محددات الحداثة الغربية ومعايير بنيانها الفكري

نبيل علي صالح19 مارس، 20120
هل مطلوب دائماً أخذ الدروس والعبر والاقتداء والتأسي بتجربة التنوير والحداثة الغربية من حيث الإجمال العام والملامسة الخارجية الشكلية، من دون الدخول في طبيعة البنية الذاتية المفاهيمية والمناخ الفكري الموضوعي الذي ساهم في إيجادها وإفرازها؟ أم أن المطلوب الاندماج في التفاصيل والاستغراق الكامل في عمق تجربة الحداثة الأوروبية بما فيها من أفكار وقيم وتجارب.....

هل مطلوب دائماً أخذ الدروس والعبر والاقتداء والتأسي بتجربة التنوير والحداثة الغربية من حيث الإجمال العام والملامسة الخارجية الشكلية، من دون الدخول في طبيعة البنية الذاتية المفاهيمية والمناخ الفكري الموضوعي الذي ساهم في إيجادها وإفرازها؟

أم أن المطلوب الاندماج في التفاصيل والاستغراق الكامل –وليس فقط الاستفادة- في عمق تجربة الحداثة الأوروبية بما فيها من أفكار وقيم وتجارب، ووعيها ذاتياً وموضوعياً؟! ..

ثم هل تتناسب معايير ومحددات حداثة الغرب مع طبيعة المناخات والأجواء المجتمعية والقيم والأنماط الثقافية والمفاهيمية. العاصفة السائدة في بلادنا العربية حتى الآن، مع ما هو موجود في معطيات ومفاهيم تلك الحداثة من بنى معرفية وفلسفية قد تتناقض في العمق مع طبيعة الأفكار والبنى المعرفية الدينية التي لا تزال مسيطرة على عقول الناس وتشكل بنية صلبة راسخة في تربة مجتمعاتنا العربية؟

ثم ما هي معايير هذه الحداثة التي نجحت نجاحاً مذهلاً في نقل المجتمعات الغربية والإنسانية عموماً من واقع الجهل المركب والاستبداد الأرعن إلى واقع العلم والحريات والتطور؟

..من المعروف أن الحداثة -ومختلف الاتجاهات التنويرية في العالم الغربي- ظهرت إلى الوجود في داخل سياق ومناخ ثقافي وتاريخي مؤطر ومحدد بسياق تجربة غربية شبه خاصة على صعيد المواجهة العنيفة التي حصلت بين الفكر والمعرفة التقليدية النمطية السائدة وبين ثورة العقل البشري، كما كان من أهم وأبرز تجليات وتمظهرات ذلك المناخ العملية هو وجود علاقة قوية وشبه عضوية بين الواقع المتغير وبين النص الثابت الجامد الخاص باللاهوت الديني المسيحي، وكأنهما حالة متلازمة على مستوى الفكر الديني والفلسفي.. وهكذا استمرت تلك العلاقة المتوترة والعنيفة التي امتلك “اكليروس الكنيسة” فيها –منذ البداية- مواقع قوية لرفضها ومحاولة إسقاطها في مهدها.. وقد كان من الطبيعي أن تكون الكفة مائلة لصالح هذا “الاكليروس” حيث كان الإقطاع الديني المسيحي في أوروبا يحظى بكثير من الإمكانيات المادية ومواقع القوة المعنوية، نذكر منها:

التمتع بوجود وهيمنة النصوص المقدسة على شعور وسلوكيات وممارسات الناس في طبيعة تفكيرهم وقناعاتهم وأكلهم وشربهم وملبسهم ومعيشتهم ومجمل تصرفاتهم.

وجود مواقع اقتصادية قوية مؤثرة في الحياة الاقتصادية والمعيشية للناس مما كان يستتبع ولاءً شبه مطلق منهم للعقيدة والدين.

وجود تأييد شعبي كبير للاكليروس والعقيدة الدينية نتجت عن تغييب عقول البشر الذين كانوا غارقين في ظلام العصور الوسطى.

وجود دعم لا محدود من قبل السلطات الزمنية الحاكمة التي كان لا يهمها من الدين كله سوى طابع الشرعية و”تاج الملوكية المذهب!” الذي كان يضعه البابا أو زعيم الاكليروس الديني على رأس القادة الزمنيين.

