية في الحفاظ على الأفراد والمجتمعات والكيانات الاقتصادية والاجتماعية من التشوه والضياع وصدق القائل ( Tokefiel ) أن هناك كثير من الأشياء التي لا يمنع القانون المواطنين القيام بها وإنما الديانة تمنعهم القيام بها .

وجدير بالذكر هنا التنويه على أن المجتمعات اليوم عليها الاهتمام بالتربية الأخلاقية والدينية في مدارسها ومناهجها التربوية لكي تساعد على استقامة الحياة الاقتصادية في بلدانها واستمرارها وازدهارها وأن تجني بذلك أعظم الثمار وتتجه إلى عيش حياة المثالية من راحة ومتعة وتمتع بالجمال والرفاهية وبذلك تكون مقولة Kineklian Hi أن الرؤية الأخلاقية مرتبطة دائما بالاعتقاد الديني فمثلا هناك تصور بأن الأفراد المتدينين هم أرجح أن يكونوا أمناء في ميدان الأعمال …. تعبر عن الحقيقة ولكن يضاف إليها أن يكون هذا المتدين خبيرا بنظم وإدارة الأعمال وليس فقط متدينا.

وأستطيع هنا أن أؤكد أنه يجب أن نبني الأسواق الحرة والاقتصاديات الحرة على الأخلاق وهذا ممكن وسهل وميسور إن  أرادت الدول والمنظمات ذلك، فحيث توفرت الإرادة أمكن تحقيق المطلوب لأنه لا يمكن أن يبنى اقتصاد بدون أخلاق  ولعل لنا في التاريخ عبرة فقديما عندما تخلق التجار بالأخلاق الاقتصادية والتجارية ( الصدق والأمانة وعدم الغش والوضوح ……، ازدهرت تجارتهم ونشروا بذلك مبادئ اقتصادهم حتى في الأوطان التي لا تتحدث لغاتهم مثل تجار العرب وشرق أسيا وحديثا انهارت اقتصاديات (الشيوعية )  رغم أنها لا تحكمها قوانين السوق الحرة بسبب ما خلفته من أشكال الفساد الأعمق والأكثر مما خلفته السوق الحرة.

وفي النهاية إن بقاء السوق الحرة في عالم الإنسانية مرهون بتقوية أخلاقيات الأفراد وهذا أمر ممكن وسهل وميسور حيث أنه لا يتعارض مع أشكال وإستراتيجيات  وآليات عمل السوق الحرة.

 * كاتب مصري

© منبر الحرية،29 نونبر/تشرين الثاني2011

 

ما رأيك؟