أسباب النمو الاقتصادي

♦ روفين برينير    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 3.6/5 (5 votes cast)

يعد السياسيون والإقتصاديون بالنمو والازدهار ومستوى معيشة أعلى. فما الذي يقصدونه بهذه المصطلحات؟ وهل هناك مقياس موضوعي يستطيع الناس من خلاله أن يحكموا ما إذا كان الشعب في مجتمع ما، أو إذا كانت شعوب العالم تتوقع أن تكون الابتكارات التكنولوجية والسياسية (بما في ذلك المالية) ذات فائدة وتقود إلى تكوين ثروة أكبر؟ فكيف لنا أن نتأكد من أن ابتكاراً مالياً، أو تغييراً في استراتيجية شركة ما أو في سياسة حكومة ما سيحسن من الأوضاع داخل المجتمع أم سيزيدها سوءاً؟

والإجابة هي أن التغيرات في إجمالي القيمة السوقية للمؤسسات (القيمة السوقية للدَّين والحصص) في مجتمع ما مضافاً إليها القيمة السوقية للالتزامات المستحقة على حكومته ستكون أفضل تقدير نستخدمه للتوصل إلى مثل هذه الأحكام—في حال أصبحت الأسواق المالية عميقة وشفافة. زيادة هذا المجموع تعني أن قدرة المجتمع على توليد عوائد وتسديد الدَّين—سواء كان هذا عاماً أوخاصاً—قد زادت. والعكس: عندما يقل هذا المجموع (وهو يقاس بواسطة وحدة ثابتة نسبياً، عوضاً عن أي عملة معينة)، يشير الناس إلى أن حكومتهم أو إدارات شركاتهم تتخذ قرارات خاطئة وتصر عليها. والسبب بسيط: تَحوْل الأسواق المالية المتطورة التي تخلو نسبياً من العراقيل دون الاستمرار في ارتكاب الأخطاء. وبعمل ذلك، تعاود توجيه استخدام رأس المال وتضمن أن المدخرات ورأس المال موزع بطريقة أكثر فعالية.

وعندما يتضاءل المجموع المذكور أعلاه، إلى أين تذهب الثروة؟ هذا يعتمد. فكلما قلت مقدرة رأس المال والشعب في التحرك، كلما أمكن النظر أكثر إلى القيمة المتضائلة على أنها خسارة دائمة. تنصهر تلك الأشياء المتوقع أن تظل ثابتة، وهي جهد الناس وإبداعهم. ويمكن توقع حدوث أخطاء أكثر، وأن يدوم تأثيرها وقت أطول. وهكذا فإن النقصان يعكس توقعات متضائلة بتوليد عوائد مستقبلية (نظراً لأن كل خطأ يعتبر تكلفة). وتوليد عوائد مستقبلية يعني النمو والقدرة على تسديد الدين. ومع ذلك عندما يتحرك رأس المال والشعب، فإن الثروة التي تختفي من بلد ما تظهر مرة مجدداً في بلدان أخرى.

ثمة بضعة أمثلة توضح تلك النقاط أفضل من الثروة التي كونتها حالات الشتات المتعددة عبر التاريخ –الأرمن، والهوغونوتيون، واليهود، والمهاجرين الفقراء من أوروبا الذين أسسوا القارات الأحدث. (ترك بعض الأغنياء أوروبا.) أجبرت السياسة والأنظمة المهاجرين على ترك مواطنهم. دعنا نلقي نظرة سريعة على كيف أدى انتقال أكثر الناس موهبة ونشاطاً إلى كثير من “معجزات” العالم الاقتصادية.

حقائق وراء تحقيق معجزات

حظيت قصص أسطورية لمجتمعات فقيرة أو معدمة قفزت بين عشية وضحاها إلى مراتب أعلى من غيرها بإعجاب ورمقت بحسد وأثارت نقاشات حادة حول سبب تداعي الأغنياء وارتقاء الأفقر. لم تثر ثروات الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط مثل هذه النقاشات لأن تلك الدول تندرج في عداد نموذج الدول التي “تعثر على كنوز”. ولكن كيف تقوم المجتمعات بذلك وهي لا تفتقر إلى الموارد الطبيعية فحسب بل أنها تعاني من الكوارث؟ وهل يمكن أن تواكبها دول أخرى وتحقق نسب نمو عالية مشابهة؟