وهكذا بقيت واستمرت تلك المواجهات والصراعات (بين الناس والعلماء) لقرون عديدة، كلفت المجتمعات الغربية عشرات الآلاف من الضحايا والأبرياء الذين سقطوا على طريق العقل والتفكير والعلم.. حتى تمكنت أفكار الحداثة والتنوير المستندة إلى العقل والتفكير البشري وحده من أخذ موضعها في بنية التفكير والحضارة الغربية، ومن أن تثبت وجودها وتفعل فعلها على صعيد تطورات العلم والمعرفة العلمية والتقنية ومجمل الاختراعات والاكتشافات في كل مجالات الحياة البشرية، لتعلن عملياً عن انتصارها الحاسم على خطرين داهمين كانا دائمين ومؤثرين بصورة سلبية على تطور وسيرورة الحداثة الغربية، هما:

خطر وعبء أفكار الدين الخرافية ومعارف الكنيسة القروسطية الرثة والبالية التي كانت تتلاعب بالمعطى الديني باعتباره رسالة محبة ووئام وسلام داخلي، وتدخلهم في مواجهات خاسرة مع العلم والعقل والتفكير والبحث والتطور…

خطر النظم السلطويّة المرتبطة والمتصلة عضوياً بدعم الكنيسة.. أي خطر الاستبداد السياسي، وتوظيف واستغلال الدّين ومفاهيم الدين في مضمار السياسة.

وقد أضحت أوروبا والغرب عموماً –بعد سيادة قيم العلمنة والعلم والعقل، وإجراء فصل نهائي بين الجانب العقائدي الديني والجانب الحياتي الدنيوي العملي- نموذجاً لسيادة قيم الحداثة العلمية والتنوير الفكري والمجتمعي التي أفرزت واقعاً حضارياً مدنياً جديداً، قاعدته العلم والعقل ونسبية الأخلاق والقيم، وتعميم ثقافة الحوار والتسامح والمشتركات الإنسانية، ، وقمته التطور والازدهار وسعادة الإنسان..

وإذا كان الغرب قد بنى نهضته الحديثة على العقل والعلم، وانطلق من خلال الطبقة الليبرالية التي تكونت خلال مخاضات عسيرة، لتبني وتحمل قيم مشروعها الليبرالي القائمة على الحريات العامة وحرية التعبير والحريات الاقتصادية وغيرها.. فأين العرب والمسلمون من ذلك كله خاصة بعد أن أضحى مشروع الحداثة الغربية -الذي جاء من خلال عصر الأنوار في القرن الثامن عشر- مشروعاً عالمياً كونياً بقيم كونية مشتركة؟ هل استفادوا عملياً من قيم تلك النهضة التي شملت جميع مواقع الحياة، وقدمت مكتسبات حية ساهمت في تطور الناس وتعزيز قدرة الإنسان على العيش بنجاح وقوة وسعادة في الحياة؟ وهل تمكنوا من بناء مجتمعات إنسانية متطورة ومزدهرة في بلدانهم؟ وما هو موقع وموضع الإنسان والعقل الإنساني فيها؟

أسئلة صعبة لا تزال تبحث عن إجابات عملية واضحة ومحددة يمكن تمثلها في بيئة مجتمعاتنا العربية.. وبعض تلك الإجابات يعتبر قائلوها ومنتجوها –من المفكرين وأصحاب مشاريع النهوض العربية- أن العرب غير قادرين على اللحاق بركب الحضارة والتقدم والعلم والتطور والازدهار الحقيقي ما دامت عقلية النص المقدس مسيطرة على الناس والمجتمعات، وبالتالي لابد من تركيز النقد وتطوير العقل الاجتهادي للنصوص والأفكار الدينية والتاريخية..

وبعض تلك الإجابات تحاول تقديم رؤية توافقية لتكييف ثقافتنا التاريخية الدينية مع الحياة المعاصرة كنوع من الموءامة بين العصر والتراث، بين الدين والحداثة، بين الماضي والحاضر..

وبعضها الآخر المنطلق من خلفية عقائدية دينية يعتبر أن لا خلاص للعرب والمسلمين، ولا حل لمشاكلهم إلا بالعودة إلى أحضان الماضي التليد..

وبعضها الآخر المنطلق من خلفية عقائدية علمانية صلبة (وربما علمانية أصولية مستبدة باعتبار أن الأصولية مصطلح لا يقتصر فقط على السلفيين المتدينين) يعتبر أن الحل واضح وصريح وهو يتجسد عملياً في إلغاء كامل للتاريخ والتراث وحذفه نهائياً من الوجود.. مع عدم إمكانية ذلك على الإطلاق..

