منبر الحرية: عن سبل تعزيز حوار الحضارات في مؤتمر بمكتبة الإسكندرية

عقد منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية يوم الخميس 6 اغسطس 2009 حلقة نقاشية بعنوان “سياسات دراسة حوار الحضارات: نحو مقاربة أجدى للحوار”، وذلك بالاشتراك مع مشروع “منبر الحرية” التابع لمؤسسة أطلس، وبشراكة علمية مع معهد كيتو الأمريكي بواشنطن العاصمة، وبمشاركة مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين.
وقال الدكتور يحيى حليم زكي؛ رئيس القطاع الأكاديمي والثقافي بمكتبة الإسكندرية، في كلمته الافتتاحية إن الحلقة النقاشية تهدف إلى إيجاد محاور وآليات للنقاش، بالاعتماد على مبدأ حرية الرأي كملتقى للأفكار وتبادلها، مشيراً إلى أن الحوار الداخلي في الحضارة الواحدة يظهر نقاط القوة ويقوم على السماع والاستماع ومعرفة الذات قبل نقد الآخر.
وأضاف أن الدنيا مليئة بالمتغيرات ولا مانع من مراجعة الذات، فبعض المواقف الجديدة ستتطلب من المفكرين الاجتهاد لإيجاد حلول مستحدثة تتماشى مع قيمنا ومبادئنا.
ومن جانبه، أكد الدكتور نوح الهرموزي؛ رئيس تحرير منبر الحرية أن التجانس بين الحضارات لن يتم دون إعطاء الحرية للأفراد والمجتمع المدني الفرصة للتحاور والتبادل وتقبل الآخر. وأشار إلى أن مشروع “منبر الحرية” يهدف إلى توعية المواطن العربي بأهمية حرية الحوار من خلال الندوات والحلقات النقاشية والدراسات وترجمة أدبيات ومقالات عن الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتأسيس فكر حر وممارسات حرة في عالمنا العربي.
وفي كلمتها التي جاءت بعنوان “ماذا يريد الغرب من وراء الحوار؟”، قالت الأستاذة أمينة شفيق الصحفية بجريدة الأهرام، إن البعض يناقش العلاقة بين العرب والغرب بموضوعية وانفتاح فكري من أجل تفعيل الحياة المشتركة على كوكبنا الذي بات قرية صغيرة تحتاج تعاون الجميع لحل مشاكلها. أما البعض الآخر فهو يناقش هذه العلاقة في إطار لا موضوعي متجاهلاً حقائق متباينة كثيرة وعدم فهم مشترك ومتبادل لا يعترف بالاختلاف في درجات التطور الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي الثقافية.
وتساءلت شفيق “من هو هذا الغرب، وعلى أي أساس نحدده، وماذا يريد منا؟”، مؤكدة أن الإجابة على هذه التساؤلات ستتيح فتح حوار مع الغرب على أساس معرفي متفق عليه. وأـكدت على ضرورة أن يتسع مدلول الغرب ليشكل كل من تلك الكتل البشرية التي تعيش على القارة الأوروبية والقارتين الأمريكيتين، وهي الكتل المقسمة إلى دول أو تكتلات دول متباينة المصالح والتوجهات السياسية والثقافية. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار أستراليا ونيوزيلندا وكندا وكل البلدان الأمريكية اللاتينية جزئاً من ذلك الغرب.
وقالت شفيق إن الغرب بشكل عام يعترف بالتنوع والتعددية ويحترمها ويعتبرها نعمة وليس نقمة، ولكنه يؤكد دائما على ضرورة الاندماج الاجتماعي العام كأساس للتعايش السلمي بين عناصر هذا التنوع. فالغرب يسعى إلى إدماج المسلمين في مجتمعاته مع احتفاظهم بهويتهم الدينية وضمان المساواة في الحقوق والواجبات، وفي المقابل يطلب منهم احترام دستور البلاد التي هاجروا إليها وكل قوانينها ومؤسساتها، والاعتراف بحرية الآخرين وتقاليدهم.
وأضافت “لابد من التعامل مع هذا (الغرب) على أنه عدد من (الغرب) الواسع التركيب الدولي والشعبي، الذي يمكن أن نرتبط به وبمكوناته الاجتماعية على أساس بناء عالم جديد خال من التمايزات السياسية الشديدة المبنية على الجنس أو اللون أو العرق أو الدين”.
