علم الاقتصاد للمواطن: الجزء الثالث

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

ربما أهداك أحدهم عدداً من مجلة فريمان. هل هذا يعني أن قراءة هذا المقال هو بلا كلفة؟ الجواب هو كلا ثم كلا. فلو لم تكن تقرأ ذلك المقال فلربما كنت تشاهد التلفاز أو تتحدث إلى زوجتك أو تعد واجباتك البيتية. إن ثمن ما تفعل مهما كان، يقاس بما سوف تضحي بعدم عمله. فبينما أنت تقرأ هذا المقال الذي قد يكون ثمنه صفراً، فإنه بكل تأكيد ليس صفراً من حيث الكلفة.
ومن أجل دعم فكرة أن الثمن هو ليس القياس الكامل للكلفة، تصور أنك تعيش في سانت لويس. الحلاق الذي يقص شعرك يحاسبك بـ20 دولاراً ثمناً للحلاقة. ولنفترض أنني أبلغتك بأن هنالك حلاقاً في مدينة شارلستون في جنوب كارولاينا وأنه يحاسبك بخمس دولارات لقصة مماثلة، فهل تعتبر بأن الحلقة في شارلستون أرخص؟ فبينما كلفة الحلقة أقل فإن الكلفة العامة سوف تكون أكثر كثيراً من ذلك من حيث الوقت والسفر وغير ذلك من النفقات التي سوف تتكبدها إذا قررت الحلاقة في مدينة شارلستون.
الناس يفكرون وهم على خطأ من أمرهم بأن الكلفة هي الكلفة المادية فقط، بيد أن ما يتم التضحية به عندما يتم عمل اختيار معين يمكن أن يشمل الهواء النظيف، أو الراحة، أو الأخلاق، أو السكينة، أو الراحة البيتية، أو الأمن، أو أي قيمة أخرى. وعلى سبيل المثال، فإن الكلفة المتوقعة للسهر في الخارج مع الأولاد قد يعني التضحية براحة منزلية.
الكلفة تؤثر على خياراتنا في العديد من الطرق، ومن أجل المضي في هذا البحث فإننا سوف نفترض بأن جميع الكلف المتعلقة بأي خيار معين سوف يتحملها صاحب الاختيار.
إن أحد أهم الاستخلاصات العامة التي يمكننا التوصل إليها فيما يتعلق بالسلوك البشري هي أنه كلما ارتفعت كلفة أي اختيار معين كلما قل احتمال اختياره، وأنه كلما قلت كلفته كلما زادت الرغبة في اختياره. هذا التعميم هو جوهر قانون الطلب. ومن أجل التبسيط دعونا نفترض أسعار نفقات الخطوة بينما نحتفظ بكل شيء آخر قد يؤثر على الاختيار ثابتاً. ويمكن التعبير عن قانون الطلب بوسائل عدة… فكلما قل سعر الشيء كلما زاد الطلب عليه؛ والعكس هو الصحيح بالنسبة للسعر الأعلى، ونستطيع أن نقول أيضاً بأنه يوجد سعر من شأنه أن يحفز على الشراء من منتج ما. وأخيراً هنالك علاقة عكسية بين سعر بضاعة والكمية التي يطلب منها.لماذا يسلك الناس مثل هذا السلوك؟ الجواب هو بكلمة أو اثنتين أن الناس يحاولون أن يكونوا بأكبر قدر ممكن من السعادة. وعلى سبيل المثال إذا ما وعندما يرتفع سعر البترول فإن الناس بكل بساطة يتجاهلون الارتفاع بالسعر وسوف يتوفر لديهم مال أقل للصرف على أغراض أخرى وأن يكونوا أقل سعادة. فإذا ما اختاروا بدائل لسعر البترول الأعلى فسوف يتوفر لديهم مال أكثر مما يجعلهم أكثر سعادة. ولهذا السبب فإن ارتفاع أسعار البترول تعطي الناس الدافع لشراء أدوات عزل أكثر، وشراء نوافذ أفضل، وارتداء ملابس أكثر دفءً، وربما حتى الانتقال إلى بلد طقسه أكثر دفءً. هذه الخيارات وكثير غيرها هي بدائل تتيح لك استهلاك كمية بترول أقل.