وهكذا تتعدد الإجابات لتصبح هي بذاتها عبئاً ونوعاَ من الإجابات الإشكالية المأزومة… ولكن الواضح هنا أن هناك مجموعة قضايا فكرية وسياسية لا تزال تحول دون وجود استثمار واستفادة حقيقية من مشروع الحداثة الكونية الغربية، خاصة لجهة الفشل في نقل مثل هذا النموذج إلى باقي التجارب الحضارية المجاورة لأوروبا حتى الآن إلا من خلال جانبه المادي فقط.. باعتبار أن مشروع النقل فاشل لابد له من مقدمات وشروط ثقافية وفكرية وتهيئة نفسية غير موجودة كلها أبداً..

طبعاً لا بد لنا هنا –استطراداً في الفكرة السابقة- من التوقف قليلاً عند ظاهرة ملفتة للنظر تخص هذه النقطة، وهي مسألة إمكانية بناء وتهيئة شروط ومناخات نمو وتطور –وليس نقل- الحداثة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهذه الظاهرة هي وجود تفكير وقناعة سلبية زائفة مفادها أن الحداثة هي حداثة الشكل والمظهر، وأن شيوع مظاهر الحداثة الشكلية من أساليب وطراز العمارة الأجنبية، وبناء شبكات طرق حديثة، والتسابق لبناء أبراج عالية سامقة، وتشييد المباني والكتل الإسمنتية والحديدة العملاقة، وإقامة المجمعات والمولات التجارية الاستهلاكية، و بناء الجزر الاصطناعية الضخمة في البحار لاستقطاب ساكنين وقاطنين جدد، وإدخال ألفاظ انكليزية إلى خانة التداول الاجتماعي بين الناس، وو.. غيره كثير.. هي نوع من الحداثة الحقيقية، وهو ما يكفينا.. مع ضرورة الإبقاء على ما لدينا من قيم وتقاليد وعادات وأنساق حضارية خاصة بنا!!..

من هنا فالحداثة –عند أصحاب هذا المنهج- تعني أننا بإمكاننا شراء منتجات وأشكال ومظاهر الحداثة دون السماح للفكر الذي أنتجها بالدخول إلى مجتمعاتنا..

ولكن هل هذا التفكير صحيح؟ وهل هناك إمكانية بأن نطلق على بعض مجتمعاتنا العربية التي بنت وأشادت واشترت مظاهر الحداثة المادية من الغرب دون استنباتها في تربتها، بأنها مجتمعات حداثية علمية متطورة؟..

الجواب المباشر والنهائي هو كلا لا نستطيع.. لأن الحداثة الحقيقة ليست هي حداثة الشكل والمظاهر العمرانية وهيمنة ثقافة الاستهلاك الجنوني والرفاهية الاقتصادية على حساب الوعي والفكر والمعايير العقلية عند الإنسان، وليست هي ثقافة الشكل والحجر على حساب ثقافة العقل والبشر.. وليست هي حداثة شراء أحدث المصانع والطائرات والتكنولوجيات على حساب رفض ثقافتها ومناخها المعرفي الذي أفضى إليها وأنتجها.. وبالتالي، فلا حداثة فعلية مطلوبة من دون اعتماد ثقافة العقل بعيداً عن الغيبيات والنصوص المقدسة، ولا حداثة فعلية مستقبلية من دون اعتماد مناهج الفلسفة لتجديد العقلانية وتطويرها وتفعيلها

