هل نحيا عصراً للنهضة؟

♦ محمد الدعمي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

منذ تجليات مرحلة محمد علي باشا في مصر، وعودة رفاعة رافع الطهطاوي من باريس في وقت لاحق، يحيا العالم العربي في ظل شعور قوي بأن هذا هو عصر النهضة العربية، أو مرحلة اليقظة العربية/الإسلامية. لقد بقي هذا الشعور مذاك سائداً لا يقبل النقاش لأسباب عدة، منها ما هو متصل بما سبق في الحياة السياسية والثقافية، ومنها ما هو متصل بما تمخض عنه التالي من الأعوام من نتاجات فكرية وتطورات سياسية قادت نحو تغيرات جذرية نحيا اليوم بعضاً من آثارها المتأخرة. ولكن، ألم يأتِ الوقت المناسب الذي يسمح لنا، ابناءً لما جاءت به النهضة العربية، أن نتساءل: هل نحيا عصراً حقيقياً للنهضة، أم إنه عصر لا يختلف عما سبقه من العصور المظلمة التي نقلل من شأنها متخذين من تغزل أحد شعرائها بـ”مخدة” أو بإبريق شاي دليلاً على التردي والنكوص الذي كان يحياه العقل العربي في ذلك العصر المظلم.

لقد قدم الطهطاوي، ومن ثم السيد جمال الدين الأفغاني ومريده محمد عبده، عدداً من الأسئلة، كان أهمها هو: لماذا نحن متأخرون أو متخلفون في العالم العربي الإسلامي، مقارنة بالأمم الغربية؟ وقد تمخضت محاولات الإجابة على هذا السؤال حصراً عن الكثير والمضني من الجدل والمناقشات التي ملأت الكتب والمجلات، كما هي الآن تملأ الدنيا ضجيجاً عبر الفضائيات وسواها من وسائل البث الأثيري. لقد كان المبدأ الأول الذي إعتمده “أساطين” النهضة المشار إليهم أعلاه هو إستمكانهم للتراجع والخنوع لهيمنة الإمبراطوريات الأجنبية، العثمانية خاصة، كواحد من أهم مسببات وتجليات العصر المظلم، كما نفضل أن نطلق عليه، ربما بتعسف. لذا دعا هؤلاء المفكرون إلى تحرير الأقطار العربية والإسلامية من الهيمنة العثمانية ومن سيطرة سواها من الإمبراطوريات الأجنبية، فعد الإستقلال السياسي شرطاً مسبقاً لأنطلاق نهضة عربية أو عربية إسلامية جديدة تتبلور، ليس فقط في التحرر من ربقة الإمبراطوريات، ولكن كذلك فيما سيقدمه العقل العربي الإسلامي من منجزات إبداعية ومبتكرة تذكرنا بالعصر الذهبي لحضارتنا على سنوات الدولة العباسية.

بيد أن الذي حدث مختلف تماماً عن هذه الرؤيا المثالية، فلم يكن بمقدور الشعوب العربية أن تتخلص من نير الإمبراطورية العثمانية لوحدها، الأمر الذي إضطرها أو إضطر نخبها السياسية لأن تستنجد بالإمبراطوريات أو الكولونياليات الأوربية الجديدة لمساعدتها على الثورة على العثمانيين. وهكذا إنزلقنا نحو عصر الهيمنات والوصايات الأوربية، البريطانية والفرنسية والإيطالية من بين سواها، فدخلت الشعوب العربية طوراً جديداً من “النضال” لتحقيق التحرر من “الإستعمار” الأوربي وبناء الدول العربية المستقلة الجديدة. وعبر هذه المرحلة المستطيلة بحسابات العصر الجاري لم يتوقف أصحاب الأقلام الوثابون إلى “المشروع النهضوي”، القومي أو الإسلامي، في نقد، وأحياناً، سباب “العصر المظلم” المسكين وأهله لأنهم لم يفكروا بشيء سوى التغزل بمخدة أو بإبريق الشاي. لقد شهدت هذه المرحلة بروز عدد من الأقلام العربية التي نحسد ذلك العصر عليها الآن، لأننا لم نتمكن من أن نأتي بمثلها اليوم !

لقد حققت أغلب الأقطار العربية إستقلالها السياسي عبر قصص طويلة من العمل والنضال والكفاح ضد “المستعمر الغاشم”. وكانت النتائج باهرة عبر القرن العشرين على نحو خاص، إذ تتابعت أخبار الثورات وإعلانات التحرر والإستقلال السياسي على نحو سريع، من المحيط إلى الخليج. بيد أننا إكتشفنا أن الإستقلال السياسي كان  مشوباً بالكثير، فبرز الحديث عن أن الإستعمار، إذا ما خرج من الباب، فإنه سيعود من الشباك بطرائق وأقنعة متنوعة، بينما ظهرت آفات الرجعية والدكتاتورية وتغييب الديمقراطية الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي، مقدماً لنا جروحاً لا تندمل. وهكذا بقيت الثقافة العربية، على تنوعات مشاربها، أسيرة بين مطرقة التأثيرات الغربية وسندان أعباء الماضي الذي فرض على العقل الحاكم رؤى “السلطنة” المطلقة المستوحاة من حكايات “الف ليلة وليلة”.