لم تكن معجزة القرن السابع عشر في أوروبا إسبانيا ولا البرتغال وكلاهما تندرجان في عداد نموذج الدول التي “تعثر على كنوز”، بل هولندا وأمستردام اللتان تقعا تحت سطح البحر واللتان تكونت ثرواتهما على الرغم من العقبات الطبيعية. كما كان هناك ألمانيا الغربية التي بزغت بإعجاز من أتون الحرب العالمية الثانية. وهناك أيضا معجزات آسيوية تسترعي انتباهنا مثل هونغ كونغ وسنغافورة. كما أن هناك نموذج إسكتلندا الذي يكاد يضيع في طي النسيان، والذي يعلمنا درساً خاصاً.

فما هو القاسم المشترك بين كل تلك المعجزات؟ فالهولنديون شكلوا أول جمهورية أوروبية، كانت تستوعب كافة الأديان (في الوقت الذي كانت فيه باقي أوروبا تميز بقسوة ضد الكثيرين) وفيها حقوق راسخة للمُلكيات، وهو ما أوجد فرص لتجارة غير معاقة نسبياً وابتكار مالي.

ولكن سيكون من المضلل القول أن الفضل في هذا يعود للهولنديين. فقد جذب انفتاح الجمهورية الجديدة إلى أمستردام تجاراً مهاجرين متعلمين ولهم صلات ومصرفيين (من شمالي إيطاليا)، وكان اليهود والهوغونوتيون الذين كانوا يعاملون بتمييز ضدهم في أماكن أخرى في أوروبا من أبرزهم. إذ أنهم ساعدوا في تحويل أمستردام إلى المركز المالي والتجاري لعالم القرن السابع عشر. كان فيها أول بورصة مالية في العالم، حيث تاجر الفرنسيون، وأهل البندقية، والفلورنسيون، والجنويون، والألمان، والبولنديون، والهنغاريون، والإسبان، والروس، والأتراك، والأرمن، والهندوسيون، ليس فقط في الأسهم بل أيضاً في اشتقاقاتها المعقدة.

كان الكثير من رأس المال المستثمر في أمستردام ملكاً لأجانب، أو لأمسترداميين ولدوا في الخارج. كان هناك “عولمة” خلال القرن السابع عشر، حتى وإن لم يكلف أحداً نفسه عناء استخدام المصطلح. ووجه الاختلاف بين ذلك الوقت والزمن الحاضر هو في جزء كبير منه بالطبع سرعة تدفق المعلومات. لم يكلف ماكس ويبر نفسه عناء النظر إلى نماذج الهجرة عندما جاء بفكرة أن الدِّين (أخلاقيات البروتوستانت) كان له بشكل أو بآخر علاقة بنجاح أمستردام المنظور. على الرغم من أن فكرة ويبر اقتبست على نحو متكرر كافٍ لجعلها تبدو حقيقة، فإنها لم تكن صحيحة في أمستردام أو في أي مدن أو دول تجارية مزدهرة أخرى. فقد حول التجار المهاجرون المتعلمون، ولهم شبكات حول العالم، أمستردام القرن السابع عشر إلى “معجزة”. وكانت نفس العوامل وراء تحقيق معجزات أخرى أيضاً.

وتشترك هامبورغ، وهونغ كونغ، وسنغافورة، وتايوان، وألمانيا الغربية من الناحية التاريخية مع تاريخ أمستردام، ولكن الدِّين المشترك ليس عاملاً. إذ وفرت الحكومة مظلة قانون ونظام في كل من هذه الأماكن، وفرضت ضرائب منخفضة نسبياً ومنحت الشعب حصة من الذي كان يحققه مجتمع الأعمال، وبذلك تم جذب المهاجرين وأصحاب المشاريع الفردية من مختلف أنحاء العالم.

