peshwazarabic6 نوفمبر، 20100

استقالة بول وولفوفيتز كرئيس للبنك الدولي يُثير مسألةً يسأل الناس عنها في كل مرة يكون فيها رئيس البنك على وشك المغادرة: من سيكون الرئيس القادم، وهل سيكون باستطاعته إصلاح الوكالة التي سيرأسها بحيث تصبح فعالة في محاربة الفقر؟ السؤال ذو دلالة حيث أنه لا أحد—سواء داخل البنك أو خارجه—يُبدي رضاءً حول أداء البنك على الرغم من الإصلاحات العديدة التي تم إدخالها على امتداد السنوات.
من السهل أن نرى لماذا هذا الشعور بعدم الرضى منتشر انتشاراً واسعاً. فالبنك غير قابل لإدارة نفسه من الناحية العملية. إنها بيروقراطية حكومية دولية تضم حوالي 10000 موظف وآلافاً آخرين من المتعاقدين والمسؤولين تجاه عشرات من الحكومات المانحة، والتي كثيراً ما تتعارض أولوياتها السياسية والاقتصادية.
إنها هيئة تعاني من أهداف متفرقة مثل مكافحة الفساد، وتنمية المساواة الجندرية، ومكافحة الأمراض، ودعم الزراعة، وخصخصة المؤسسات التي تملكها الدولة، وبناء السدود وتمويل مشاريع الإقراض الصغيرة. وهكذا، فإن البنك لا يملك تركيزاً محدداً.
وعلى النقيض من دروس التاريخ الاقتصادي، فإن نموذج التنمية الذي يروجه البنك يقوم على أساس نقل الثروة من حكومات البلدان الغنية إلى حكومات البلدان الفقيرة، والتي بشكل معتاد تفتقر إلى الشفافية أو القدرة على تنفيذ مشاريع حكومية ضخمة.
وبوجود كل هذه “الأولويات” العديدة، ليس غريباً أن القضية المركزية في البنك الدولي هي انعدام المساءلة. وفي الحقيقة، فإن الطريقة التي غادر فيها وولفوفيتز البنك بسبب أنه وافق على إعطاء زيادة كبيرة على راتب صديقته، غابت عنها الشفافية والمساءلة. فقد تم طرده بالتفاوض وراء أبوابٍ مغلقة بدلاً من التصويت العلني من قبل مجلس الإدارة، وفي حادثة حصلت تحت أنوف أعضاء المجلس، بل وباشتراكهم. وفي النهاية فقد أرغم البنك وولفوفيتز على ترك منصبه، وفي الوقت نفسه برّأه من المخالفات الأخلاقية.
ولكن أكثر أهميةً ومغزىً بالنسبة لفقراء العالم هو غياب المساءلة في وسائل الإقراض التي يتبعها البنك الدولي. فإن وكالة التنمية هذه لا تسمح بتدقيق مستقل للمشاريع التي تمولها، مع أننا نعرف بأن عدداً مذهلاً من مشاريع البنك—ما بين 20 إلى 50 بالمئة، منذ عام 1990—لم يكن قابلاً للإدامة والصمود بموجب مقاييس البنك الدولي نفسه.
في عام 2000، وجدت لجنة ميلتزر التي تضم جمهوريين وديمقراطيين من أعضاء الكونغرس الأمريكي بأن البنك الدولي لم يكن قد دَقّق إلا خمسة بالمائة من برامجه في غضون ثلاث إلى عشر سنوات من توزيع أموال البنك على تلك المشاريع. هذه المشكلة لم تجد لها حلاً بعد، الأمر الذي أدى إلى توافق عام لدى المراقبين بوجوب الاستعانة بمدققين مستقلين فعلاً لا قولاً. وكما صرحت مؤخراً نانسي بيردسول، رئيسة مركز التنمية العالمية “في غياب تقييمات حقيقية تكون شديدة ومستقلة، وبالتالي تتمتع بمصداقية، فإننا لا نستطيع أن نعرف ما هي البرامج التي نجحت. بل إننا لا نستطيع حتى القول بقناعة بأن المساعدات الخارجية نفسها يمكن أن تكون فعالة.”
البنك الدولي يقيس النجاح بحجم المساعدات التي يقدمها بدلاً من قياس النتائج. أما الضغط الداخلي على البنك لتحقيق الإقراض فهو معروف لدى المقترضين. لذا تأخذ البلدان أموال المساعدات وتَعِد بتنفيذ المشاريع، ولكن ما دام أنها تحافظ على سداد ما يترتب على اقتراضها فإن البنك يستمر في إقراضها ويستطيع أن يتباهى بمردود عالٍ على إقراضه على الرغم من نوعية تلك المشاريع التي يمولها. إن هدف المقترض والمقرض سواء بسواء هو إبقاء أموال المساعدات متدفقة. وهكذا فإن البنك كثيراً ما يعطي قروضاً جديدة قبل فترة وجيزة من مواعيد استحقاق القديمة منها (وفي الحالات النادرة عندما تعجز بلدان عن التقيد بالتزاماتها تجاه البنك فإن الولايات المتحدة وغيرها من الأمم المانحة قد قدمت في بعض الأحيان قروضاً مباشرة لتجسير قروضها تجاه البنك والتي تستخدم بدورها لتسديد البنك الدولي، والذي بدوره يستأنف عملية الإقراض.)
وفي الحقيقة فإن المشاكل الكامنة في سياسة الاقراض لدى البنك الدولي تعكس المشاكل التي تُهلك المساعدات الخارجية بشكلٍ عام. فليس هنالك علاقة بين المساعدات والنمو، ولا بين المساعدات والإصلاح. فالنجاحات الاقتصادية حدثت في بلدان مثل الصين والهند اللذان لم يتلقا سوى القليل من المساعدات الخارجية. ومن الناحية الأخرى وعندما تذهب المساعدات إلى بلدانٍ تحافظ على سياسات اقتصادية سيئة فإن النتيجة هي الوقوع في الدين وليس التنمية! هذه هي بكل تأكيد حالة بلدان الصحراء الإفريقية، حيث أدت عقود من تقديم المساعدات السخية إلى الحكومات على إفقار إقليمها كما أدت إلى تراكم ديون ضخمة عليها والتي أصبحت في نظر البنك الدولي غير قابلة للسداد، وكانت استجابة البنك لذلك برنامج “إعفاء الديون” والذي بموجبه يجمع البنك أموالاً جديدة من أجل إعطاء مزيد من القروض إلى تلك البلدان الفقيرة والاستمرار في إقراضها!
بكل تأكيد، هنالك وسائل لمساعدة البلدان الفقيرة، بما في ذلك فتح أسواقنا أمام بضائعهم وعن طريق تبادل الآراء والتكنولوجيا معها. بيد أن توجهات البنك الدولي بالنسبة لدعم التنمية هي غير مناسبة على الإطلاق، وهي حقيقة سوف نتذكرها عندما يعتزل رئيس البنك الدولي الجديد منصبه!
© معهد كيتو، منبر الحرية، 31 تموز 2007.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018