الرياديون المغامرون هم أبطال العالم

peshwazarabic6 نوفمبر، 20100

معهد كيتو، 2006 – إنني أفكر في فقرة في الكتاب الذي ألفه لودفيغ فون ميزس بعنوان: “الفعل البشري،” والذي يقول فيها أن اقتصاد السوق ليس بحاجة إلى مدافعين أو مروجين. ويمكن إيجاد أفضل حجة لاقتصاد السوق في النقش الموجود على ضريح السير كريستوفر فرين، المهندس الذي قام ببناء كاتدرائية القديس بول، وتم دفنه فيها: “إذا كنت تبحث عن نصب تذكاري، أنظر حولك.” أنظروا إلى ما قام ببنائه. أنظروا إلى رؤيته. إنكم تقفون فيها في هذه اللحظة. وهذا، باعتقادي الشخصي، هو افضل دفاع يأمل اقتصاد السوق بالحصول عليه—أن ينظر الناس حولهم، ويتأملوا بالأشياء المدهشة والفرص التي منحها المغامرون من رجال الأعمال والشركات إلى العالم خلال المائتي سنة الماضية. أنظروا فقط إلى الصحة، والثروة، والتقنيات، والفرص، والطعام الموجود في أطباقكم. هل كان من الممكن أن يكون ذلك متاحاً لأي ملك أو ملكة قبل مائتي عام؟
والحقيقة المدهشة هي أن الرياديين، من رجال أعمال مغامرين ومستثمرين، حوّلوا وسائل الترف التي لا يستطيع حتى الملوك تحمل نفقاتها، إلى سلع يومية متدنية السعر توجد في متجركم المحلي. وهذا هو أفضل دفاع عن الرأسمالية.
في غضون فترة قصيرة جداً، مرّ العالم بتغيير جذري. وهذا بالضبط ما يدور حوله كتابي الأخير: “عندما خلق الإنسان العالم.” والأمر المشوق هو أن التاريخ أثبت لنا أن الحرية تنجح. إذ أنه خلال ألف عام من الحكم المَلَكي المطلق، والإقطاعية والعبودية، ازداد معدل دخل الفرد بنحو 50 في المائة. وفي خلال 180 عاماً منذ عام 1820، ازداد معدل دخل الفرد بنحو 1000 (ألف) في المائة. وخلال المائة سنة الماضية، خلقنا ثروة أكبر، وقللنا من الفقر، وزدنا متوسط العمر المتوقع اكثر من المائة ألف عام الماضية. وحدث ذلك لأن أشخاصاً مثلكم—رجال أعمال مغامرين، ومفكرين، ومبدعين، ومبتكرين—كان لديهم أفكار جديدة، وقطعوا مسافات جغرافية، والأهم من ذلك، مسافات ذهنية لابتكار أشياء جديدة، والذين كانوا على يقين من أن التقاليد القديمة، التي كان من الممكن أن تقف عائقاً أمام الابتكارات الجديدة، لم توقفهم لفترة طويلة.
لهذا السبب لدينا كل هذه الثروة. ولهذا السبب يملك إبني—الذي سيولد في شهر كانون الثاني—فرصة للوصول إلى سن التقاعد أكبر من الفرصة التي ملكها الأطفال في كافة العصور السابقة لدى احتفالهم بعيد ميلادهم لأول مرة.
إنتشار عالمي
خلال العقود القليلة الماضية من العولمة، عندما انتشرت الفرص الجديدة، والتقنيات، ووسائل الاتصال والإنتاج في شتى أرجاء العالم، شهدنا ظاهرة مدهشة: البلدان النامية تنمو بشكل أسرع من البلدان الأغنى على كوكبنا. لقد استغرقنا الأمر نحو 40 عاماً لمضاعفة معدل دخلنا في الدول المتقدمة. إنما يستغرق الأمر نحو 10 إلى 15 عاماً اليوم، بالنسبة للصين، والهند، وبنغلادش، وفييتنام للقيام بالأمر ذاته. بإمكان هذه البلدان استغلال الأفكار والتقنيات التي استغرقت منا عدة أجيال لتطويرها مباشرة. ولهذا السبب انخفض الفقر في العالم إلى النصف خلال العشرين عاماً الماضية.