صمم السير ستامفورد رافلز سينغافورة لتكون ميناءاً في بداية القرن التاسع عشر، ودعمه بنظام إداري قانوني بالإضافة إلى نظام تعليمي كان مفتوحاً لكافة الأطياف العرقية. جلبت التجارة والأمن الازدهار للمهاجرين المفلسين من إندونيسيا، والصين بشكل خاص. عرضت تايوان (بعد القرن السابع عشر) وسينغافورة وهونغ كونغ على المهاجرين فرصاً كانوا محرومين منها في الصين، التي كان يسيطر عليها في البداية أمراء الحرب وبيروقراطية تميز طبقياً ومن ثم بيروقراطية شيوعية. استفادت هونغ كونغ من أمواج المهاجرين القادمين من الصين، لا سيما من تدفق تجار شنغهاي والممولين عندما “حرر” ماوتسيتونغ الصين في عام 1949، مثلما ارتقت أمستردام حين فر التجار والممولون من شبه الجزيرة الأيبيرية في قرون مبكرة، وفر الهوغونوتيون من فرنسا، وفر اليهود من كثير من أجزاء أوروبا.

كان المهاجرون من شنغهاي أول من بدأ في صناعة النسيج والشحن في هونغ كونغ. وأسست تلك الشعوب أيضاً شبكة من التجار والمتداولين في التجارة ورجال المال وأصحاب المصانع كما فعل اليهود، والإيطاليون، والأرمن، والفارسيون، وجماعات أخرى من المهاجرين على مر التاريخ في أنحاء مختلفة من العالم.

خطة مارشال

تندرج معجزة ألمانيا الغربية خلال الحرب العالمية الثانية في عداد هذا النموذج أيضاً، على الرغم من أن نجاحها مقرون بخطة مارشال في ذاكرة الشعب. ولقد تمت المبالغة في أثر تلك المساعدة بحجم كبير. فالمؤرخون والاقتصاديون (المدعومون من قبل حكومات) يجيدون خلق الأساطير وتخليدها. تكون الأساطير أحياناً عن الوطنية، وتشير على نحو مضلل أن الفضل في المعجزات الاقتصادية يعود إلى ذكاء الشعب الذي يعيش داخل حدود وطنية مرسومة. وتكون أحياناً أخرى عن الأدوار المفيدة بشكل كبير التي تلعبها المساعدات الخارجية. كلا النوعين من الأساطير يبرر بصورة ملائمة زيادة النفوذ الممنوح للحكومة.

قدَّر الاقتصاديون أن مساعدات خطة مارشال، في فترة ما بين عام 1948 وعام 1950 بلغت ما بين 5 و10 في المئة من إجمالي الناتج القومي الأوروبي، مع أن هذه الأرقام مشكوك فيها. فإن الإحصائيات الأوروبية من تلك الفترة تقلل بشكل كبير من قيمة الدخول الوطنية بسبب الأسواق السوداء المنتشرة جراء تنظيم الأسعار وجني الضرائب عن طريق المصادرة. وبعد كل ذلك لم تحدث أية معجزات في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما قُدر بأن القروض والمساعدات لأوروبا بلغت أيضاً نسبة 5 في المئة تقريباً من إجمالي الناتج القومي الأوروبي. صحيح أن التعرفات حول العالم قلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لم يحدث بعد الحرب العالمية الأولى. والاستنتاج الأصح كما يبدو هو أن المعجزات مرتبطة بتعرفات أقل أكثر من ما هي مرتبطة بالمساعدات الخارجية.

إذن ما الذي تسبب في معجزة ألمانيا الغربية؟ في فترة ما بين عام 1945 وعام 1961 استقبلت ألمانيا 12 مليون مهاجر، ومعظمهم مدرب في صورة جيدة. كان نحو 9 ملايين منهم ألمان من بولندا وتشيكوسلوفاكيا. وهرب الآخرون من جنة ألمانيا الشرقية الشيوعية. على الرغم من أن انتقال رأس المال البشري ذلك لم يذكر في الكتب في ذلك الوقت، يمكن أن نستدل على أهميته من كون نسبة العاملين إلى عدد السكان في ألمانيا الغربية في الخمسينات والستينات أكبر بكثير من نسبة العاملين إلى عدد السكان في بلدان أخرى: 50 في المئة في ألمانيا مقارنة ب45 في المئة في فرنسا، و40 في المئة في المملكة المتحدة، و42 في المئة في الولايات المتحدة، و36 في المئة في كندا. وعندما توقف تدفق الأوروبيين، وصلت أمواج جديدة من موظفين صغار في السن ومهرة من أراضي حوض البحر الأبيض المتوسط. وبكلمات أخرى، لا تعود معجزة ألمانيا الغربية للمساعدات الخارجية وإنما لنفس الملامح التي تسببت في تحقق معجزات سابقة ولاحقة في أماكن أخرى؛ هجرة عمال مهرة ومعدلات ضرائب أقل بكثير.