من جانبه، أشار الدكتور عمار علي حسن الكاتب والباحث في الاجتماع السياسي، أن معظم العلاقات المستمرة بين الحضارات يغلب عليها التناحر والتباغض لا التعاون والتفاهم، ويعود ذلك إلى أن الصراعات المسلحة هي الأحداث الأكثر لفتاً للانتباه، وأن الإمبراطوريات استخدمت في تمددها العسكري تعبيرات ومفاهيم حضارية لتبرير مسلكها العدواني التوسعي.
وأشار إلى أن العالم يسير الآن في اتجاهين، الأول هو حوار الحضارات والثاني يتعلق بحوار الأديان، وأضاف أن حوار الحضارات لا حوار الأديان هو الأجدى والأنفع، فالحضارة تشمل الدين، لكن الأخير لا يشملها، وفي الوقت نفسه، فإن تجاذب أطراف الحديث حول الحضارات أخف وطأة على النفس وأيسر على العقل من التعامل مع العقائد.
وأكد حسن أن الحضارات لا تفنى كلية ولا تنتهي أبداً إلى العدم، بل هي تندمج في الحضارة التي تليها، وقال إن أي حضارة –مهما علا شأنها- مصيرها إلى التراجع، لتفسح الطريق أمام غيرها ليتقدم، ومع ذلك، لا يوجد ما يمنع أن تعود حضارة أفل نجمها إلى سابق توهجها وعطائها. ولذلك، أشار حسن إلى ضرورة أن يظل الحوار مفتوحاً بين الحضارات، أياً كان وضعها، ومهما كان حجم عطائها. ومن مفهوم اقتصادي، كل طرف حضاري لديه ميزة نسبية في أمور معينة، ومن ثم يصبح من الرشد أن يتبادل الناس المزايا.
وحول إمكانية نشأة حوار للحضارات من منظور صوفي، قال الدكتور محمد حلمي عبد الوهاب إن القيم الصوفية القائمة على السلم والتسامح يمكن أن تؤسس حوار جدي للحضارات. فالمتصوفة ينطلقون في إيمانهم بأهمية الحوار من المبادئ القرآنية والسلوكيات النبوية، حيث أكد الإسلام على ضرورة سلوك منهج الحوار في مجموعة من القضايا المصيرية التي تتعلق بالعقيدة والشريعة، ووطد لهذا المبدأ الذي يعتبر ركيزة أساسية لبناء المؤسسات الحياتية بمبادئه وسلوكياته القائمة على معيار العقل والمنطق.
وألمح عبد الوهاب إلى أن مكملات الحوار وفقاً للمتصوفة، تقوم على الاتفاق على مبادئ وآليات ووسائل الحوار، ومنها مبدأ الأخوة الإنسانية، والحكم على الأخر من واقع سلوكياته وليس استنادا لما يشاع عنه، وأن تكون الحقيقة هي الهدف الأسمى للحوار بغض النظر عن منبعها، وأن تستند كافة الآليات المعرفية والنظرية والتطبيقية العلمية التي يترتب عليها الحوار إلى بديهيات المنطق وأحكام العقل، وألا يدفعنا رفض الآخر لبعض قناعاتنا إلى المضي قدماً في نبذه ونفيه وتهميشه.
وعرضت الباحثة الشيماء العقالي تجربة مؤسسات خاتمي لحوار الحضارات كنموذج لحوار الحضارات في الفضاء الشيعي، ومنها المركز الدولي لحوار الحضارات الذي كان هدفه الأساسي تحسين صورة إيران لدى الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وإخراج إيران من عزلتها، وفتح آفاق جديدة للحوار مع الغرب. وقالت إن الرياح أتت بما لا تشتهيه السفن بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأمريكية إيران في صفوف دول “محور الشر” بعد أحداث 11 سبتمبر، مما أفقد المركز أهميته ومصداقيته. ورغم ذلك، نجح خاتمي في إنشاء مؤسسة الحوار بين الحضارات في جنيف بهدف دعم أفكاره التقدمية في مجال حوار الحضارات.