وبما أن الحداثة التي أفضى إليها مشروع الأنوار الغربي كنتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الثورات العلمية والاكتشافات المعرفية المتلاحقة التي قام رواد ونهضويو الغرب بإنجازها في المرحلة التي أطلق عليها عصر النهضة، فإن مجتمعاتنا العربية –حتى تنجح وتصل وتنهض من غفوتها- لابد وأن ترفض اللقمة الجاهزة لأنها غير مفيدة في المدى الطويل، ولا بد لها من أن تعتمد بالدرجة الأولى على نفسها وإمكانياتها وطاقاتها وجهود أبنائها، وأن تمر بنفس المراحل والطرق التي مرت بها تلك المجتمعات.. ولابد لها من أن تعاني الكثير من الألم والمعاناة والمشقات، وأن تجرب وتكتشف لوحدها.. فهكذا هي سنة الحياة وتطورات الوجود.. حيث يجب أن تخوض غمار التجارب الصعبة والمخاضات العسيرة حتى تبدأ بالسير على طريق النور والعقلانية والعلم والتقدم الحقيقي المقرون بالتقدم العقلي والفكري والثقافي.. ولا يعقل أن نعيش في مدن حديثة ذات مساكن حديثة وأبراج عالية واصلة إلى أعالي السماء، أو أن يكون عندنا مصانع ومعامل مشتراة بالكامل من الخارج، وطرق وحدائق وشوارع نظيفة ومدن واسعة، ومولات ومنتجعات ضخمة وجزر بحرية وملاعب عظيمة ووالخ، كل ذلك لا يمكن تصوره عملياً ونحن لا نزال نفكر بعقلية الماضي البعيد، وعقولنا مغيبة وبعيدة عن منطق وثقافة من أفرز وأعطى ثمار هذه الحضارة، وعقولنا لا تزال تعشش فيها قيم ماضوية عمرها أكثر من 1400 سنة، غير قادرة على مواكبة العصر والتطور والحداثة..  لأن الحداثة ليست كتلة بناء أو معمل مسبق الصنع يمكن جلبه وشراؤه بالمال –الوفير جداً عندنا والحمد لله!!- من مصدره في أوروبا، وإنما هي مسار فكري وثقافي ومعرفي بامتياز.. إنها فعل خلق وإبداع مستمر ولهذا يطلق عليها بأنها “مشروع كوني دائم وأبدي”..

والحداثة هي جزء من معركة الإصلاح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، الإصلاح الذي يجب أن يتركز ليس على قضية “الاجتهاد في الدين ونقد التراث” فقط باعتبارها معارك فكرية طويلة الأمد، ومشاريع مفتوحة لا تنتهي عند حد معين (تضخمت من كثرة ما كتب حولها، وسال فيها حبر كثير)، وإنما يجب أن يتوازى مع إصلاح السياسة ذاتها، بناء وتشييد هيكل الديمقراطية الحقيقية وإعادة السياسة إلى حضن المجتمع وإشراك الناس في صنع مصائرها وقرارتها، في أن يكون لها رأي ودور أساسي في بناء معالم حاضرها ومستقبلها.. بعيداً عن الدينية والمذهبية والطائفية والعشائرية والعقلية القبلية الحاضرة بقوة في مجتمعاتنا التقليدية العربية التي لا تزال يرفض كثير من أفرادها ومكوناتها العقل والبحث العقلاني، وتعتبر أن الغيب أهم من الواقع، وأن الآخرة والمستقبل أعظم من الدنيا والحاضر..

طبعاً إن دعوتنا هذه للابتعاد عن منطق القبيلة والعشيرة والدينية والمذهبية واعتماد وتبني خيار العلمنة وفصل الديني عن الدنيوي الإجرائي بصورة فعلية لا ديكورية مزيفة كما هو واقع حالياً في كثير من مجتمعاتنا، لا تعني بأي حال إبعاد الدين والتفكير الديني عن ساحة الوجود والحياة، بل إبعاده الدين -كمقدس روحي وتجربة عامة- عن ساحة السياسة واللعب السياسي، ودعوة الملتزمين به إلى عدم تقديس آرائهم ومعتقداتهم السياسية (وضعها في مرتبة النص المقدس!!) وجعلها شعارات تعبوية تحشيدية ضد منطق الحياة والعصر والتطور..