المعجزة الاسكتلندية

يوضح الدرس الاسكتلندي، الذي لا يُذكر إلا نادراً في كتب التاريخ، الأمور الأخرى التي يمكن أن تقف وراء تحقق المعجزات الاقتصادية. في عام 1750 كانت اسكتلندا بلداً فقيرة جداً. كانت نوعية أراضيها رديئة وكان شعبها غير متعلم يعمل في الزراعة التي تسد رمق العيش؛ لم يكن هناك أنهاراً صالحة للملاحة؛ وعرقلت جبال قاحلة وتلال صخرية الاتصالات. كان التبغ المصنع أهم صادراتها في ذلك الوقت. ومع ذلك وبعد أقل من قرن، تصدرت اسكتلندا مع انجلترا صفوف الدول الصناعية في العالم؛ فقد كان مستوى المعيشة فيها نفس مستوى المعيشة في إنجلترا، بينما كان أقل بكثير في عام 1750. فكيف قام الاسكتلنديون بذلك؟

جعل اتحاد عام 1707 اسكتلندا جزءاً من انجلترا. وأصبحت تخضع لنظام الضريبة والقانون والعملة الإنجليزي، وسمح لها بدخول الأسواق الإنجليزية. كما ألغى الاتحاد أيضاً البرلمان الاسكتلندي، تاركاً اسكتلندا دون إدارة منفردة حتى عام 1885. وتبين أن ذلك أفضل نعمة (يذكرنا بنجاح هونغ كونغ لاحقاً تحت الحكم البريطاني البعيد)، لأنه منع النظام المصرفي والأسواق المالية من أن تصبح أداة لتمويل حكومي. والنتيجة كانت سوقاً مالياً نما تجاوباً مع متطلبات الاقتصاد الخاص.

ومع حلول عام 1810 أصبح هناك 40 بنكاً مستقلاً. كان التشدد في ذلك الوقت يقضي بأن تقرض البنوك فقط في حال أن القروض مكفولة بضمان سلع في الترانزيت أو قيد التصنيع، وليس لمدة تتعدى 90 يوماً. في المقابل، كانت البنوك الاسكتلندية حرة في أن تقرض لفترات غير محددة ومن دون أي ضمانات مادية. وهكذا فإن خطوط ائتمان البنوك الاسكتلندية أصبحت شرطاً مسبقاً لسندات المخاطرة.

كانت الكمبيالات، وهي موجودات البنوك الرئيسية في بلدان أخرى، الأقل أهمية بالنسبة للبنوك الاسكتلندية. وقدم أكبر حجم من القروض لأصحاب مصانع وتجار تلقوا ائتماناً مشفوعاً فقط بتوقيعاتهم الخاصة مضافاً إليها وجود شخصين أو ثلاثة كضامنين. ازدهرت البنوك بمدخرات ضئيلة وكانت تصدر تقارير مالية غير انتظامية.

يسلط المؤرخ المالي الاسكتلندي إيه. دبليو. كير الضوء على مزية أسواق البلد المالية: “كانت الحصانة النسبية من التدخل القانوني الذي كان يميز النظام المصرفي في اسكتلندا حتى عام 1844 نعمة على البلاد من دون شك، فقد أنقذت البنوك من المضايقات والتمييزات غير الضرورية والقيود التي أعاقت النظام المصرفي الإنجليزي وشوهته. سمح للقطاع المصرفي في اسكتلندا النمو في وقت تقدمت فيه البلد في الثروة والفكر. ليس هذا فقط وإنما تسنى له حتى قيادة البلاد على طريق الازدهار، واستخراج نظام مصرفي صحي وطبيعي، من خبرة عملية، ما كان يمكن أن يتم تحقيقه في ظل رقابة حكومية وثيقة مشابهة لتلك التي مورست في دول أخرى”. أظهر البلد كيفية الازدهار سريعاً، بدءاً من اللاشيء، عن طريق التجارة والتمويل غير المعاق من قبل التعرفات ولكن تحت وقاية مظلة إنجليزية سياسية وقانونية يعتمد عليها. (كان آدم سميث اسكتلنديا كما تعلمون).

