نظرية الحكم الجديدة للإخوان.. توزيع السلطة داخل الجماعة في مواجهة مدنية الدولة

عزمي عاشور28 أكتوبر، 20121
ثمانين سنة منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين، وهي في صراع ليس فقط مع ثقافة المجتمع وإنما مع السلطة السياسية الحاكمة، وقد مرت عقود من حظر تنظيمهم في ظل وجود حاكم ديكتاتور قوي من عبد الناصر مرورا بالسادات وحتى الرئيس السابق مبارك ولم يتخلوا عن أيدلوجيتهم.....

ثمانين سنة منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين، وهي في صراع ليس فقط مع  ثقافة المجتمع وإنما مع السلطة السياسية الحاكمة،  بدأ ذلك بالفترة الليبرالية في النصف الأول من القرن الماضي والذي شهد تعددية سياسية وفكرية  كان الإخوان موجودون فيها  وفق رؤيتهم الفكرية والدينية، وليس وفق منطق هذه التعددية  التي كان يتناوب فيها الحكم حزب الأغلبية المعارض ممثلا في الوفد مع أحزاب أخرى  لأنهم كانوا يطبقون نظرية مرشدهم التي تقول أن ليس هناك تحزب في الإسلام، ولذلك فالحياة السياسية بتعدديتها  تعتبر خارج فكرهم. وحتى عندما اشتركوا بعد ثورة يوليو في وضع دستور 54 كشأن أي قوة سياسية أخرى كان هناك  في الخفاء مخططهم الذي يسعون إليه والمتفق مع  منطق كرههم للتحزب، ولولا  الصدام الذي حدث بينهم وبين الرئيس جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي بعد مؤامرة اغتياله وانقلابه عليهم بتفكيك تنظيمهم  وسجن قيادتهم لاكتملت الصورة التي كانوا يحاولوا أن يرسمونها للمجتمع المصري.

    وقد مرت عقود من حظر تنظيمهم  في ظل وجود حاكم ديكتاتور قوي من عبد الناصر مرورا بالسادات وحتى الرئيس السابق مبارك ولم يتخلوا عن أيدلوجيتهم، وباتوا باستغلالهم الدين في ظل الاستبداد السياسي الذي كان كفيلا بألا ينشر العدل بين فئات المجتمع مما جعل طاقة المجتمع تتوجه صوب الرأسمال الديني الذي يمسك بجزء من زمامه الإخوان  وما تفرع عنها بعد ذلك من جماعات إسلامية أخذت شكل العنف في مواجهة النظام الحاكم والمجتمع ..

 وعلى الرغم من أن عصر مبارك قد شهد ظهور الإخوان داخل البرلمان في دورات 84 و87 و2000 و2005 بشكل ملحوظ ، حيث دخلوه ليس بكونهم حزبا سياسيا وإنما بشكل مستقلين ، إلا أن تفاعلات السنة الماضية من عمر الثورة المصرية والتي حدثت فيها تحولات كثيرة من سقوط النظام السابق وبروز قوى سياسية جديدة   بما فيها ظهور حزب ممثل لإخوان باسم الحرية والعدالة  طرحت تساؤلات كثيرة من بينها، هل هذا حزب حقيقي ام ديكور  في الحياة السياسية يجاروا به الواقع بما فيه  القوى السياسية  والمديرين للمرحلة الانتقالية ممثلين في المجلس العسكري ليتمكنوا من أن يهيمنوا بمنطق أدوات النظام السابق من خلال حزب مهيمن على السلطات الثلاث  جاء عن طريق الانتخابات .

 فالانتخابات البرلمانية إذا  كانت قد جاءت بأغلبية برلمانية  اخوانية ربما ظهر ذلك بكونه أمر عادى ناتج عن الانتخابات، وربما نظر إليه البعض في كونه ظاهرة صحية لتمثيل الإسلاميين نتيجة وجودهم المنظم . إلا أن واقعة تشكيل  لجنة الدستور  بالشكل الذي اظهر إصرار الجماعة على أن تكون قواعد  كتابة الدستور بيدها، ثم المفاجأة بترشيح  مرشح لهم في آخر لحظة للرئاسة  في شكل يخالف كل وعودهم على مدار العام الماضي من قبل قيادات الجماعة بأنهم لن يرشحوا احدا للرئاسة أظهرت قدرا كبير من الأجندة الخفية التي طالما ظلت يعمل بها الإخوان في الخفاء منذ نشأتها والمتمثلة في فرض نظرية الحكم الخاصة بها في حالة التمكين  .. فالطريق هنا بات مفتوحا للإخوان للسيطرة على السلطات الثلاث، البرلمان  بمجلسيه والحكومة والرئاسة  دون أي اعتبار من بعيد أو قريب لقوى أخرى موجود في المجتمع، وهو ما أخذ يزيد من المخاوف لدى النخبة والرأي العام  الذي بدأ ينتفض من هذا الانحراف في تصرفات الإخوان والتي لم تكن غريبة عنها على مدار الثمانين سنة الماضية… والأمر الذي يجعل الاعتقاد  بان الأدوات الديمقراطية التي أوصلتهم إلى هذا الوضع ما هي إلا وسيلة  استخدموها دون أن يحيدوا عن نظريتهم في الحكم والتي كانوا يؤمنون بها في السابق في عهد مرشدهم الأول حسن البنا  والتي تحرّم التحزب والأحزاب.

