الشباب عماد المستقبل.. هل أضعناهم.. أم أن الفرصة متاحة لاسترجاع طاقاتهم المهدورة؟

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 5.0/5 (1 vote cast)

لا بد من التأكيد بدايةً على أن ما يحدث في منطقتنا العربية من موجات ثورات حقيقية متصاعدة ومتنقلة من بلد إلى آخر، عمادها وعنوانها الرئيسي طاقات الشباب العربي الراغب بالعيش الحر الكريم بعيداً عن التعصب والاستبداد والقهر والفساد، وعقليات الإقصاء والتهميش، هو تحول تاريخي عميق جداً جاء بعد عهود مظلمة طويلة من الإقصاء والتهميش والاستبعاد السياسي المنظم لإرادة الناس والمجتمعات العربية، وبالتالي فلابد من الاستجابة الحقيقية الجدية لمفاعيله، لأنه لن يكون أحد –لا حاكماً ولا مجتمعاً- بمنأى عن تغيراته ونتائجه وآثاره مهما تكبّر وعاند وقاوم وتمنع..
وعلى الرغم من أن مجتمعاتنا العربية عموماً -مع وجود الفارق في الدرجة لا في النوع- لا تزال تعاني من أسوأ مظاهر وتطبيقات البنى الدولتية التقليدية الرعوية الرثة الموروثة منذ عقود طويلة، والظاهرة للعيان عبر هذه العقلية الـ”أوامرية” التي تقود البلدان من خلال هيمنة سلطات ونظم قمعية غير إنسانية تقوم بكل ما من شأنه أن يبقي ويديم السيطرة والاستئثار شبه المطلق على كافة مواقع القوة في تلك المجتمعات من قرار وسلطة وثروة وإعلام، أدت إلى تعزيز ثقافة الاستبداد والفساد والإفساد، وطغيان مواقع التخلف والفقر والتهميش والاستخفاف والاستعباد والاستغلال، وتقديم الولاء الشخصي الزبائني على حساب الولاء للوطن، وانعدام معايير الكفاءة والعلم والموضوعية، وشيوع مناخات البطالة والعطالة والكبت، وانتشار بذور الفتن الطائفية والعشائرية بما يجعلها عرضة لانفجار الحروب الأهلية الطائفية.. على الرغم من ذلك كله فإنه لم يعد بمقدورها ولا بمقدور النظم المهيمنة عليها أن تتجنب مجمل تلك الآثار والتداعيات الجذرية المترتبة على ذلك التحول والتغير التاريخي العميق الذي يضربها بانهداماته وفوالقه وتصدعاته..
والأمر المطلوب -على هذا الصعيد- ليس حدوث نوع من ردة الفعل، أو الاستجابة الانفعالية الشكلية على تلك التغيرات والانعطافات من خلال التركيز على بعض العناوين الإصلاحية المفتقدة أصلاً لشرط الاستجابة التاريخية الفاعلة والمتمثلة في سن بعض القوانين وفرض بعض الإصلاحات الديكورية المظهرية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، مثل السعي فقط لتحسين معيشة وحياة الفرد على المستوى الاقتصادي التنموي، وادعاء وجود قوانين متينة لمكافحة الفساد، ولكن من دون إحداث أية تغييرات عميقة سياسية في البنية المؤسسة والمكونة، والاقتصار على إجراء بعض الإصلاحات المحددة الشكلية غير ذات معنى، مع الإبقاء الفج على مجمل البنى والتكوينات الذاتية المهيمنة المؤسسة للاستبداد والفساد والتخلف المجتمعي القائمة والمحروسة بقوة العسكر والأمن والجيوش الجرارة، ويعض عليها بالنواجذ.. (كان معاوية أول من حول الإسلام إلى إمبراطورية وراثية مستبدة، وملك عضوض مغلق، أي يعض عليه بالنواجذ وهي الأسنان القوية).
