البناء على رمال متحركة

♦ محمد عز الدين الصندوق    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 5.0/5 (1 vote cast)

من أهم مفاهيم البناء هي أن تكون أرضية الأساس صلدة بما فيه الكفاية لتحمل الثقل الكبير للبناء، ومع زيادة البناء ارتفاعا تزداد الحاجة إلى صلادة وعمق كبيرين. البناء ليس تشيد فقط بل متابعه و اهتمام نحو الحفاظ عليه و ديمومته و تطويره.
في طفولتي كان فلاح حديقتنا إنسانا بسيطا كنا ندعوه العم أبو رمضان و رغم بساطته كان إنسانا طموحا، وطلب من والدي وقت ذاك أن يساعده في الحصول على عمل كساعي في إحدى المدارس. و تمر الأعوام وبعد أن انقطعت أخباره عنا،  إذ به يزورنا (العم أبو رمضان) ذات يوم و لكن بسيارة مرسيدس بعد أن تغير كل شيء فيه من ملابسه و طريقة كلامه. لقد دفعه طموحه نحو علاقات حزبية وفرت له مكانه اجتماعية سريعة و من ثم ازدياد مصادر الدخل من خلال تواجده في الأسواق التجارية. لقد تغير العم أبو رمضان كليا. استطاع و بذكائه الفطري أن يستغل الظرف السياسي لإعادة بناء حياته و حياة أسرته. وكان دخله الجديد اكبر من مستوى تفكيره . و كان من نتائج هذه النعم أن يغير كل شيء في حياته حتى زوجته التي لا تختلف في هذه المجتمعات عن أي سلعة. و لكن لم تستمر الحال كما شاء فمن نتائج النعمة المفاجئة أن ترك أولاده مدارسهم لان النعمة كما حسبوا دائمة، أما بناته فقد تزوجن في عز أبيهن من منتفعين لا يقلون طموحا عن أباهن،  ولما كان الوضع غير مستقرا فقد ذهب كل ما بناه أبو رمضان و سقط أبنائه في مستنقع الجريمة و طلقت بناته و…. لم يكن أبو رمضان ليدرك انه قد بنى على ارض متحركة. و ليس أبو رمضان الفرد البسيط في هذه المجتمعات الوحيد الذي بنى على ارض متحركة.
المجتمعات العربية و الإسلامية عموما و بعد الحرب العالمية الأولى بدئت البناء على ارض متحركة. و كما كان أبو رمضان قائد البناء في أسرته و مخطط التحول الكبير فان هذه المجتمعات عموما بنت و تبني ليس كمجتمعات بل بقيادات فردية أو مؤدلجة. و كما كان العم أبو رمضان فخورا ببنائه لأنه العقل المفكر و القائد الملهم في أسرته فان قادة البناء في هذه المجتمعات يتعاملون مع ما يتم بنائه بنفس الفخر و الاعتزاز. وكما انهار بناء أبو رمضان انهار العراق و دول أخرى في طريقها إلى ذلك.
لقد بدء البناء العراقي بعيدا عن المجتمع بعد الحرب العالمية الأولى. بدء العراق عهد الديمقراطية ومجتمعه لا يعرف سوف الفكر الديني الذي سيطر على المجتمع لقرون عدة وتركته في حالة فظيعة من البؤس و الفاقة و المرض. مثل هذا المجتمع لا يمكنه أن يدرك ما هو القرن العشرين و ما هي ضرورات المعيشة فيه، وكيف علية أن يتفاعل مع القوى الفاعلة. لقد كانت الأمية بكافة أنواعها هي السائد الأعظم، ولما كانت السلطة المستعمِرة العثمانية ذات غطاء ديني فان الصراع الطائفي كان كبيرا رغم انه قد كان يبدوا كامنا. لقد كان المجتمع المُضطَهد متقبلا للاستعمار الإسلامي التركي و لم يتقبل الاستعمار الغربي الذي قاد البلد إلى البناء. لقد كان العراق يعيش وقت تأسيس الدولة العراقية مشاكل اجتماعية هائلة و من الأقرب للصواب القول انه كانت هناك كوارث اجتماعية هائلة. إلا أن بناة الدولة تركوا الفرد والمجتمع ( أساس البناء) ليهتموا بالبناء المادي و رغم أهميته الكبيرة إلا أن البناء المادي لا بد له من ارض اجتماعية صلبة وليست هشة.