قارنوا اسكتلندا في ذلك الوقت بفرنسا، حيث كانت تُرفض أغلبية كبيرة من التراخيص للمؤسسات المالية حتى عام 1857. لم يؤدِّ سوى كساد شديد إلى تحرير الإجراءات. ومع ذلك، حتى في عام 1870 لم تكن الخدمات المصرفية في فرنسا كما كانت في اسكتلندا في بداية القرن، إذ كانت القوانين تحرم الصناعيين الصغار من الحصول على خط ائتمان.

تتميز اسكتلندا عن غيرها ليس فقط بنظامها المصرفي الفريد من نوعه، بل أيضاً بتركيزها على التعليم. في عمل بعنوان “إنتاج العلماء في اسكتلندا” يقدم آر. إتش. روبرتسون الإحصائيات ذات العلاقة. بلغ إنتاج “علماء اسكتلنديين متميزين” أوجهه ما بين عام 1800 وعام 1850، وتضائل بشكل متسارع بعد عام 1870. والسبب؟ هاجر معظم الاسكتلنديين المتألقين ولم يعد هناك معجزة اسكتلندية.

ارتبط سقوط اسكتلندا النسبي في القرن العشرين بمحاكاة التعليم الاسكتلندي المتزايد بالتعليم الانجليزي (بدأت المحاكاة المصرفية بطيئة في عام 1845). لو سُمح لجزء كبير من أكثر الناس حيوية وذكاء في منطقة بالهجرة، وكانت إمكانية الحصول على خطوط ائتمان محصورة بالنسبة لأولئك الذين ظلوا في بلادهم، فما الذي يمكن توقعه غير التدني؟

ثمة دروس أخرى يمكننا الاستفادة منها من الحالة الاسكتلندية. لم تكن المدخرات شرطاً مسبقاً لازدهار الاسكتلنديين. فلم يكن لديهم ما يستحق الذكر. ولم يتلقوا أي مساعدات خارجية. ولكن حالما أتيحت لهم الفرص ونمت الأسواق المالية نسبياً من دون معيقات، لم يدخر الاسكتلنديون فحسب وإنما أيضاً استخدموا مدخراتهم في أفضل ما يكون. وفي اسكتلندا انتقلت المدخرات إلى الشركات الخاصة، في الوقت الذي انتقلت فيه في انجلترا وفي بلدان أخرى إلى الحكومات. لم تكن هناك حاجة لتشجيع روح المشاريع الفردية الاسكتلندية من قبل الدولة. على عكس المعجزات التي ذكرت سابقاً، لم يكن هناك انتقال واسع النطاق للمواهب من جميع أطراف العالم إلى اسكتلندا. ومع ذلك انتهت المعجزة بهجرة الموهبة الاسكتلندية، وتشكيل أسواق مالية أكثر تنظيماً وفرض ضرائب أعلى.

ما هي الدروس؟

هناك دائماً شرارات إبداعية بشرية، وربما تكون موزعة عشوائياً حول العالم. أما الازدهار فهو ليس بسبب الأفكار الجديدة بل بسبب تسويق أفكار جديدة. وتعتمد دوافع تسويق الأفكارعلى فرض الضرائب والوصول إلى الأسواق المالية.

أكبر مزايا الأسواق المالية الخاصة هي أنها تنزع المركزية عن صنع القرارات وتتجنب الاستمرار في ارتكاب الأخطاء. ولذلك عندما تواجه الشركات صغيرة الحجم الاختبارات المالية فإنها تتوسع. ولو أخفقت فإن الخسارة التي يتكبدها المجتمع تكون أقل بكثيرمن خسارة المشاريع الكبيرة التي تشرف عليها الحكومة والتي لا يُسمح لها غالباً بأن تمنى بفشل.

يبرر الإنفاق المستمر على مثل هذه المشاريع جيش كبير من الاقتصاديين الذين ترعاهم الحكومة، الذين يُعتبرون كهنة أوقاتنا، والذين لا يفوتهم أبداً المجيء بنظريات نصف ناضجة لإخفاقات في السوق يجب أن يعالجها منظمون حكوميون وبيروقراطيون أذكياء وزاهدون. ونتيجة خلق الأساطير هي رمي المال الجيد بعد المال السيء.