ومن هنا يأتي التساؤل الثاني عن ما هو شكل توزيع السلطة في  نظرية الإخوان للحكم  والتي بدأت تتبلور في  العام المنقضي من الثورة… حيث إننا هنا إزاء سلطة رباعية  الأبعاد، هرمية التدرج مبنية على السمع والطاعة وليست سلطة ثلاثية يحدث بينها توازن سلطات… فالإخوان في نهجهم للسلطة الرباعية الأبعاد  يدشنون سلطة جديدة في الحكم تعلو على سلطة رئيس الجمهورية ممثلة بالمرشد  ومكتب الإرشاد ومجلس شورى الجماعة الذي اتضح في الكثير من التفاعلات أن لها الكلمة العليا في الكثير من القضايا  التي من المفروض أنها ليست من اختصاصها، مثل تحديد الأعضاء المائة لوضع الدستور ليختارها الأعضاء المنتخبين بعد ذلك  بشكل فيه  إلغاء لإرادة هؤلاء بمجرد كونهم ينتمون لحزب الجماعة  ثم تأتي بعد ذلك  سلطة الرئيس  فالبرلمان في الحكومة  .

 فالمرشد بمكتب الإرشاد هو الذي سوف يقرر، و الرئيس الذي سوف يكون منتخب من الشعب هو الذي ينفذ ويكون مهيمن  بمساعدة الحكومة،  ثم البرلمان  يشرّع ويوافق على ما يأتي به الرئيس والحكومة  دون أن يكون هناك مساس أو محاسبة للمرشد بمكتب الجماعة.. والسؤال ماذا عن باقي الأحزاب والقوى السياسية الأخرى؟، هنا سوف تأتي الإجابة الشافية والمانعة من وجهة نظرهم  أننا امة إسلامية واحدة وليس فينا احد يخالف رأي الأمة أو الجماعة  .. ومن هنا نكون بصدد تأسيس ديكتاتورية حكم الجماعة باسم  الدين وعودة الخلافة الإسلامية  التي بات مع وجود مسلمين في كل بقاع الأرض غير محددة المكان ومستحيلة التنفيذ.. وسوف يكون الطريق أكثر  سهولة من النظام السابق في تدشين هذه الحالة من الاستبداد غير البعيدة عن عقلية هذه المجتمعات التي يسهل السيطرة والتحكم في عقليتها نتيجة  ليس فقط للظروف المجتمعية السيئة من الفقر والأمية وإنما للضعف الشديد تجاه كل ما يرتبط بالدين أو  بالأساطير والغيبيات … فما هو واضح أن الإخوان وفقا لنظريتهم يوزعون الحكم والمناصب والسلطات داخل كادر الإخوان بشكل لا يتقيد بنظم الحكم الحديثة إلا في الشكل فقط أما جوهره لا يعكس غير أيدلوجيتهم التي تتعارض مع مدنية الدولة الحديثة من المؤسساتية وإعلاء قيمة القانون من المساواة في الحقوق أمام أبناء الوطن الواحد. ومن هنا فالنظرية الجديدة للحكم الاخواني  ربما سوف تكون فريدة في نوعها  لكونها تحملا تميزا وعنصرية ليس ضد أصحاب المذاهب الدينية الأخرى وإنما ضد المنتمين لنفس الدين الإسلامي..

ولكن السؤال هل يسهل تطبيقها في هذا العصر الذي اسقط فيها الشباب نظام ديكتاتوري امتد لعقود؟، فإذا كان هناك سلطة في التحكم  في عقول الأغلبية  إلا أن الأجيال الجديدة أيضا ليست كما كان في الماضي لديها رؤية وحرية في الاختيار ولديها طرقها المختلفة  لمعرفة الحقيقة … فالإخوان غاب عنهم  وفقا لتصورهم أن المجتمع لن يرحمهم بمخططهم  وان الحكم في عصر لم تعد تخفى فيه الحقائق وازدادت  فيه تطلعات الناس، لن تسكت عن هفوة نظام الحكم الذي بات يدشنه الإخوان.. فالناس لن يأكلوا شعارات ومظاهر خادعة بقدر ما يريدون أن يحيوا عيشة كريمة… أسئلة كثيرة سوف تجيب عنها تفاعلات الواقع في مصر بكل حالات الزخم وصراعات القوى التي برهنت على أن كل فريق بات يعطى أولوية لوجوده ومصالحه حتى لو كانت على حساب الوطن .

منبر الحرية،28أكتوبر/تشرين الاول2012

إقرأ أيضاً

One comment

  • عبدالمنعم

    21 نوفمبر، 2012 at 4:45 ص

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أخي العزيز يبدو من بداية كلامك أنك لاتعرف عن الإخوان إلا ماتسمعه عنهم وأنك في الحقيقة على مايبدو لم تقرأ كتب الرجل الذي استشهدت به وهو الإمام حسن البنا وهنا أريد من حضرتك بداية أن تذكر لي في أي كتاب كتب فيه حسن البنا عن حرمانية الأحزاب وفي فكر الإخوان على عكس ماذكرت فالإخوان يرون منذ القدم أن التعدد السياسي مطلوب أما عن بعض الشبهات التي أثرتها فهي تحتاج إلى ساعات من الرد كلانا في غنى عنه حاليا أيضا يظهر من كلامك أخي العزيز أنك لم تقرأ لائحة الإخوان ولا تعرف مؤسساتهم الداخلية وفي نهاية ردي أدعو حضرتك انك تقرأ أولا من كتب الإخوان (لكي تنتقضنا انتقاضا موضوعيا ) ثم أنتظر الرد من حضرتك
    وفقنا الله وإياكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018