إن أية مراجعة لما قدمته ثقافتنا خلال القرن الماضي تعكس آثار هذين المولدين الأساسيين. حتى العقول العربية الأكثر ذكاءً وقدرة على التحليل والنطق، وهي تعد بالأصابع، لم تتمكن من أن تحرر نفسها من هذين المولدين. وبقيت تناقش قضايا لا تزيد عن التراث والمعاصرة أو التراث والحداثة، وهما تعبيران جديدان لتوصيف التأثير الغربي من ناحية، وعبء الماضي من الناحية الثانية. وكانت أبرز الكتابات العربية التي نفتخر بها اليوم تتمحور حول الماضي، ولكن بمنظورات وأدوات غربية، تم إكتسابها في الجامعات الأوربية أو الأميركية. لذا كانت محاور هذه “النهضة” لا تتعدى مناقشات حول الشعر الجاهلي وإعادة تقييم أو تقويم قصة الإسلام عبر منظورات ومحكات من نوع الصراع بين الإمام علي ومعاوية، بينما بقيت عقول عربية أخرى منكفئة على تعريب ما يقدمه الفكر الغربي من روايات وقصص ونظريات من النوع الذي لم نتمكن من أن نأتي بمثله في جدته وإبتكاره.

ولكن مع هذا كله، يتوجب علينا أن نحسد االعصر المتلاشي الذي شهد ظهور رجال من نمط طه حسين أو علي الوردي، من بين آخرين، ذلك أننا في العصر الجاري، لم نتمكن من إنتاج رجال من هذا العيار الذي لا نرى فيه ما يكفي من القدرة على الإبتكار والإبداع. لقد شيدنا مئات الجامعات وآلاف المدارس، كما طورنا أنواع المراكز العلمية ودور النشر الثقافية، لكننا لم نشهد ولادة كتاب من هذا النوع الذي يجهزنا بشيء من صدمة أو رجة الوعي عبر مراجعاته للتراث. أما إذا كنا نطالب بنظريات وأفكار مبتكرة من نوع جديد، لم تخطر على بال أحد في أوربا أو أميركا، فهذا نمط من أنماط أحلام اليقظة. لقد توفي أمثال هؤلاء الرواد الذين لم نزل نستذكرهم بشيء من الدفء وبقينا نكتب هوامشاً على آرائهم وأفكارهم لا أكثر. وحتى هذه الهوامش اللاإبداعية راحت تتلاشى مع ظهور بطش الدكتاتوريات والتحجر الآيديولوجي الذي يرفض أن يتلحلح في عصر العولمة والشبكات الرقمية والإنترنيت، إذ تحول الإنسان الشاب نفسه إلى هامش إستهلاكي للمعرفة، إن كان يبحث عنها. وإذا كان الشعر ديوان العرب، الحقل الذي تميز به العرب عن غيرهم، كما نعتقد، فإننا قد شهدنا ونشهد اليوم مجالس عزاء أواخر الشعراء الفحول الذين ظهروا في أواسط القرن الماضي، بينما لم نتمكن من تعويضهم. لقد غادر نزار قباني وغادر الجواهري وأخيراً غادرت نازك الملائكة، تاركين وراءهم إرثاً فنياً وثقافياً جيداً دون أن نجد بدائلاً عنهم، كما كان يحدث في العصر العباسي على سبيل المثال. وتنطبق ذات الحال على الكتّاب والناثرين من المفكرين الذين تمت الإشارة إليهم أعلاه: فقد غادروا دون بدائل بمستواهم أو على مستوى أفضل. وهكذا بقينا أسرى التعليقات التلفزيونية المملاة من قبل الحكام وضوضاء أدعياء الثقافة اللامسؤول: فهل نشهد اليوم عصراً مظلماً جديداً؟ أم أننا لم نفارق العصر المظلم منذ سنوات شعراء الجدية والتكسب إلاّ في الخيال؟ هذا سؤال يستحق الملاحظة وأنشطة تبادل الراي.

أما من الناحية السياسية، عندما كان العرب تحت نير الإمبراطوريات الأجنبية، فإنهم كانوا كذلك أكثر إتصالاً وتآصراً فيما بينهم، بينما كانت الثقافة العربية أو العربية الإسلامية تبدو أكثر إتساقاً وتمازجاً مما هي عليه اليوم، بالرغم من آلاف دور النشر ومئات المجلات الثقافية التي نشاهده اليوم. في ذلك العصر “المظلم”، كان السيد جمال الدين الأفغاني يتنقل بين النجف والقاهرة، بغداد وإسطنبول، بكل حرية دون أن تطلب منه اية سفارة أن “يبتاع” تأشيرة دخول وأن ينتظر أشهراً حتى تتم الموافقة على دخوله.

إن الحديث عن عصر النهضة أو عن المشروع النهضوي يمكن أن يكون مجرد خرافة. لذا على الأجيال الإنتظار: فقد يأتي اليوم الذي تدرس فيه أفكارنا وآدابنا بوصفها جزءاً من عصر مظلم زائل، بينما يتعامل باحثو المستقبل مع ما نقول بإعتباره حلماً قومياً لا مجدٍ.

© منبر الحرية، 07 أبريل 2009

 

ما رأيك؟