علم الاقتصاد للمواطن: الجزء الثاني

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

هنالك أربعة أطياف من السلوك التي تقع تحت اسم السلوك الاقتصادي: الإنتاج، الاستهلاك، التبادل، والتخصص.
الإنتاج هو أي سلوك من شأنه خلق منفعة، أي أنه يرفع من القدرة على تلبية الرغبات، لشيء من الأشياء. عندما يقوم مصنع حديد بصهره، فإنه يرفع قدرته على تلبية الطلب له، عن طريق تغيير شكله. إن قدرته على تلبية مطلب تزداد ارتفاعاً عندما تتحول إلى فولاذ، والفولاذ إلى قضبان وزوايا ربط وغيرها. الإنتاج يشمل أيضاً تغيير المعالم المساحية للبضاعة. إن برتقالاً نافلاً ليس له خصائص جذب لسكان فيلادلفيا إذا كان البرتقال في كاليفورنيا. الشخص الذي يُسمى في بعض الأوقات “الوسيط،” أو “بائع الجملة،” يغير المعالم المساحية للبرتقال عن طريق نقله من كاليفورنيا إلى فيلادلفيا، وبالتالي رفع قدرته على تلبية الرغبات إلى سكان فيلادلفيا.
الاستهلاك سهل. إنه ببساطة تخفيض النفع، قدرة تلبية الرغبة لشيء ما. عندما آكل همبرغر، فإنني أنقص قدرته على تلبية الرغبة. وعندما أسوق سيارتي، فإنني أقلل قدرتها على تلبية المطلب. وبالمناسبة، إذا كان الإنتاج أكبر من الاستهلاك، فإن النتيجة تسمى الادخار، وإذا كان الأمر عكس ذلك، فإننا نسميه عدم الادخار.
التبادل هو أكثر تعقيداً بقليل؛ وإذا أسيء فهمه، فقد يؤدي إلى كثير من الفوضى وسوء التصرف. جوهر التبادل هو نقل حقوق الملكية. هذا ما يحدث عندما أشتري جالوناً من الحليب من البقّال. أقول له إنني أملك حقوق ملكية على الدولارات الثلاث التي بحوزتي، وهو يملك حقوق التملك لجالون الحليب. ومن ثم أقول له “إذا نقلت حقك في ملكية هذا الجالون من الحليب، فإنني سوف أنقل حقوق ملكيتي في تلك الدولارات الثلاث.”
كلما وقع تبادل طوعي، فإن الإستنتاج الواضح الوحيد الذي يمكن أن يتوصل إليه المراقب هو أن الفريقين في رأيهما—وليس في رأيك أو رأي أي إنسان آخر—هو أنهما كانا على قناعة بأن وضع كل منهما قد أصبح أفضل نتيجة التبادل، وإلا لما أقدما على التبادل. كنت حراً في الاحتفاظ بدولاراتي الثلاث، وكان البقّال حراً في الاحتفاظ بحليبه.
إذا كنت تفكر بأن من الواضح بأن الفريقين قد استفادا من التبادل الطوعي، فلماذا إذاً نسمع كلاماً عن استغلال العمال؟ لنقل بأنك تعرض عليَّ أجراً مقداره دولارين في الساعة. أنا حر بأن أقبل أو أرفض عرضك. لذا فماذا يمكن أن نستخلص إذا ما شاهدتني أعمل لك مقابل أجر الدولارين في الساعة؟
إحدى الاستخلاصات الواضحة هي أنني لا بد وأن أكون قد توقعت الاستفادة من عرضك بدلاً من قبول أي عرض يليه. لا بد أن أكون قد اقتنعت بأن جميع البدائل الأخرى كانت أقل فائدة لي، وإلا لما قبلت بعرض الدولارين في الساعة. هل هو مناسب القول بأنك قد استغلّيتني عندما قدّمتَ لي أحسن العروض؟ وبدلاً من استخدام كلمة استغلال، كان أنسب لو قلت بأنك تتمنى لو كان هنالك بدائل أفضل.
