الخروج من الغابة السلطوية

♦ عبد العظيم محمود حنفي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 3.0/5 (1 vote cast)

لا نجد أدنى صعوبة في ملاحظة أن الاتجاه الرئيسي في الكتابات العربية والغربية، التي عنيت برصد حالات التحول الديمقراطي على الصعيد العربي، تجمع على أن الدول العربية تمثل “ظاهرة استثنائية” بالنسبة إلى الظاهرة التي اتخذت طابعًا “عولميًا” منذ ثلاثة عقود، حتى بدت هذه المنطقة من العالم كأنها مستعصية على الإصلاح من داخلها، على الرغم من تزايد وتيرة المطالبة بالإصلاحات السياسية سيما مع تزايد الإحباطات الاقتصادية وتزايد الفساد. وتستند المطالبات بتغيير الدستور كإحدى الأركان الرئيسية في عملية الإصلاح السياسي. ونسوق للتحديد التجربة المصرية في تعديل الدستور، فمع أن الرئيس حسنى مبارك اشتهر بحبه للاستقرار، فإن عدد التعديلات التي أدخلها على ذلك الدستور يتفوق بمراحل على أي عدد من التعديلات أدخل على أي وثيقة دستورية في مصر منذ بدأت مصر تطورها الدستوري في سنة 1866. وذلك أيضا على الرغم من تصاعد الدعوات لتعديل العديد من مواد دستور 1971، لأنه جرت صياغته في ظل أوضاع وطنية وعالمية، لحقتها تغيرات جوهرية منها انتقال مصر إلى نظام تعدد الأحزاب خلفا لنظام أقرب إلى الحزب الواحد، وتحولها تدريجيا إلى الاقتصاد الرأسمالي بدلا من الاقتصاد القائم على التخطيط والملكية العامة لأدوات الإنتاج.. ولكن أخذت التعديلات تتسارع منذ سنة 2005 بتعديل لحق المادة 76، وأدخل مبدأ الانتخابات التنافسية في رئاسة الجمهورية بدلا من الاستفتاء على شخص واحد، ثم جاءت تعديلات سنة 2007 التي طالت أربعا وثلاثين مادة في الدستور. الأمر المهم هنا ليس عدد التعديلات، ولكن مضمونها وأسلوب إقرارها. واقع الأمر أن طلب إعادة النظر في المظاهر الهيكلية للدستور المصري كان محقا وصائبا تماما فلا يجادل أحدا أن هناك مشكلة بنائية تواجه النظام السياسي المصري تتعلق بأسسه وقواعد حركته، وهى أوضاع تراكمت على مدى السنوات منذ 1952 بشكل افقد النظام السياسي منطقه الداخلي وتناسقه. ذلك أن كل نظام سياسي لابد أن يمتلك منطقا داخليا يحدد قواعد التعامل بين مؤسساته وقواعده الرسمية وغير الرسمية وأساس العلاقات بين النخب الحاكمة والنخب الأخرى وبالذات قواعد انتقال السلطة. كل هذا يتعلق بقضية رئيسية فى تحليل النظم السياسية و القضية هنا تتعلق بمصدر العلاقة بين الدولة والمجتمع أو العلاقة بين المؤسسات والهياكل السياسية والقوى والتيارات الاجتماعية الفاعلة. المشكلة في مصر هي عدم التناسق بين الأطر القانونية والممارسات الفعلية وبين المؤسسات الدستورية والحزبية والقوى الاجتماعية الفاعلة. وعبرت تلك المشكلة عن ذاتها في القوانين التي كانت تصدر في مناسبات معينة ولمواجهة مواقف بذاتها وعرفت مصر وفق هذا المنطق قانون العيب وقانون الوثائق وقانون الأحزاب السياسية. فهل حلت التعديلات الدستورية التي جرت على الدستور المصري المشكلة البنائية التي واجهت النظام السياسي المصري فيما يتعلق بأسسه وقواعد حركته؟ نجد أن تلك التعديلات انصب عدد كبير منها على المواد المتعلقة بالمقومات الأساسية للمجتمع، وخصوصا ما يتعلق منها بالطبيعة الاشتراكية للاقتصاد، وعلى تلك المواد المتعلقة بنظام الحكم. فقد جرى تفصيل شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في المادة 76 على نحو لا يسمح لمن لا يرضى عنه الحزب الوطني الحاكم أن يترشح، ولا أن يحكم مصر غير من يرشحه هذا الحزب، و المشكلة هنا تكمن في أن الانتخاب لن يكون انتخاباً، خصوصاً إذا تذكر المرء عدم التكافؤ البنيوي للأحزاب والمرشحين في انتخابات برلمانية أنتجت دائماً غالبيات مؤيدة للنظام . بمعنى آخر، لا يجري اختيار المرشح للرئاسة إلا إذا كان حزبه له على الأقل 5 % في مجلس الشعب ويحصل على تزكية عدد لا يقل عن 250 عضو من مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية . وهم نواب كان الحزب الحاكم اختارهم في وقت سابق. وتستجيب هذه الترتيبات تماماً للعلاقات القرابية الأبوية، وإن كانت مواتية لأي مرشح يحظى بتأييد الرئيس الحالي أو النظام ككل. وليس من الصعب فقط تخيل أي شخص على رأس نظام استبدادي ينفذ سياسات تحد من سلطات هذا النظام ذاته وتحوله إلى ديمقراطية يمكن فيها تنحية الحكام من قبل المحكومين. فمن الصعب بالقدر ذاته أن نرى كيف يمكن لأفعال فرد واحد أن يغير بشكل أساسي نظاماً قائماً من هذا النوع. فانطلاقاً من أن الديمقراطية لم تنشأ أبدا، ولا يمكن أن تنشأ، بمرسوم من فوق، لا بد أن يكون هناك على الأقل ائتلاف قوي من اجل التغيير. ويمكن إدراك محدودية تأثير الزعماء الشباب الجدد في المغرب والأردن وسورية حيث تولى السلطة الأبناء الذين قاموا بـ”تحديث” الأنظمة الاستبدادية التي ورثوها، لكن تأثيرهم كان من نواح كثيرة اضعف ومقصوراً على اختلافات في نمط الأداء فحسب بالمقارنة مع الماضي. وعلاوة على المادة 76 تم تعديل المادة 88 لإسقاط مبدأ الإشراف المباشر للقضاء على هذه الانتخابات حتى لا تشوب الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية فى مصر شبهة التعبير الأمين عن إرادة شعبية يحميها القضاء،. كما لم يتم المساس بالمادة 79 التي تجعل مدة رئيس الجمهورية مفتوحة .
أحزاب المعارضة الرئيسية، كذلك منظمات المجتمع المدني والحركات السياسية ذات المصداقية اعترضت عليها بشدة. كما أن خبراء القانون الدستوري قد انتقدوا تحديدا هذه المواد. وهكذا أصبح دستور البلاد، والمفترض أن يكون موضع الإجماع، وثيقة تفتقد الإجماع الوطني حولها. فبدون انتخابات حرة ونزيهة، وبدون رقابة حقيقية وفعالة على السلطة التنفيذية من جانب مجالس نيابية تتمتع فيها المعارضة بوجود فعال لن يكون هناك تداول للسلطة ولا احترام حقيقى لحقوق الإنسان، ولا تكون هناك فرصة لأي تطور سياسي نحو أوضاع أكثر ديمقراطية. ولذا سيظل الحزب الوطني الديمقراطي في مصر متربعا على سدة الحكم. وهكذا عض المطالبون بتعديل الدستور أصابع الندم على دعوتهم وكفاحهم المستميت من اجل تعديل المظاهر الهيكلية للدستور المصري .
إن الطريقة التي تتعامل النظم العربية مع ما يمكن تسميته بـ”أبو القوانين” قد أسقطت عنه طبيعته السامية، وجعلت منه مجرد وثيقة تعكس رغبات حاكم فرد، ولا تحظى بالإجماع الوطني، وتصبح مجرد ورقة تستخدم من جانب طرف واحد في الصراع السياسي، بدلا من أن تكون المرجع المرشد لدى كل الفاعلين السياسيين يحتكمون إليها عندما يحتد بينهم الخلاف، ويرتضون بما تقضى به نصوصها أيا كان تأثيرها على مصالحهم.