في كل دقيقة أتحدث خلالها، يذهب نحو 13 طفلاً من العمل الشاق والعرق أثناء العمل في المزارع أو المصانع إلى المدارس من أجل التعليم، وللحصول على حياة أفضل فيما بعد، ولتعزيز فرصهم. وفي كل دقيقة أتحدث خلالها، يزداد معدل العمر المتوقع بنحو 15 ثانية بسبب الزيادة في الثروة والتقنيات الطبية الجديدة. كل ذلك يعتمد على المستثمرين ورجال الأعمال. إن الريادي هو مستكشف يتنقل بين مناطق غير محددة، ويفتتح طرقاً جديدة سوف نعبرها عما قريب.
لم يتولد أي شيء “من البداية.” ولا حتى الموارد الطبيعية هي طبيعية بأي معنى منطقي—وهو أمر أدركته العديد من الحكومات عندما قامت بتأميم مصادر النفط والغاز، حيث أخفقت في الإدراك بأننا نحتاج أيضاً إلى روح المغامرة—القدرة على رؤية طريقة استغلال مصدر ما، وكيفية الاستثمار فيه بطريقة إيجابية للتأكد من استخدامه بطريقة فعالة. لقد نمت دول الأوبك بنحو 4 في المائة سنوياً بسبب مواردها النفطية حتى عام 1973، عندما قامت معظمها بتأميم صناعاتها النفطية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت تلك الدول أفقر بنحو واحد في المائة سنوياً.
قبل خمسين عاماً مضت، فكر سائق شاحنة من كارولاينا الشمالية يدعى مالكوم مكلين أنه لا بد وان تكون هنالك طريقة اكثر كفاءة لنقل السلع والقطع إلى شتى أرجاء العالم. في ذلك الوقت، كان الأشخاص يقودون شاحناتهم إلى الميناء. وتنتظر الباخرة هناك لمدة أسبوع أو أكثر في انتظار أن تقوم القوى العاملة النقابية بتحميل كل قطعة من الشحنة على حدة وببطء وثبات على الباخرة. ويحدث العكس عند وجهة الباخرة. فكر مكلين قائلاً: “ماذا لو استخدمت صناديق بدون عجلات، ووضعت جميع السلع في الصناديق، وحملتها في الشاحنات، وقدت الشاحنات إلى الميناء ثم وضعت الصناديق المغلقة على الباخرة؟” وفي غضون ليلة واحدة، ابتكر مكلين طريقة النقل بالحاويات العصرية. فخفض بذلك تكلفة إرسال البضائع والقطع عبر المحيطات بنحو 97 في المائة. من المحتمل أن يكون لدينا نوع معين من الكمبيوتر، بقطع من جميع القارات الرئيسية على الكوكب، وجميع الملابس التي نلبسها، والطعام الموجود في أطباقنا، بسبب رجل واحد وأحلامه، وثقافة لم تحاول إعاقته، ولكنها بدلاً من ذلك شجعت أحلامه ورؤاه. وأصبحت البلدان النامية في شتى أرجاء العالم تستفيد من المواهب الموجودة لديها وعملها الشاق—لإنتاج ما تستطيع إنتاجه بأفضل حال، ووضعه في حاويات، وإرساله إلى أماكن أخرى.
لكن التقنية لا تكفي. إذ أننا نحتاج أيضاً إلى الحرية للخروج بتقنيات جديدة. وما لم تتنحى الحكومات عن الطريق، وتسمح للرياديين المغامرين إنجاز أعمالهم، فلن يحدث شيء من هذا القبيل.
نحن نعلم أنه توجد أماكن لا تستخدم فيها التقنيات المعاصرة بسبب التنظيمات، والفساد والتدخل الحكومي. إذا أرسلت حمولة شاحنة من الفاكهة من جنوب إفريقيا إلى زيمبابوي، فإنها ستكلفك وقتاً كثيراً، ودفع الرشاوى والرسوم إلى الحكومة، وضرائب أكثر مما يكلفك إرسال نفس الحمولة من الفاكهة من جنوب إفريقيا إلى الولايات المتحدة!
أبطالنـــــا

يوجد كتاب كلاسيكي ألّفه جوزيف كامبيل، وهو كتاب حول التاريخ الثقافي بعنوان: “البطل ذو ألف وجه،” ويروي سيرة الأبطال في الثقافات المختلفة. ولأن كامبيل طاف أرجاء العالم بقراءة الكتب من القارات الأخرى، أستطاع أن يدرك أن هنالك أبطالاً في جميع الثقافات، وفي جميع الكتب، وفي جميع العصور. نحن بحاجة إلى الأبطال، لأنهم يقولون شيئاً ما عن ماهية قيمنا، وما هو جيد، وما هو رائع، وما هو سيئ، وما الذي يجب أن نناضل من أجله، وما الذي يجب أن نحاول تجنبه. لقد رأى نمطاً مشتركاً. وفكر أنه في معظم الثقافات وفي معظم العصور، فإن الأعمال ذاتها هي التي ينظر إليها على أنها بطولية.