ومن حق أي متدين حتى رجل الدين أن يشارك –كمواطن حر مختار مثل باقي المواطنين، وليس كرجل دين له درجة أعلى من غيره- في سياسة بلده، وتقرير مستقبل مجتمعه.. وتحمل مسؤولياته كفرد حر في الوقوف أمام مشاكل وتحديات بناء مجتمعه على أسس ومعايير حياتية واضحة، لا يكفي معها اتهام وتحميل الآخرين مسؤولية الفشل في محاولة تحقيقها.. لأنه وعلى الرغم من التسليم بدور ومسؤولية العامل الخارجي في ما وصل إليه حال العالم العربي من تردي وانقسام وتدهور سياسي واقتصادي، إلا أنّ هناك وعياً متزايداً لدى كل الناس بأن الكوارث والمحن والانقسامات، وشبه حالة الحرب الأهلية المعلنة أو المخفية في كثير من بلداننا العربي، وثورات الجياع جياع الحرية والكرامة والشغل والخبز في تونس والجزائر وغيرها.. إن كل تلك الإشكالات والمحن التي تعيشها وستعيشها مجتمعاتنا ليست كلها ناجمة عن الأطماع والتدخلات الأجنبية وحدها (عقلية نظرية المؤامرة الخارجية!!)، وأن الكثير منها يعود إلى الأسباب الداخلية والتي يقف على رأسها الاستبداد السياسي والقمع السلطوي، ومن ثم بنية وطبيعة تلك المجتمعات المغلقة غير المنفتحة، وعجز النخب السياسية عن إيجاد الحلول الملائمة لهذه التناقضات الكامنة في صلب مكونات الثقافة لتلك المجتمعات ونظم الحكم العربية القائمة.. وقد ترتب على إهمالها وتراكمها نجاح القوى الأخرى في تعميقها واستغلالها إلى أن وصلت إلى نقطة الانفجار أو انفجرت بالفعل كما هو الحال في دول عربية وإسلامية كثيرة.

ومن الطبيعي ألا ننحو منحى تحميل الغرب بشكل خاص، مسؤولية مشاكلنا وهمومنا وتعقيداتنا، ولكننا نقول إنه استغل –وهذا تتيحه له السياسة واللعب السياسي الذي تمارسه كل الدول- نقاط ضعفنا وخلافاتنا، واستطاع أن يشغلنا عما نحن فيه، بحيث أصبحنا نفكر في قراراته أكثر مما نفكر في أنفسنا.. وبحيث أصبحنا كما عبر أحد المفكرين نشغل بالنا كثيراً ونفكر طويلاً في ما تريد أميركا أو أوروبا، وليس في ما نريده نحن. وهذا ما لاحظناه في كل الأزمات التي مرت وتمر بالعالم المعاصر مثل أزمة المناخ، أو الأزمة المالية العالمية الكبرى، فنحن نفكر كيف يمكن لأمريكا وأوروبا أن تعالجا أزمتهما؟ وكيف تخطط روسيا لإنقاذ نفسها؟ بينما لا نتحدث في العالم العربي إلا عن خسائرنا ونبكي أو نتباكى على ترهل حالنا.. أما كيف يمكن أن نخطط لتفادي تأثيرات الأزمات والتحديات؟ فهذا ما لا نجد أحداً يفكر فيه بشكل فاعل ومنتج ومؤثر…

 
معايير ومحددات حداثة الغرب:

يمكننا هنا أن نحدد طبيعة البناء الفكري للحداثة التي نشأت تاريخياً في الغرب الأوروبي بالمعطيات والمعايير التالية التي تبلورت ونضجت –كما ذكرنا سابقاً- عبر زمن طويل من الصراعات والسجالات والديناميات والتغييرات الهائلة التي حدثت منذ ما قبل عصر النهضة الأوروبي:

المعيار الأول- أولوية العقل على النقل، والتفكير على النص، والتغير على الثبات:

وتتجسد الرؤية الحداثية –من خلال هذا المعيار الأولي- في رؤيتها لجميع الأشياء الحقيقية انطلاقاً من العقل، والإنسان يعكس تلك الأشياء والمدركات بواسطة العقل الذي يشكل المنطلق والقوة الأساسية الحاسمة في الرؤية والتقدير والحكم بما يساعد الإنسان على كشف ماهية وجوده، ومحاولات فهم أسرار عوالمه المتعددة ليصبح لديه كامل الحرية في الاختيار، وتحقيق المعرفة، والتفريق بين الخطأ والصواب.والعلم الحديث طبعاً تطور ونشأ على أساس منطق التفكير العقلي النسبي في بناء مناهج البحث العلمي، وتنظيم التجربة، وشيئاً فشيئاً حصلت خطوة تجريد المعرفة من بعدها السحري والأسطوري الطقوسي الرمزي، بحيث أصبحت المعرفة العلمية زمنية، صناعية، بنائية وتراكمية، ليست مستقلة عن المعرفة الدينية أو متميزة عنها في أسس بنائها وتكوينها الذاتي الموضوعي فحسب، ولكنها أيضاً مستقلة عن جميع المعارف المنقولة والحكم المقدسة والأساطير الموروثة الماضية.