لقد تُركَ التعليم ليهتم أساسا بإعداد كفاءات قادرة على إدارة الدولة الوليدة أساسا مع بعض التوجهات الإيديولوجية للسلطة الحاكمة و استمرَ هذا الأسلوب حتى يومنا هذا. لقد كان و ما يزال المعلم الأساس في الدولة العراقية هي الأسرة والشارع ودور العبادة وليس الدولة. لذا تخرجت كفاءات علمية وعلى عهود مختلفة تلهج بالدعاء لولي النعم (السلطة) و ليس الوطن  الذي لا تعرف شيئا عن مكوناته الاجتماعية و كيف يتم تقبل الآخر. ورغم الغلاف البراق للشهادة العلمية فان تأثير الأسرة والشارع  ودور العبادة الذي نشئت فيه تلك الكفاءة يبدوا واضحا وجليا في محدودية الثقافة الاجتماعية. و هكذا انتقلت أمراض القرون الماضية متوارثة جيل عن جيل و رغم ظهور بعض التحسن ومحو الأمية الأبجدية و التي تصدت المدارس لها إلا أن الأمية الثقافية التي يعززها الشارع و الأسرة بقيت على حالها و عززتها الصراعات السياسية.
ولم تستطع كافة الحكومات المتعاقبة على إدارة العراق مجابهة مشاكل العراق الحقيقة والمزمنة. و ببساطة كانت معظمها إن لم تكن جميعها سلطات مؤدلجة تهتم بإيديولوجيتها أكثر من اهتمامها بالمجتمع ومشاكله و احتياجاته و منظوماته. و كانت النظرة الإيديولوجية و أحيانا النفعية تشكل حاجزا كبيرا بين المجتمع و السلطة. بعد الفترة العثمانية وبعد اكتشاف العرب والمسلمين وجود مخلوقات بشرية و حضارات خارج مدنهم و قراهم ومدى تطور تلك المجتمعات لذا قاموا بنفس ردة فعل أبو رمضان. غيروا ملابسهم ونزعوا طرابيشهم و فتحوا حانات لبيع الخمور وعرف النسوة السفور و فتحت دور اللهو و السينما و اشتروا السيارات… لم يسبق للعراقيين  أن عرفوا الفكر السياسي الذي تطور خلال الفترة المظلمة من تاريخهم. لذا كان الانتقال مفاجئا من الفكر الديني نحو الفكر المعاصر و من دون تمهيد و إعداد اجتماعي. و على ذات الحال تم لدى البعض استبدال الفكر الديني بآخر معاصر فدخل الفكر الماركسي و تم استبدال الكتب المقدسة بأدبيات الماركسية والشخصيات الدينية بالمفكرين الماركسيين و أصبحت موسكو مدينة مقدسة  وهكذا هو تعامل البسطاء مع الفكر الحديث وهناك آخرون تبنوا الاديولوجية القومية و أصبح هتلر والرئيس الراحل عبد الناصر عندهم بدرجة القداسة والأدبيات القومية بديلا واخذ الساسة يقبلون على القاهرة و قبلها ذهبوا إلى برلين. واخذوا يتصارعون ايدولوجيا بعد أن كانت الصراعات طائفية فقط.
لقد كان بناء العراق عشوائيا مؤدلجا بعيدا عن واقع و متطلبات المجتمع كمجتمع معاصر. كان الاهتمام بالكهرباء والماء والخدمات الصحية وتأسيس الجيش والشرطة. كل هذه الأمور لم يفكر في توفيرها الاستعمار العثماني (على ما يبدوا أن المجتمع كان سعيدا بحرمانه منها لأنه لم يثر كما ثار في ثورة العشرين) و ساهم في توفيرها الاستعمار البريطاني في الدولة العراقية الوليدة. لقد عرف الغرب هذه الأشياء خلال فترة طويلة من الزمن. تطور مجتمعهم خلالها تدريجيا ولكن ما حصل عندنا هو محاولة استيعاب هذه الأمور و كثيرة غيرها في فترة زمنية غير منطقية. و الأدهى هو عدم وجود خطة مدروسة (ليست مؤدلجة) لإعادة بناء الفرد و المجتمع ليكون مهيئا لتقبل المنظومات الحديثة. إن الفكر الاجتماعي كان مغيبا تحت تأثير الفكر الديني و لمدة قرون. و لكن الفكر الديني بقى كامنا خلال فترة تبديل القشور ولم يكن بمقدوره البروز من جديد أمام إعصار الحضارة الحديثة الجارف بعد الحرب العالمية الأولى. لقد كسرت الحرب العالمية الأولى بوابات سجن الزمن لينطلق السجناء من دون أن يعرفوا طريق حريتهم.