وبينما قد يصف الناس عرض دولارين في الساعة كاستغلال، فإنهم لن يقولوا الشيء ذاته إذا كان العرض 50 دولاراً في الساعة. لذا، وفي معظم الأحوال، عندما يستخدم الناس عبارة استغلال، بالإشارة إلى التبادل الطوعي، فإنهم في الحقيقة يعربون عن عدم رضاهم عن السعر. إذا ساوينا بين عدم الرضا عن السعر وبين الاستغلال، فإن الاستغلال في هذه الحالة منتشر. على سبيل المثال، فإنني لست غير راضٍ فقط عن راتبي، بل إنني، كذلك، غير راضٍ عن سعر طائرة الجلف ستريم النفاثة الخاصة.
إنني لا أدعو بأي حال من الأحوال بأن يفرغ المرء مفرداته اللغوية عن تعبير “استغلال.” إنه لفظ قيّمٌ لخداع الآخرين، ولكن وفي غضون ذلك، يجب أن لا يستخدم لخداع النفس. إنني أُذكّرُ نفسي باتهامات الاستغلال التي كانت توجهها لي زوجتي في مطلع زواجنا منذ 45 عاماً. كانت تقول: “وولتر، إنك تستغلني!”. وكنت أجيبها قائلاً: “عزيزتي، إنني أستغلك بكل تأكيد. ولو لم يكن لي استفادة منك لما تزوجتك في المقام الأول.” كم هم الناس الذين يتزوجون من شخص لا يجدون فيه أي نفع؟ وفي الحقيقة، فإن مشكلة القلوب المنعزلة بيننا هي أنها لا تجد أناساً تستخدمهم.
التخصص يحدث عندما ينتج الناس من بضاعة أكثر مما يستطيعون استهلاكها، أو يفكرون في استهلاكها. والتخصص يمكن أن يتم على أسس الفرد أو الإقليم أو الوطن. هاكم أمثلة على كل منها: عمال صناعة السيارات في ديترويت ينتجون من أجهزة الكرانك شافت (العامود المرفقي) أكثر مما يستهلكون أو يعتزموا الاستهلاك منها؛ مزارعو حمضيات كاليفورنيا ينتجون من برتقال نافل أكثر مما يستهلكون أو يعتزمون الاستهلاك منه؛ ومزارعو القهوة في البرازيل ينتجون من القهوة أكثر مما يستهلكون أو يعتزمون الاستهلاك منها.
وهنالك شرطان للتخصص: يجب أن تتوفر معطيات موارد غير متكافئة، وفرص التجارة. معطيات الموارد غير المتكافئة تعني أن الفرد يملك المهارة، أو أن الإقليم، أو الأمة، يملك الأرض والعمالة ورأس المال وقوة المبادرة، بحيث أنه يستطيع هو، أو هي، إنتاج أشياء معينة برخص أكثر من كلفة شخص آخر، أو منطقة أو أمة.
على سبيل المثال، ومع أنه بالإمكان زراعة الحنطة والقمح في اليابان، فإن ذلك سوف يكون غالي الثمن. لماذا؟ ذلك لأن زراعات مثل الحنطة والقمح تستخدم أراضٍ واسعة. واليابان بلد فقير نسبياً بالأراضي. هذا يعني أن الأراضي اليابانية غالية نسبياً. وعلى النقيض من ذلك فإن الولايات المتحدة غنية بالأراضي، لذا فإنها تستطيع إنتاج القمح بكلفة أقل نسبياً. ومن هنا يتبين أن من الفطنة وحسن الاختيار أن تعمد الولايات المتحدة إلى استغلال ما تستطيع أن تفعله بكلفة أقل—أي التخصص في إنتاج الحبوب—بينما يتعين على اليابان أن تتخصص فيما يمكن أن تنتجه بكلفة أقل—ولنقل، عدسات الكاميرا.
وحتى يمكن للتخصص أن يتم، يجب توفر فرص التجارة. فليس من الممكن أو المفيد للمزارعين الأمريكيين إنتاج حبوب أكثر مما يستطيعون استهلاكها أو يخططون لاستهلاكها إذا لم يكن باستطاعتهم الاتجار بذلك الفائض. كما أنه ليس من حسن الاختيار في شيء للمنتجين اليابانيين إنتاج عدسات كاميرات بكميات أكبر مما يستطيعون استهلاكها أو يخططون لاستهلاكها إذا لم يستطيعوا الاتجار بذلك الفائض.