وأمثال معاوية القابضون على مفاصل بلدانهم في عالمنا العربي والإسلامي، لا يزالون موجودين حالياً، وإن بدأت أعدادهم بالتناقص مع اتساع رقعة الثورات العربية الأخيرة، كما أن هؤلاء لا يزالون ممسكين بتلابيب الثروة والسلطة و”جنة” الحكم الأعلى منذ عقود طويلة بعد تحقيق ما سمي بالاستقلال عن المستعمر الخارجي، ولكنهم للأسف وبالرغم من حالة الهناء والراحة والاستقرار الطويلة التي تمتعوا بها، حيث لم ينغص عليهم حياتهم وحكمهم أي حزب أو تيار أو فرد (سحقوهم ونفوهم وتخلصوا منهم سابقاً وحالياً) فقد فشلوا فشلاً ذريعاً في بناء دولة المواطنة الصالحة، دولة القانون والعدل والمساواة والمؤسسات، بل بنوا حكماً شخصانياً ودولةً مختزلة بالفرد الحاكم الأعلى الذي حول بلاده إلى مزرعة خاصة نفعية تكسبية، تهيمن فيها عائلته وزبانيته والمقربون منه على كافة مفردات السلطة والقوة في مجتمعه.. وقد رأينا في كثير من الدول العربية صوراً ومعاني عديدة شتى تعبر أصدق تعبير عن ذلك، خاصةًً تلك البلدان التي تحكمها نظم حديثة وأحزاب علمانية (طائفية المضمون والجوهر، علمانية الشكل والشعارات) لم تتمكن بالرغم من مبادئها المدنية العلمانية الحديثة نسبياًً (بقطع النظر عن مصداقيتها وأهميتها) وبعد مرور سنوات طويلة على وجودها وحكمها، من بناء دول أو مجتمعات حديثة غير طائفية، بل لا تزال تتحدث عن وجود مشاريع الفتن الطائفية في داخل مجتمعاتها، وتستنفر طاقات المجتمع في سبيل ذلك..
طبعاً لا خلاف في أن مجتمعاتنا العربية عموماً هي مجتمعات متدينة (وطائفية) بامتياز ومن الصعب جداً بل والمستحيل أن يقوم حكم عربي في تلك البلدان قادر على إحداث وتكوين دول مدنية كاملة من دون أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الغطاء واللباس الديني الخاص بتلك المجتمعات.. وهذا في ظني ليس مشكلة بحد ذاته (التنوع الديني والحضاري هو من جمالية هذا الشرق العريق) ما لم يحدث توازن سياسي ومجتمعي لكي لا تنقلب الأمور ليطغى الديني على السياسي، أو السياسي على الديني, أو أن تقوم بعض السلطات الحاكمة في بعض المجتمعات المتنوعة والمتعددة الأقوام والإثنيات الطائفية والدينية بضرب أسس وحدتها المجتمعية القائمة منذ قرون وقرون من خلال توسيع وتدعيم ثقافة التعصب وبث الفتن الدينية والمذهبية بين أبناء الطوائف المختلفين دينياً في مجتمعاتها لتقدم نفسها على الدوام بمثابة القوة الحامية للأديان والمدافعة عن التنوع الديني والمذهبي والاثني..
ولكن بعض الدول العربية الحديثة التي عملت على بناء وحدة وطنية مجتمعية متماسكة بالاستناد على منطق الضغط والقوة والإكراه لا بمنطق الإقناع والثقافة الحرة، في مواجهة مشاريع وتحديات الخارج كما تقول، لم تستطع إقناع مجتمعها بصدقية توجهاتها على هذا الصعيد بعد سنوات طويلة جداً من حكمها الشمولي الفردي، كما لم تتمكن بشعاراتها وسياساتها التمييزية من تأمين الحد الأدنى من التوافق والتضامن المجتمعي الطوعي الطبيعي خاصة في زمن الأزمات وأوقات الشدائد والمحن والتهديدات الخارجية أو الداخلية.. بل كان الناس وأبناء تلك المجتمعات أوعى ومتقدمة أكثر من حكوماتها ونخبتها الحاكمة على هذا الصعيد..
وقد لاحظنا أن من أسباب ثوران الأرض العربية التي بدأ أهلها وشبانها وشاباتها على وجه الخصوص –ممن يشكلون النسبة الأكبر من عديد السكان- ينتفضون ويثورون في غير بلد عربي على تلك المناخات والقيم الرثة، هو وجود مثل هذه التربة الطائفية العفنة القديمة ومحاولة استبدالها بتربة صحية سليمة ترى نور الشمس وضياء الحياة، ..
من هنا طرحنا أن نظم وحكومات عالمنا العربي الثابتة والأبدية –بالرغم من تغيير أسمائها وأشكالها وألوانها- عجزت عن الاستجابة لمطالب وطموحات وآمال شبابنا العربي الواسع الواعد، فلا هي تمكنت من حل مشكلتهم مع البطالة التي يمكن القول بأنها من أهم دوافع وأسباب الاحتقان والعنف وحالة الإحباط واليأس التي تلف مجتمعاتنا ولا يزال يشهدها العالم العربي.. وتشير كل التقارير الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن جهات ومراكز أبحاث متخصصة عربية ودولية أن البطالة تتركز في أوساط الشباب العربي، وأنها ترتبط بمشكلات تنموية أخرى تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مع وجود بيئة إعلامية تساعد على تهييجه.. ففي عام 2009م بلغ سكان العالم العربي حوالي 340 مليون نسمة، شكل الجسم الشاب منها  أكثر من 50 بالمائة أي 175 مليون نسمة تقريباً.. كما ذكرت الأرقام أن متوسط معدل البطالة في العالم العربي يصل إلى نحو 16 بالمائة، وهي في بعض دولنا العربية (الحديثة!) وصلت البطالة إلى أكثر من 50 بالمائة..