لقد كان القتل المُبرر هو القتل باسم و غطاء الجهاد الإسلامي و كان ضد الكفار والمارقين و كما هو متعارف عليه في الفكر الإسلامي السائد. في مرحلة تبديل القشور تم استيراد الاديولوجيات الحديثة و تحول مفهوم الجهاد إلى محاربة أبناء البلد ذاته من الرأسماليين (البرجوازية الوطنية البسيطة) أو  الشيوعيين الكفرة أو القطريين (من لا يؤمن بالوحدة العربية) أو الشعوبيين أو… و هكذا اخذ البعض يقتل البعض و تحت أغطية المبادئ الحديثة السامية لكل إيديولوجيا تستلم السلطة أو الشارع. لقد قُتل المسيحيين في تلكيف في شمال العراق بيد الدولة وقتل و شرد اليهود بيد غوغاء مجهولين، وقتلت العائلة المالكة بتحريض قاس و مبالغ به من قبل الأحزاب السياسية وقتل قادة تموز بنفس الأسلوب و قتل التركمان في مجازر كركوك و قتل العرب في مجازر الموصل و قتل الأكراد في مجزرة حلبجة و الأنفال وقتل الشيعة في ما يعرف بالمقابر الجماعية و محاربة الأحزاب الدينية و أخيرا عاد الفكر الديني بعد 2003 من جديد و لكن بصورة أكثر دموية ليلتهم بصورة انتقائية من يحددهم أهدافا لجرائمه المقدسة. بالإضافة لهذه المجازر كانت هناك الحروب الدموية التي لا تمييز بين القوميات و الأديان و التي حصدت مئات الألوف من الشباب و تحت غطاء المبادئ السامية.
كل من يستلم السلطة فردا كان أو حزبا سياسيا يحاول أن يخضع الآخرين و يحاول أن يصبغ المجتمع لرغباته. معتبرا نفسه المرجع الوحيد و القائد أو المعلم و حامل الفضيلة….. و هكذا دمر حكام العراق وأحزابه السياسية  ما حاول بنائه حكام العراق وأحزابه السياسية  أنفسهم. و المشكلة الأكبر هي أن العراق دولة نفطية تتحكم  السلطة الحاكمة وتسيطر على المورد الأساسي لذا فان السلطة المؤدلجة تتمكن بمنتهى البساطة من صبغ المجتمع بطلائها. لذا تلون العراقيين بمختلف الإيديولوجيات ليس قناعة أو رغبة قدر كونه ضرورة حياتيه لمجارات الحاكم. أما الشعب العراقي فانه لم يبني شيئا لأنه لم يعرف الديمقراطية يوما ولم يعرف ذاته. العراقيون لم يعرفوا المؤسسات المدنية والاجتماعية ولم يكن عندهم في تاريخهم المعاصر فرصه لمواجهة مشاكلهم بصراحة ومن دون تعال لأحدهم على الآخر. لقد دمرت التربة الاجتماعية القلقة البنائين الفوقي والتحتي البسيطين اللذان تم بنائهما بعد تشكيل الدولة العراقية. وهم الآن يلهثون لإعادة بناء الكهرباء و الماء و الجيش  و… و ربما ستتكرر عملية الهدم و إعادة البناء!.
النظام الديمقراطي الجديد بعد 2003 فتح الباب أمام كافة المشاكل و الأحقاد الدفينة بالخروج إلى السطح ولأول مرة في تاريخ هذه الدولة. و هذه واحدة من أهم ضرورات تكوين مجتمع مستقر.  المكاشفة و الوضوح يجب أن يسود الجميع. العراقيون اليوم يواجهون تحدي بناء العقد الاجتماعي و ليس السياسي لتكوين الأرضية الضرورية للبناء. و لكن هل الأحزاب السياسية الفاعلة في العراق الآن على مقدرة و تصور كافيين للعب هذا الدور التاريخي الفريد؟ العراق الآن بحاجة لبناء المجتمع و ليس بناء القادة والأحزاب السياسية المؤدلجة.  القادة والأحزاب يتبدلون ولكن البناء يجب أن يكون تراكميا.
تجربة بناء العراق ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى 2003 بحاجة إلى دراسة معمقة، تجربة البناء و الهدم المستمر القاسية هذه بينت مشاكل من قبيل:
عدم الاهتمام بعصرنة الثقافة الاجتماعية لمكونات الشعب العراقي على مستوى الدولة و المجتمع. بعد عام 2003 اكتشف الكثير من العراقيين حقائق كثيرة عن مجتمعات العراق كانت مغيبة عنهم.