المعيار الثاني- تغير معنى الحق الثابت واكتشاف معنى القانون المتطور:

حدث في الغرب تحول كبير على مفهوم الحق والحقيقة، قاد إلى إعادة اكتشاف الحق: le Droit.. وقد تأسس هذا البعد الجديد على رؤية قانونية جديدة في سياق عملية بناء العدالة الاجتماعية. فأصبح معنى الحق مغايراً لمعنى الشريعة والعرف الديني السائد الذي كان يطلب من أتباعه التسليم والخضوع والانصياع لأحكام منصوص عليها أو مطلوب تطبيقها من قبل سلطة إلهية عليا فكرت في العدالة مرة واحدة وإلى الأبد. ولكن مع التحول باتجاه نسبية الحقيقة وإعطاء القيمة الأكبر للواقع المتطور والمتغير المنظور على حساب النص الثابت والنهائي التمامي المكنوز، اختلف الوضع وتغير الحال، وأصبح الإنسان –بحسب الرؤية الحداثية– قادراً على تحريك عقله وإعمال فكره والقيام ببناء رؤى جديدة ونظرات فكرية متنوعة غير نهائية بل متحولة وسيالة كجزء من التفكير الدؤوب والمستمر في معنى الحق والعدالة الإنسانية ومجمل الأخلاق العملية.. أي تفكير المجتمع نفسه بعدالة أسسه ونظمه، وصلاحيتها ومدى فعاليتها. ليكون منطق الحق والعدل نابعاً من ذات المجتمع المسؤول عنه وعن تطويره وتطبيقه، لا من مصدر آخر غير منظور.

المعيار الثالث- القيمة العليا للفرد الحر المختار الذي لا وصاية عليا عليه إلا القانون المؤسساتي:

إن معيار وجود كرامة الإنسان هو في حريته ودوره في صياغة مستقبله.. والحرية هي الأرضية الصالحة لشرعية ودوام السلطة، وهي التي تؤكد حق الإنسان في تقرير شؤونه المدنية، دون إكراه أو قيد.. أي إعادة الاعتبار والقيمة الحقيقية للفرد بما هو ذات واعية حرة مريدة ذات كرامة ووجود مؤثر ومنتج.. وبالتالي أيضاً قابلة (تلك الذات الحرة) للصياغة والتكوين والمساءلة القانونية والأخلاقية. فأنا إنسان، أي ذات عاقلة وقادرة، مثل الآخر الإنسان، وأشخاصنا يتساوون في الحقوق والواجبات. وهذا يعني اعتراف الجميع ببعضهم كأنداد، لا كأسياد أو أزلام ومحاسيب، وهذا هو مظهر الاعتراف الرسمي، القانوني، بالمساواة المطلقة في الإنسانية.

المعيار الرابع- الديمقراطية السياسية والتداول السلمي للسلطة وحكم القانون في دولة المؤسسات:

لقد تمكنت البشرية في مسارها التاريخي الطويل من الوصول إلى تثبيت قيم ومبادئ الديمقراطية السياسية بديلاً عن حكم الاستبداد والديكتاتورية واحتكار الحقيقة وادعاء الحكم المقدس والتباهي بامتلاك الحقيقة المقدسة. وهذا التعميم لا يغني عن بعض التخصيص الضروري في هذا المجال، ذلك أنّ مبدأ فصل السلطات ربما كان أهم ما في الديمقراطية، بصفتها طريقة في التدبير السياسي والحاكمية. لا بل إنّ مونتسكيو رأى أنّ العلامة الفارقة للمستبد هي، بالضبط، أنه يدمج السلطات جميعاً ويتولاها بنفسه.

كما أن فصل السلطات، في شكله الحديث المعروف في العالم الغربي، هو ما عُرف أساساً عبر كتابات مونتسكيو، خصوصاً “روح القوانين”.. ومؤدّى نظرية الفصل تلك أن ثمة ثلاث سلطات ينبغي ألا تتداخل في ما بينها لدى ممارستها السلطة والحكم، هي التشريعية والتنفيذية والقضائية: الأولى، تصوغ السياسة وتنفذها بوصفها قانوناً. والثانية، تتولى تطبيقها وتنفيذها في الحيّز العملي. والثالثة، تفضُّ النزاعات طبقاً للقانون وتبعاً لمعايير العدالة.

منبر الحرية،19 مارس/اذار2012

إقرأ أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018