وأكدت العقالي أن محمد خاتمي أدرك أهمية الحوار كعنصر من عناصر الإسلام الأساسية، فحاول أن يتخذ من حوار الحضارات مدخلاً لحوار السياسات من أجل الخروج بإيران من العزلة التي فرضها عليها الغرب، وقد أستطاع بالفعل أن يخرج بمشروعه من المحلية إلى العالمية وأن يتحرر من قيود السلطة ويطرح أفكاره بصورة أكثر تحرراً وأعمق هدفاً.
وفي الجلسة الثانية للحلقة، استنكرت أماني غانم المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن يتم استخدام حوار الحضارات بشكل مؤقت وفي أوقات الأزمات للتغطية على الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك، أو الحديث بكلمات معسولة عن أصل العلاقات بين الحضارات وضرورة التعايش السلمي وقبول الآخر بغرض فرض تسويات ظالمة تتجاهل الحقوق المشتركة وترسخ حقوقاً لطرف على حساب طرف آخر.
وألمحت غانم إلى أن الحوار الداخلي في إطار الدائرة العربية الإسلامية لا يزال يكتنفه العديد من المشاكل وأوجه القصور سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي، الأمر الذي قد يفوت على أبناء هذه الدائرة الإفادة من التغيرات التي تلم بالسياق الدولي المعاصر مع تواجد إدارة جديدة على رأس الولايات المتحدة يبدو أنها تنتهج خطاباً مختلفاً لسابقتها في توجهها نحو عالم الإسلام والمسلمين.
وفي سياق متصل، أكد الدكتور عبد العظيم محمود حنفي؛ مدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات بالقاهرة، على وجود مجموعة من الشروط التي تضمن نجاح ثنائية الحرية، وحوار الحضارات. ومنها ضمان الحرية للجميع واحترام آليات تكامل حقوق الإنسان على صعيد العالم أجمع، وإنهاء ازدواجية المعايير التي سادت تعامل بعض القوى الغربية مع المنطقة العربية، وتجريم الإنتقاص من حقوق الإنسان أيا كان مصدر الانتهاك.
وأشار أيضا إلى ضرورة احترام حق العرب في إيجاد طريقهم الخاص إلى الحرية عبر إبداع القوى المجتمعية العربية دون فرض نماذج مسبقة مما يضمن النجاح والدوام للتحول التاريخي نحو الحرية. وأكد على أهمية التعامل مع الشعوب العربية والإسلامية من منطلق شراكة الأنداد القائمة على الفهم العميق والاحترام المتبادل لا من منطق الوصاية.
وأوصى حنفي بضرورة إقامة جسر بين المقاربة النظرية للحوار وبين التطبيق العملي والفعال، وأهمية اتخاذ مبادرات ملموسة تلتزم كافة الأطراف بتنفيذها في إطار ثنائية الحرية والحوار، واعتبار الحرية عامل وصل لا فصل. وأشار إلى أهمية وجود متاحف إسلامية وعربية في الغرب، ومتاحف أمريكية وأوروبية في الشرق، حيث أن إقامة المتاحف التبادلية المعبرة عن الحضارات يعني الكثير إلى الشعوب عبر الكرة الأرضية.
وتحدث محمد كمال، الباحث بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن أهمية دور المنظمات الدولية في حوار الحضارات، ومن أهمها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. وذلك لأن الأمم المتحدة هي المنظمة الدولية الأكبر المعنية بالسلم والتعاون الدولي والتي من أهدافها بذل جهد جماعي لتعزيز العلاقات الودية بين الأمم، كما تمثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي العالمين العربي والإسلامي كأحد الأطراف الأساسية في حوار الحضارات.
وأكد كمال على أهمية أن تحدد جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي رؤية واضحة للحوار وأهميته، وعدم الخلط بين موضوعات الحوارات الدينية والثقافية وبين الأبعاد الثقافية-الحضارية لموضوعات سياسية، وأن يتم تنسيق الجهود بين المنظمتين بحيث لا تتبعثر الجهود ولا تتكرر، بالإضافة إلى التنسيق مع منظمات المجتمع المدني العربية والإسلامية المهتمة بحوار الحضارات والاستفادة من خبرات الأكاديميين ذوي الخبرة في هذا المجال.

[nggallery id=8]

8  اغسطس 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018