عدم الاهتمام ببناء الفرد الاجتماعي (و ليس المهني) و بعيدا عن الايدولوجيا. لقد بان أن المواطن ليس عراقيا بقدر كونه ابن عشيرته أو طائفته أو قوميته أو دينه…
التركيز المفرط على بناء و تطوير المدن وعدم الاهتمام بالريف ومحاولة رفع مستواه الحضاري. مما قاد إلى هجوم الريف باتجاه المدينة حتى أصبحت المدن قرى كبيرة.
لا أهمية للتراكم في البناء والخبرة و كل من يستلم السلطة يريد البناء من جديد. لذا كان هناك الهدم و الإعمار لمحو أثار من بنى سابقا.
البناء يتم بإرادة الرؤساء و الملوك و الأحزاب المؤدلجة وليس هناك أي دور اجتماعي حر. لقد كان البناة ملوكا و قادة سياسيين متصارعين. وكذلك كان الهادمين هم القادة و الساسة المتصارعين.
عشق الساسة العراقيين (على الأغلب) للأدلجة و على غرار الأدلجة الدينية التي سيطرت على المجتمع قرون عدة دون أن تتمكن من بناء طابوقة واحدة أو تواجه الاستعمار الإسلامي التركي الذي دمر العراق و تركه جثة هامدة.
في مجتمع بهذه المواصفات لا قيمة للثقافة و لا للتاريخ و لا للإنسان عموما. لذا تربى ضمن ثقافة الأسرة والشارع ودور العبادة المجرمين و محدودي الأفق اللذين يرفضون الإجرام السياسي المغلف بالمبادئ السامية. الكثير من المجرمين اللذين يتم إلقاء القبض عليهم  الآن هم أطباء و مهندسين و صيادلة خريجو المؤسسة التعليمية العراقية. ذات المؤسسة أفرزت مبدعين إلا أن عملية ظهور مبدع ذات طابع فردي لان الإبداع عملية في الأساس فردية الطابع ولكن هذا المبدع يعاني اجتماعيا من انعزالا قد لا يمكن الهروب منه دون الارتماء في أحضان السلطة المؤدلجة. الجريمة السياسية و التهديم المستمر لا يمكن إيقافه من دون دراسة مصدره و معرفة أسبابه. مشكلة التهديم هذه ليست ظاهرة عراقية بل تجد مماثل لها في الدول العربية والإسلامية بصور متفاوتة.
إن منظومات البناء على تربة قلقة قد تخلق كوادر مهنية و فنية لإدارة مؤسسات خدمية و لكنها لا تخلق مجتمعا متماسكا. لقد ظهر في تاريخ العراق المعاصر الكثير من المبدعين والمثقفين ومنهم من بقى حرا منعزلا ومنهم من سار مع تيار السلطة في ازدهارها ويخبوا معها. و لكن كل هؤلاء لا يشكلون سوى طبقة اجتماعية معزولة إلا من تأدلج و رحل برحيل سلطته .
لقد بدء العراق عهد الديمقراطية الثانية بعد 2003 و التي يفترض أن تكون أكثر نضجا من التجربة الأولى في بداية تأسيس الدولة العراقية، و العراق الآن على عتبة إعادة بناء، فهل سيعاد بناء المدرسة العراقية على أسس وطنية؟  وهل ستتم معالجة مفردات المناهج التربوية المدمرة للمجتمع ؟ و هل ستفتح المدارس و المؤسسات الحديثة في الأرياف قبل المدن؟ وهل ستكون هناك تربية اجتماعية عصرية مركزة على الوطن والمواطنة و غير مؤدلجة؟ وهل ستتوقف الأحزاب المؤدلجة عن لعب دور الأب أو المعلم  أو الوصي؟ و هل ستكون هناك خطة لإعادة تأهل مجتمع عاش قرونا سجينا في أقبية الزمن وبيد المتخصصين و ليس الساسة المؤدلجين؟ و هل و هل…لا يمكن بناء مجتمع حديث متماسك على أنقاض مجتمع أكله الدهر قرونا من دون أسس علمية واقعية للبناء الاجتماعي  وستبقى كل عمليات البناء المستقبلية معرضة للانهيار من جديد .
الغرب لم يألف ظاهرة البناء هذه لأن البناء كان في الأساس تدريجيا ومتراكما على كافة المستويات و المدرسة الغربية تطورت تدريجيا لتكون معملا متطورا باستمرار لإنتاج أفراد اجتماعيين قبل أن يكونوا متخصصين.

© منبر الحرية،15 مارس/آذار 2011

© مشروع منبر الحرية

البناء على رمال متحركة, 5.0 out of 5 based on 1 rating

 

ما رأيك؟