ولننظر ماذا يحدث إذا ما فرضت الحكومة اليابانية قيوداً على استيراد القمح الأمريكي. المزارعون اليابانيون يستطيعون عندها فرض أسعار احتكارية واستيفاء مداخيل أعلى، بينما يدفع المستهلكون اليابانيون أسعاراً أعلى. فهل تعتبره استجابة ذكية أن تقدم حكومة الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات مضادة ضد اليابان عن طريق فرض قيود على استيراد عدسات الكاميرات اليابانية، بحيث تسمح لمنتجي تلك العدسات الأمريكيين بفرض أسعار احتكارية أعلى وفي الوقت ذاته أن يدفع المستهلكون الأمريكيون أسعاراً أعلى؟ أو لنضع الأمر بشكل آخر، هل من الحكمة أو الفطنة لحكومة الولايات المتحدة أن تلحق الضرر بالمستهلكين الأمريكيين بسبب أن اليابان قد ألحقت الضرر بمستهلكيها؟
جعل الناس معتمدين على بعضهم بعضاً
إن التخصص والتجارة يجعلان الناس معتمدين على بعضهم بعضاً لتلبية حاجاتهم ورغباتهم اليومية. كم هو عدد من ينتجون نظارات عيونهم أو ينتجون سياراتهم أو يبنون منازلهم أو يخيطون ملابسهم أو ينتجون أكلهم؟ إننا نستطيع الحصول على كل هذه البضائع والرغبات عن طريق التخصص فيما نستطيع التميز به والاتجار مع الآخرين فيما يتميز بإنتاجه وصنعه الآخرون. فمن خلال التخصص والتجارة يمكن أن نسمي ما يجري “الاستعانة بمصادر خارجية،” ذلك أننا سوف نتمتع بتلك المنتجات كما لو أننا قد أنتجناها بأنفسنا. وفي الحقيقة فإن التخصص هو الوسيلة البديلة للإنتاج. وبهذه المناسبة أود أن أذكر بأن كل من يطالب بالاستقلالية، سواء كان فرداً أو إقليماً أو وطناً، من شأنه أن يجعلنا أكثر فقراً. ولا يهم ماذا كان يطلبونه تحت شعار الاستقلالية: الاستقلالية في الطاقة، أو الاستقلالية في صنع الملابس، أو الاستقلالية في إنتاج القهوة.
ودعونا الآن ننظر إلى عدد قليل من البيانات المضللة فيما يتعلق بالتجارة الدولية. الولايات المتحدة تتاجر مع اليابان. هل يعتقد أي إنسان بأن الذي يتاجر هو الكونغرس الأمريكي مع أقرانه في البرلمان الياباني؟ إن من يتاجر هم الأفراد الأمريكيون مع الأفراد اليابانيين من خلال الوسطاء. وماذا عن “التجارة العادلة”؟ إذا اشتريت عدسات كاميرا من صناعة اليابان طوعاً ووفق شروط متفق عليها من الجانبين فإنك على الأغلب سوف تكون مقتنعاً بأنها كانت صفقة عادلة، وإلا لاحتفظت بمالك في جيبك. ربما يصف منتج عدسات كاميرا أمريكي تلك الصفقة بأنها “غير عادلة” لأنه لم يستطع أن يبيعك عدساته بسعر أعلى. النظرية الاقتصادية لا تستطيع الإجابة على أسئلة تقييمية مثل ما إذا كان من الأعدل لو دفعت ثمناً أعلى؛ إنها تستطيع أن تقول فقط بأن السعر الأعلى سوف يؤدي إلى إنقاص ما تملك من دولارات يمكن صرفها على أغراض أخرى.
البحث القادم في هذه السلسلة سوف يركز على أحد أهم النظريات الاقتصادية: الكلفة.
هذا المقال بالتنسيق مع مجلة فريمان (أيلول 2005).
© معهد كيتو، منبر الحرية، 2 كانون الثاني 2007.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018