وقد يقدر اقتصاديون في المستقبل بالضبط كم هي نسبة الأداء المشهود للإقتصاد الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية يمكن أن يعزى إلى الانتقال الضخم إلى أمريكا من قبل أشخاص في غاية المهارة والطموح ولهم صلات جيدة من شتى أنحاء العالم، وقد كان العالم حتى 10 سنوات خلت معادياً للمبادرة والأمل. عندها سندرك كم ساعد تحول ذلك الرأس المال البشري غير المقاس في تغطية كثير من سياسات الولايات المتحدة الخاطئة والمكلفة. وما يجب أن يكون واضحاً من الدليل التاريخي هوأنه عندما وفي حال احتفظ باقي العالم بالأشخاص الموهوبين، فإنه لن يكون بإمكان الولايات المتحدة بعد الآن الاعتماد على جذبهم لتمويه أخطائها المكلفة.

وأمام الحكومات عدد من الخيارات لزيادة معدلات النمو. وإحداها هو عرض حزمة من الضرائب والمزايا لجذب مواهب أكثر ورأس مال من الخارج. ولكن نظراً لأن مثل هذه السياسة تثبط النمو في أماكن أخرى، فإنها قد تؤدي إلى اتخاذ إجراءات مضادة. وتشجيع مزيد من المشاريع المحلية قد يشكل بديلاً أفضل. ويمكن القيام بهذا عن طريق تخفيض الضرائب المفروضة على الدخل والأرباح الرأسمالية، وهو ما سيزيد مبالغ المال سريعاً التي سيكون الناس مستعدين لاستثمارها كرأس مال في المشاريع، كما سيسرع في إعادة توجيه الأموال في اتجاه تمويل المشاريع الفردية. سيؤدي كلا التأثيرين لكفاءة أكبر من خلال تحجيم الأخطاء (وبالتالي التكلفات) التي تحول دون معدلات نمو أكبر.

ما هي أفضل طريقة لتقييم تكوين الثروة عبر قيم رقمية؟ بالتأكيد ليس من خلال الإحصائيات الحكومية التي تعكس مجاميع مُساء قياسها وتتطلع إلى الخلف. إذ أن أفضل مقياس يمكن الاعتماد عليه هو التغيرات الكبيرة التي طرأت على قيمة السندات السوقية التي تقاس بوحدة ثابتة نسبياً من حساب أو ذهب بدلاً من وحدة ورقية معومة. وذلك لأن آراء طائفة واسعة من الناس الذين يدعمون آراءهم بالمال أثبتت أنها تتكهن بشكل أفضل حيال وجهة الأمور من آراء أولئك الذين لا يدعمون آرائهم بأموال.

إن التغيرات في القيمة التي ذكرت سابقاً ليست مؤشراً مثالياً على الذي ستؤول له الأمور. وليس هناك شيئ كذلك. ولكنها أفضل من البدائل كمقياس لتكوين الثروة وهي أكثر موثوقية. والمهم في الأمر هو أن الأسواق المالية يجب أن يكون لديها العمق المناسب. أي أنه على أسواق الأسهم أن تكون قادرة على عكس التوقعات المتعلقة بسياسات الحكومة والبنك المركزي، الذي تؤثر قوانينه وسياساته وأنظمته على إداراة الشركات. فعندما يكون هناك بضعة مصادر للمعلومات في مجتمع ما، أو إذا كانت المعلومات مسيطراً عليها، وكانت أيدي اللاعبين مقيدة، لن تقوم أسواق البورصة بالوفاء بأدوارها. ومن دون العمق المناسب، سيقل اهتمام رأس المال بها.

سوف تشهد المجتمعات التي تضع العقبات في طريق المعلومات لأسباب سياسية، كما فعلت الصين عندما وضعت شينخوا، وكالة الأنباء المركزية الصينية الحكومية، قيوداً على جميع نشاطات الداوجونزالتجارية في البلاد؛ التقلبات الكبيرة في سوق البورصة لديها التي شهدتها سوق بورصة نيويورك قبل قرن، قبل صدور نشرة الداوجونز واستحداث التقارير السنوية. وعندما يحدث ذلك، فلا أسواق الأوراق المالية ولا الإحصائيات الرسمية ستخبرنا كثيراً عما سيحدث بالنسبة للنمو وتكوين الثروة. تذكروا: على الورق، كانت الدول تنمو في صورة رائعة في ظل الشيوعية، ولكن من نشأ منا في ظل الشيوعية يعرف أن الإحصائيات السياسية المتعلقة بالنمو كانت كلها عبارة عن كذبة كبيرة.