وعندما يقول أناسٌ بأن كمية معينة من شيء ما هي ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها، فإن مثل هذا القول قد يعني أن قانون الطلب غير موجود وانه لا توجد هنالك بدائل. إن هذا القول غير صحيح—ولننظر إلى حالة شخص يعاني من مرض السكري. هل يستطيع الاستمرار في العيش دون أخذ 50 وحدة من الإنسولين يومياً؟ قانون الطلب يقول أنه عندما يكون السعر في حد معين ولنقل 1000 دولاراً للوحدة فإنه يستطيع الاستغناء عنه. فهنالك دائماً بديل واحد على الأقل لأي منتج: أن يستغني المرء عن ذلك الشيء كلياً. وفي حالة مريض السكري فإن هذا يعني الاستغناء عن الإنسولين. ومع أن الاستغناء عن الإنسولين له نتائج غير محمودة فإنه بديل ممكن عندما تصل وحدة الإنسولين إلى 1000 دولاراً. ربما تقول: “وليامز، هذا النوع من التحليل الاقتصادي ينطوي على القساوة!” ولكنه ليس أكثر قساوة من قانون الجاذبية الذي يتنبأ بأنه إذا قفزت من ناطحة سحاب فإنك سوف تموت. النتيجتان كلاهما غير مشوقتين، ولكن هذه هي الحقيقة. وفي الحقيقة، فإن ملايين من البشر على امتداد العالم مضطرون إلى تحمل النتيجة المأساوية الناتجة عن عدم أخذ الإنسولين.
هنالك تعقيد فيما يتعلق بقانون الطلب إذ يقول: كلما انخفض السعر كلما ابتاع الناس أكثر من ذلك المنتج، وكلما ارتفع السعر كلما قل الطلب. إن من الأهمية بمكان إدراك أن الأسعار النسبية هي التي تقرر الخيارات وليس الأسعار الكلية. فالسعر النسبي هو سعر يقيَّم من حيث قياسه بسعر آخر. وإليكم هذا المثل على ذلك؛ الحقيقة أن ما سأقوله هي حيلة أداعب بها تلاميذ السنة الجامعية الأولى. لنفترض بأن شركتك قد عرضت عليك مضاعفة راتبك إذا قبلت بنقلك إلى فيربانكس في ولاية آلاسكا. هل ستعتبر مثل هذا العرض صفقة جيدة وتقبل بالعرض؟ بعض الطلبة بدون تفكير أجابوا بنعم. ثم أسأل ماذا إذا وجدت عند وصولك أن الإيجارات هي ضعف ما تدفع حالياً من إيجارات، وأن أسعار الأكل والملبس والبترول وغير ذلك من الحاجيات هي ثلاثة إلى أربعة أضعاف الكلفة التي تدفعها حالياً. النتيجة هي أنه في الوقت الذي قد تضاعف فيه راتبك بشكل كلي، فإن راتبك إذا ما قيس بالأسعار الأخرى قد هبط.
ومثال آخر محيرٌ بشكل أكبر، هو أن الأسعار النسبية وليس الأسعار الكلية التي تؤثر على السلوك هي ناتجة عن ملاحظة أن الأزواج الذين لديهم أطفال، والذين لا يمكن أن يتركوا وحدهم، يتجهون إلى اختيار سهرات أكثر كلفة من الزوجين الذين ليس لديهما أطفال. إن دخل الزوجين وأذواقهما ليس لهما سوى تأثير قليل على قرارهما؛ إن ما يقرر اختيارهما هو الأسعار النسبية. فبالاحتفاظ بالأعداد الصغيرة، ولنقل سهرة عالية الكلفة، العشاء مع حضور حفل موسيقي، فإن السعر هو 50 دولاراً والسعر الأقل، أي الذهاب إلى السينما هو 20 دولاراً. إن اختيار العشاء والحفل الموسيقي بكلفة 50 دولاراً يتطلب من الزوجين بدون أطفال التضحية بفيلمين ونصف الفيلم بنفس الكلفة.