إن خطورة تلك المعطيات والبيانات والأرقام المخيفة تبدو كبيرة جداً، وهي تقدم صورة كئيبة عن واقعنا الذي لم تحرك في مواجهته كثير من بلداننا العربية أي ساكن إلا في الشكل دون المضمون.. حيث أنه إذا كان أكثر من نصف عدد سكان ما يسمى بالوطن العربي الكبير هم من العاطلين عن العمل، وأكثرهم من المتعلمين والدارسين وخريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة وغيرها، فكم من المشكلات الاجتماعية والسياسية ستنتج عن ذلك، خاصة في حال وجود مشاكل سياسية أخرى مضافة في بعض تلك البلدان.. حيث ستتفاقم حتماً مشكلة البطالة مع فشل السياسات الاقتصادية وانهيار مجمل الخطط واسترتيجيات التنمية البشرية والاقتصادية التي تبنتها واعتمدتها بعض تلك البلدان بسبب عدم اعتماد وإحداث تغيرات سياسية حقيقية فيها، والامتناع الكامل عن إجراء أي إصلاح سياسي ضروري ولازم لحسن سير باقي الإصلاحات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، وضمان نجاحها وتحقيقها لأهدافها..
إننا نعتقد أن إبقاء مشاكل الشباب العربي دون حلول سياسية عملية جدية تذكر، تقوم على دمقرطة الحياة السياسية العربية أولاً ونهائياً، سيجعل من تلك الطاقات المهدورة عبئاً على حياتنا العربية ومستقبل الأجيال القادمة التي تتزايد مع ارتفاع معدلات الولادة في عالمنا العربي.. وإذا ما عجزت حكوماتنا العربية عن حل مشاكل السباب العربي المعاصر والموجود حالياً فكيف ستكون الصورة بعد عدة عقود مع قدوم أفواج جديدة من الشباب العربي الذي هو حالياً في مرحل نشوئه وتربيته الأولى.. حيث أنهم ستحولون لاحقاً في العام 2021 إلى طالبي عمل مع الحاجة الماسة في العام المذكور لأكثر من 51 مليون فرصة عمل..
طبعاً يمكن التأكيد هنا –ومن دون أية شكوك تراودنا- على أن سياسات العرب وبرامجهم السياسية والاقتصادية الراهنة التي طبقوها ويطبقونها منذ سنوات استجابة للضغوط الدولية تارة، وانسجاماً مع مصالح كبار مستثمريهم ثانياً- لا تبشر بالخير أبداً، في ظل إصرار الحكام والنخب السلطوية على منع التغيير السياسي، وتكميم الأفواه، وإبقاء بطانات حكمهم الاستبدادي والإفسادي قائمة إلى ما لانهاية..
فالاقتصاديات العربية –القائمة على استبداد وقمع سياسي مقيم ومستديم-  لا تزال تعاني من وجود حالة ضعف كبيرة في صلب أداء القطاعات الاقتصادية الإنتاجية بسبب عمق المشكلات الاقتصادية الذاتية لها، من مشاكل تقنية وتنظيمية وإدارية وفنية، وأيضاً بسبب هيمنة مناخ اقتصادي شبه رعوي يعتمد بالنسبة الأكبر على إشاعة الشراء والاستيراد والإدخار والاستهلاك على حساب ضعف أو عدم التوسع في البنى الصناعية والأنشطة التجارية.. إضافة إلى شيوع حالة التهريب المنظم والمستمر للأموال إلى خارج تلك البلدان بسبب عدم الأمان السياسي ومخاطر السيطرة الاستبدادية التي يمكن أن تقدم للناس بعض الأمن ولكن دون الأمان الحقيقي.
إننا نعتقد أن المستقبل العربي لا يبشر بالخير كثيراً –في ظل الواقع الحالي الذي هو أساس المستقبل المنشود، خاصة وأنه واقع مليء بالتعقيدات والهموم والكوارث الكبرى- إلا بعد التخلص من إرث وحمولة عهود القمع والاستبداد وفائض القوة السلبي الذي تجلس عليه وتتحكم به نخبنا السياسية السلطوية، والذي لا تستخدمه إلا في مواجهة طلبات وحقوق أبناء مجتمعاتها العربية الطامحة بقوة للتغيير والإصلاح الحقيقي القائم على التداول السلمي للسلطة، وعدم تغييب إرادة الناس في تقرير مصائرها ومستقبلها، وإعادة توزيع ثروات وموارد المجتمع عليهم بصورة عادلة، وضمان حد أدنى من العدالة بين مجمل الفئات والشرائح الاجتماعية..