علم الاقتصاد الكلي الذي لا يستند إلى أساس علمي

على الرغم من أن علم الاقتصاد الكلي الذي لا يستند إلى أساس علمي كان أسطورة وليس كذبة، فإنه خلف في أعقابه آثاراً مدمرة ومفاجآت غير سارة واضطرابات. فلماذا أصبح أسطورة؟ إن التركيز على المجاميع الوطنية أخفى حقيقة أن الأشياء التي أرادها الناس في بلد كانت تقاس، في حين أنه في أمكنة أخرى كانت الأشياء التي كان يرغب فيها الحكام والمؤسسة الحاكمة هي التي تقاس. طوى النسيان حقيقة وجود افتراض قوي في بداية الأمر بأن وراء العد الإجمالي علاقة بين الحكومات والمواطنين قائمة على تبادل الخدمات، كما لو كانت صفقة خاصة، بعد وقت ليس بطويل. وقادت نماذج علم الاقتصاد التي تلخص عمل الاقتصاد في بضعة معادلات بسيطة لنفس التنبؤات سواء كان “الانتاج” و”المحصول” يشيران إلى شيء كارثي أو شيء إيجابي.

نظراً لأن التوظيف من قبل الحكومة و”محصول” الحكومات أُضيفا، تباعاً، للتوظيف ولكل ما كان ينتج في القطاع غير الحكومي—ونظراً لأن هناك أسباب وجيهة، مع أنها ليست اقتصادية، لتدخل الحكومات أحياناً للقيام بأمور بناءة—ليس من العجيب أن نجد أن النفقات الحكومية أُوجدت لخلق وظائف وتحقيق محصول. ومن خلال استخدام تلك الأرقام بشكل مسلّم به، حوّل الاقتصاديون، بمساعدة من الإعانات المالية الحكومية الكبيرة لمكاتب الإحصائيات وللأكاديميين، فكرة سياسية خادمة للذات إلى جدل “علمي” يبدو محايداً عن الأرقام والطرق الإحصائية، مبقين المؤسسات السياسية بعيداً عن الصورة. وهكذا أصبح علم الإقتصاد الكلي نظرية لا تنطوي على تهديد يمكن تدريسها في العديد من الجامعات حول العالم.

أصبح التلاميذ أساتذة ولم يكفوا عن محاولة فهم أسطورة علم الاقتصاد الكلي ووهم المجاميع القومية الشاملة. ومع حلول الوقت الذي لاحظ فيه بعضهم أن الإمبراطور كان بلا ملابس، قد يكونوا واجهوا ورطة رائد الفضاء كيبلير الذي، برغم عدم إيمانه بعلم التنجيم، كتب بحوثاً عنه لأن الملوك دفعوا له نظير كتابتها.

اضطر الإقتصاديون أن يفعلوا ما فعل وإما أن يخفوا معتقداتهم الحقيقية أو ينسحبوا من المبادرة “العلمية”. بقي الإقتصاديون المتوسطون وحافظوا على المبادرة كأمر مفروغ منه، وكتبوا معظم “المحصول العلمي”، ودققوه، ونشروه وأصروا أن على كل شخص أن يمر عبر قنوات يسيطرون عليها. هكذا تتحول الأفكار الزائفة إلى “علم”.

وكنتيجة، فإن أكبر دليل تاريخي يشير إلى أن الإزدهار سيعاق أقل إذا لم تشكل الحكومات سوى المؤسسات التي تمكّن المشاريع الفردية والأسواق المالية من الازدهار. ويمكن أن نكون على ثقة من أن فكرة أن بإمكان الحكومات غالباً أن تفعل أكثر من هذا هي نتيجة لخلق الأساطير المدعومة حكومياً.

© معهد كيتو، منبر الحرية، 2 كانون الثاني 2006.

أسباب النمو الاقتصادي, 3.6 out of 5 based on 5 ratings
(Visited 4,168 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