الزوجان اللذان لديهما أطفال يدفعون 10 دولارات لجليسة الأطفال، سواء ذهبوا إلى سهرتهم الغالية أو السهر الأقل كلفة. فإذا ما أخذنا في الحسبان كلفة جليسة الأطفال فإن كلفة العشاء والحفل الموسيقي سوف تكلفهما 60 دولاراً وحضور السينما 30 دولاراً. وفي اختيارهما للعشاء مع الحفل الموسيقي فإنهما ضحيا بفيلمين فقط. لذا فإن هذه السهرة هي نسبياً أرخص للزوجين مع الأطفال. وما دام أنها أرخص، فإننا نتوقع من الزوجين الذين لديهما أطفال اختيار السهرة الأكثر كلفة. لا يحتاج الأمر إلى تحليل اقتصادي للوصول إلى هذه النتيجة.
قد يقترح الزوج “عزيزتي، دعينا نستأجر جليسة أطفال ونذهب إلى السينما”، وتجيب الزوجة قائلة “هذا ليس اختياراً جيداً. ذلك أن علينا أن ندفع 10 دولارات لجليسة الأطفال سواء ذهبنا إلى السهرة الرخيصة أو إلى السهرة الغالية، لذا فلماذا لا نأخذ أقسى ما يقابل المال الذي سننفقه فنذهب إلى العشاء ونحضر الحفل الموسيقي؟”
إرتفاع أسعار القهوة
وإليكم مثلاً آخر عن الارتفاع النسبي للأسعار؟ لنفترض أن سعر رطل من القهوة اليوم هو دولار واحد، وأنك بالمعتاد تشتري رطلين كل أسبوع. ثم تسمع أنباءً بأن الصقيع في البرازيل قد دمر معظم محصول القهوة وأنه يُتوقع أن ترتفع أسعار القهوة قريباً. ماذا سوف تفعل في هذه الحالة ولماذا؟ إنني أخمن بأنك ربما تشتري الآن كميات أكبر، ولكن لماذا؟ الشخص العادي سوف يجيب بأنه يفعل ذلك من أجل توفير المال. هذه إجابة مقبولة، بيد أنها لا تغطي الحقيقة كلها. مرة أخرى فإن قانون الطلب هو الذي يفعل فعله. فإذا كان من المتوقع أن ترتفع أسعار القهوة في الأسبوع القادم فإن هذا يعني بأن أسعار القهوة لهذا الأسبوع قد هبطت نسبة إلى ما ستكون عليه في الأسبوع القادم، وقانون الطلب يقول بأنه عندما ينخفض سعر سلعة ما فلسوف يشتري الناس كميات أكبر. إن هذا القانون يعمل بشكل عكسي أيضاً. فإذا كان من المتوقع أن تنخفض الأسعار في الأسبوع القادم، فإنك سوف تشتري كمية أقل من القهوة هذا الأسبوع. لماذا؟ لأن أسعار القهوة تكون قد ارتفعت هذا الأسبوع بالنسبة لما سوف تكون عليه في الأسبوع القادم.
قد يخطر ببالك أن تعتبر هذا التحليل للقهوة بأنه تبسيط للأمور، بيد أن هذا المثل هو خلف المبدأ الأساسي الذي يكوّن تعقيدات الأسواق المستقبلية مثل سوق تبادل السلع في شيكاغو حيث يصبح الناس كمضاربين أغنياء حيناً وفقراء حيناً آخر وهم يتنبئون بأسعار السلع في المستقبل.
محاضرتنا التالية سوف تبحث عما يقوله قانون الطلب فيما يتعلق بالتمييز السعري وغير ذلك من الخيارات التي نتخذها.
هذا المقال بالتنسيق مع مجلة فريمان (كانون الأول 2005).
© معهد كيتو، منبر الحرية، 15 كانون الثاني 2007.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018