إن التغيير السياسي هو أساس وشرط حدوث التغير والتطور الاقتصادي لأي بلد.. لأننا نستطيع من خلال التغير السياسي بناء حكم سياسي ديمقراطي مدني لا طائفي يقوم على عهد وميثاق المواطنة الصالحة وفصل السلطات، والمشاركة الجماعية الواعية والمسؤولة في بناء الدولة والمجتمع..
لأنه في ظل هكذا نظام مدني مؤسساتي عادل تنعدم فرص الأنانية والاستبداد السياسي بالظهور مرة أخرى خاصة مع وجود منظومة إعلام حر واسعة الطيف –من كل التيارات والشخصيات والمشارب والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني- بما يشكل ضمانة حقيقية للنقد البناء الواسع، والإشارة إلى مواقع ومكامن الخلل والخطأ في داخل بنية الدولة والمجتمع السياسي.
ولأنه في ظل هكذا نظام مؤسساتي مدني يمكن للولاء والانتماء الوطني والاعتزاز بالهوية الوطنية أن يتعزز ويتكرس ويتصاعد ويتزايد على حساب تناقص الولاء للطائفة والقبيلة والعشيرة أو الولاء والطاعة العمياء للشخص والفرد والمخلص المزعوم..
ولأنه في ظل هكذا نظام مؤسساتي عادل يمكن لأي كان –بصرف النظر عن دينه ومذهبه وطائفته وماله وعقيدته.. ووالخ- أن يتفوق ويبني ويساهم في بناء بلده، ويطور من إمكانات مجتمعه بمنطق التمايز والكفاءة ومعيار التفوق العلمي الفني، من دون احتكار لأحد ينتمي لهذه الفئة، أو يوالي هذا الحاكم أو يتزلف لذاك المسوؤل.. أي بعيداً عن الاستزلام والمحسوبية والولاء العصبوي..
من هنا فإن ما تحتاجه عناصرنا الشبابية العربية الواسعة التي تتبدد هنا وهناك على طريق الضياع والتشتت بلا طائل ولا فائدة، وذلك من أجل تغيير هذا الواقع الشبابي المترهل، بآخر له حضوره وفاعليته ومسؤوليته الوطنية، هو الإصرار الدائم على إحداث تلك التغييرات التي ذكرناها في مختلف المجالات والمستويات والميادين السياسية (على وجه الخصوص) والاقتصادية والاجتماعية والتي يمكن تلخيصها بفكرة “الحداثة السياسية” المرتكزة على:
إشاعة ثقافة الحوار والتسامح والتعددية والمشاركة والقبول بالآخر المختلف، والتركيز على أهمية دوره في البناء والتطوير..
السعي لإقامة مؤسسات وأنظمة سياسية ديمقراطية حرة قائمة على ضمان تحقيق حقوق المواطنة والعدالة والمساواة.
ومن الضروري لفت النظر أخيراً إلى أنه يجب على المعنيين بملفات التغيير السياسي والإصلاح المجتمعي في عالمنا العربي من هؤلاء النخب الثقافية والتيارات والطاقات الشبابية الجديدة الواعدة أن يعلموا أن التسرع في مثل هذه الإجراءات الانتقالية في مجتمعاتنا العربية -التي تعاني من هيمنة إرث سياسي مظلم طويل ومن ثقافة تقليدية رثة يحكمها ويتحكم بها منطق النص الثابت على حساب منطق الواقع المتحول المتغير- هو أمر خطير للغاية، ولهذا فالمطلوب هو السرعة دون الاستعجال والتسرع الانتقالي من مستوى ما إلى مستوى آخر أعلى له شروطه وظروفه وطبائعه الجديدة.. فلا أحد إلا ويقف مع الإصلاح الحقيقي الهادئ المتوازن.. ولكن على ألا يأتي على حساب حدوث مزيد من المشاكل والتعقيدات لمجتمعاتنا، فهذه الأخيرة لا ينقصها الدخول في متاهات وأنفاق مظلمة جديدة باسم التغيير والحداثة السياسية والديمقراطية والمدنية..
* باحث وكاتب سوري
© منبر الحرية،1 يوليوز/تموز 2011

الشباب عماد المستقبل.. هل أضعناهم.. أم أن الفرصة متاحة لاسترجاع طاقاتهم المهدورة؟, 5.0 out of 5 based on 1 rating

 

ما رأيك؟