‎© منبر الحرية،14 فبراير/شباط 2011

الخروج من الغابة السلطوية, 3.0 out of 5 based on 1 rating

 
  1. حكيم دحماني says:

    الدّستور هو أعلى وثيقة قانونية في الدولة، يحدّد طبيعة الحكم و طريقة تنظيم السلطات، و كذا الحريات الأساسية للأفراد…الخ
    و ما يفترض في النصّ الدستوري هو سموّه عن جميع القوانين الداخلية في الدولة، بل أن هناك من يطرح إشكالية سموّه حتى عن الاتفاقيات الدولية التي تشكل أساس القانون الدولي، لذلك فمن المفروض أنه يتمتّع بنوع من الحصانة تجاه أي تغيير أو تعديل ظرفي و آني كون أي مساس بمادة من مواده يعتبر مساسا بكيان الدولة ككل نظرا لطبيعة الآثار التي تنجر عن ذلك على المنظومة القانونية الداخلية
    إلاّ أن الدستور العربي، كما الشأن لجميع المجالات الأخرى، ينفرد بخاصية أخرى مقارنة بدساتير الدول الأخرى خاصة الغربية و هي خضوعه لمدأ التغيير و التعديل لمجرد ورود متغيرة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية مهما كانت بسيطة.
    و لقد أصبح الدستور العربي مجرد وثيقة قانوةنية شأنها شأن جميع النصوص القانونية التي تأتي أدنى منه من حيث القوة، بل في بعض الأحيان نجد بأن هناك قوانينا أو أوامر صدرت و لا تزال سارية المفعول من غير أن يمسها تعديل ما إلا فيما اقتضت الضرورة أكثر من الدستور نفسه.
    الدستور العربي أصبح مرآة لتصورات الحاكم كشخص، و ليس مرآة الدولة ككيان مستقل يتمتع بالشخصية المعنوية و السيادة، حيث يتم تغييره و تعديله وفقا لتوجهات كل رئيس يصل إلأى الحكم بما يتماشى و مصالحه و بما يضمن له أساسا مدة أطول في الحكم و السلطة، و بما يعزز من صلاحياته و مركزه و مركز جهازه التنفيذي.
    في الجزائر مثلا، منذ عام 1962 سنة الاستقلال عن فرنسا إلأى غاية اليوم عرفت البلاد حمسة 05 دساتير، كل دستور مرتبط بشخص رئيس حكم الجزائر، و كل رئيس جزائري عدل الدستور حتى أصبح معروفا أن لكل رئيس دستور، و آخره التعديل الذي أجراه الرئيس بوتفليقة في 2008 فتح فيه العهدات الرئاسية و جعل من رئيس الحكومة وزيرا أولا، و ووسعت صلاحيات رئيس الجمهورية.
    و في اليمن كذلك يجري نفس الشيء، و هو نفس الأمر حصل في جيبوتي.
    فالدستور العربي فقد مصداقيته و لم يعد يتمتع بالهيبة التي يفترض أن يتمتع بها الدستور كأعلى وثيقة قانونية في الدولة.

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: +1 (from 1 vote)

ما رأيك؟