يحدث أمر عظيم، ويضطر بطلنا للذهاب في رحلة لمحاربة الأعداء رغم كل شيء، دون أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل، ومتى، وكيف. ولكن أثناء مسيرته، يكوّن أصدقاء يساعدونه في مسيرته هذه، ويمدونه بالمعرفة والإلهام للقيام بالأمر الصواب.
فكروا في هذه الرحلة البطولية مرة أخرى، وفكروا في الأشخاص الذين تكلمت عنهم للتو—أشخاص مثلكم، ومفكرين، ومبتكرين، ورجال أعمال. فما الذي يتيح شراء المعدات والسلع من الطرف الآخر من العالم؟ يواجه الرياديون التقاليد القديمة، والعوائق السياسية، والضرائب، والتنظيمات، ولكن لديهم أيضاً أصدقاء—أشخاص لديهم إمكانية الوصول إلى رأس المال، والمعرفة، وإلى أعمال تجارية أخرى.
وإذا كانوا محظوظين، فإن الرياديين ينجحون في مغامراتهم اليومية. وإذا لم يكونوا محظوظين، فإنهم يتعلمون أمراً جديداً، ويعملون على تحسينه في المرة المقبلة، ويجلبون إلى المجتمع شيئاً جديداً يغير حياة الأفراد إلى الأبد.
هذه هي الملحمة البطولية. إن الريادي المغامر هو بطل عالمنا. لسنا بحاجة في الحقيقة إلى شخصيات خيالية من الأفلام مثل فرودس [من فيلم سيد الخواتم]، أو لوك سكايوولكر [من فيلم حرب النجوم] أو “بافي” قاتلة مصاصي الدماء. لدينا أمثال مالكوم مكلين الحقيقيين في هذا العالم. ولكن كما تعرفون جميعكم، ليس هذا ما تعتقده الثقافة الشعبية إزاء الرأسماليين ورجال الأعمال المغامرين في وقتنا هذا. فإذا ذهبت لمشاهدة فيلم عادي من إنتاج هوليوود، فإن البطل هو شخص مختلف تماماً.
فالعاِلم والرأسمالي هما العدو في معظم أعمال هوليوود. إن هذا الأمر يشكل مفارقة إلى حد ما، لأنه لم يكن بإمكاننا أن نتملك تقنية إنتاج الأفلام لو لم يكن هنالك علماء، ولن تكون لدينا صناعة أفلام لو لم يكن هنالك رأسماليين. ولكن يتم تقديهم كأشرار. إذ إن بعض المناهضين للعولمة والمعارضين لمبدأ التجارة الحرة هم الآن مستشارون يتلقون أجراً جيداً وأعضاء في مجالس إدارة الشركات الكبيرة، يقولون لها إن ما تفعله هو في الواقع أمر سيء، وينبغي عليها القبول باتباع استراتيجيات “المسؤولية الاجتماعية.” ومن وجهة نظرهم، تعني المسؤولية الاجتماعية للشركات أن ما أنجزوه لغاية الآن لا يعتبر اجتماعياً. ولا يكفي ابتكار السلع، والخدمات، والتقنيات التي تزيد من طول العمر المتوقع، وتنقذ حياة أطفالنا! كلا، يجب عليهم أن يفعلوا شيئاً آخر. إذ بعد أن تتحقق الأرباح، ينبغي إعادة “شيء منها” إلى المجتمع. إعادة شيء منها إلى المجتمع؟ كما لو أن رجال الأعمال والرأسماليين سرقوا شيئاً يخص المجتمع وعليهم إعادته!
إن الأرباح ليست أمراً ينبغي علينا الاعتذار بشأنه. إنها دليل بأن الرأسمالي أعطى إلى المجتمع شيء عزيزاً أكثر من الثروة المادية التي أعطاها المجتمع إلى رجل الأعمال.
ويجب أن أؤكد أنه يجب ألا يكون رجال الأعمال شاكرين مطلقاً لمجتمع فرض عليهم تراخيص للعمل، والحلم، والابتكار والإبداع. وأعتقد شخصياً انه يجب علينا، وعلى المجتمع، أن نكون شاكرين للمغامرين ورجال الأعمال لما أنجزوه. فالرياديون المغامرون هم أبطال عالمنا—وهم رغم المخاطر، والعمل الشاق، والعدائية من جانب المجتمع، والشعور بالحسد من جانب الجيران وتنظيمات الدولة، يستمرون في الإبداع، والإنتاج والتجارة. وبدونهم لن يكون هناك أي شيء.
إن السحر حيّ
اعتقد ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني، أن العالم المعاصر شهد تفسيراً كان مسبباً لمشكلة كبيرة. أنه لم يعد هنالك سحر في العالم بوجود العلم الذي يفسر كل شيء—الحياة، والطبيعة والأمراض.
عذراً كبيراً!!! لا يوجد سحر؟ إن هذا لأمر سخيف. أنا جئت طائراً إلى هنا [الولايات المتحدة]. في عام 1901، سمعنا عبارة من معلّق يتمتع بالبصيرة قال إن ذلك مستحيل. لا يمكننا الطيران، ولن يكون بمقدورنا القيام بأمر كهذا لقرابة الخمسين عاماً المقبلة على الأقل. كان هذا المعلق ويلبر رايت، أحد الأخوين رايت اللذين بعد عامين فقط قاما بأول رحلة طيران، لأنه أراد الاستكشاف. لقد قام بهذه المجازفة وجعل كل شيء يحدث. إن هذا هو السحر بعينه.
يمتلك كمبيوتري قدرة على الحساب أكبر من القدرة التي كانت موجودة لدى معظم البلدان قبل 40 عاماً. وتتحول أفكاري إلى أرقام تتكون من العددين واحد وصفر يتم بثها عبر أنسجة ضوئية، وكوابل ضوئية من الزجاج، رفيعة بحجم الشعرة، وتصل إلى الطرف الآخر من العالم بعد ذلك خلال عُشرٍ من الثانية. وبكبسة على فأرة الكمبيوتر، بإمكاني أن أطلب إي نوع من المعرفة الموجودة في أي مكان من العالم.
وتوجد فوقنا أقمار صناعية توجه تحركنا. ويوجد تحتنا رجال آليون يستخرجون المعادن من الصخر. سافرنا إلى الفضاء الخارجي وقرأنا الشيفرة الوراثية الموجودة في أجسامنا. لقد تغلبنا على الجوع والمرض. لذا فإنني سأقول لكم: إننا نعيش في عالم مسحور، في عالم سحري، وهو اكثر سحراً رغم ذلك لأن المبدعين والمبتكرين جعلوه كذلك.
توجد رؤى. ويوجد ذكاء، وعبقرية، وعمل شاق في كل سلعة، وفي كل خدمة وفي كل تقنية نستخدمها كل يوم. ونحن بالكاد بدأنا. فلدينا عدد من العلماء أحياء اليوم أكبر من العدد الذي كان موجوداً في كل العصور السابقة مجتمعة.
إنني أتصور ما الذي يستطيع الأفراد الأحرار والمبدعون فعله بوجود الانجازات الجديدة في مجال التقنية متناهية الصغر، والتقنية الحيوية والرجال الآليين. إنني متأكد من أن ذلك سيدهش آباءنا السابقين. فلو أخذ الأشخاص الأمور مسلماً بها، فذلك لأن حياتنا اليومية أصبحت رائعة.
إرادة الحرية

أنتم تعرفون الحكمة القديمة القائلة: “من أشبع عطشه يدير ظهره للبئر.” حسناً، لهذا السبب نجتمع ونتشارك في وجبة الغذاء. ولهذا السبب نعمل، ولهذا السبب نناضل—لتذكير الناس بإرادة الحرية والفردية، ولضمان عدم جفاف هذه البئر، ولتذكيرهم بالأسباب التي من أجلها يعيشون فترة أطول، ولديهم حياة اكثر ثراء عن ذي قبل، في بلدان أكثر حرية عن ذي قبل.
من العادة في نهاية أية كلمة أن أقول شكراً، للإشارة بأنها انتهت. أفعل ذلك عندما أتحدث إلى مناهضي العولمة والماركسيين وغيرهم. ولكن في هذه المرة، إنني أعني ذلك حقاً. يجب أن أقول شكراً لأنكم خلقتم هذا العالم الرائع، وشكراً جزيلاً لدعمكم للأفكار التي جعلت ذلك ممكناً.
رسالة كيتو، شتاء 2007، المجلد 5، العدد 1.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 28 حزيران 2007.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018