هل يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى استبداد؟

temp20 مارس، 20120

ما هو نوع الاستبداد الذي يجب أن تخاف منه الأمم الديمقراطية؟

لقد لاحظت خلال إقامتي في الولايات المتحدة الأمريكية أن الحالة الديمقراطية للمجتمع، كما يعيشها الأمريكيون، قد توفر بنى استثنائية لتأسيس الاستبداد؛ ولقد أدركت، لدى عودتي إلى أوروبا، كم أن معظم من يحكمنا قد استفاد من الآراء والأفكار والاحتياجات الناشئة من هذا الظرف الاجتماعي نفسه لغرض توسيع دائرة سلطاتهم. وقد دفع هذا بي إلى التفكير بأن الأمم المسيحية ربما ينبغي عليها في النهاية أن تمر بحالة من الاضطهاد كالتي هيمنت على العديد من الأمم في العالم القديم.

وبعد تفحص أكثر دقة لهذا الموضوع، وخمسة أعوام من التأمل فيه، لم تتبدد مخاوفي، ولكنها غيرت هدفها. إن العصور الخالية لم تشهد ظهور حاكم يبلغ من القوة المطلقة حدا يمكنه من إدارة كافة أجزاء امبراطوريته الكبيرة بالاعتماد على نفسه وحسب، ودون الاستعانة بسلطات وسيطة، ولم يحدث أن حاول أحد الحاكمين أن يخضع رعاياه دون تمييز لمحددات أو ضوابط صارمة، وأن يقوم شخصيا بالوصاية على كل فرد من أفراد المجتمع وتوجيهه. إن مثل هذا النهج في التصدي لشؤون الحكم لم يخطر لأي ذهن بشري؛ ولو حدث ذلك فإن تنفيذ مثل هذا المخطط الضخم سيصطدم بالحاجة إلى المعلومات، وبعدم كفاية المنظومة الإدارية، وفوق ذلك كله: بالمعوقات الطبيعية التي يتسبب بها عدم تكافؤ الظروف.

وعندما كان الأباطرة الرومان في أوج قوتهم كانت الأمم المختلفة ضمن الامبراطورية لا تزال محتفظة بعادات وتقاليد متنوعة إلى حد بعيد، وكانت معظم المقاطعات تدار بشكل منفصل على الرغم من أنها كانت تخضع للتاج نفسه؛ وكانت البلديات الكثيرة تتمتع بالقوة والفعالية؛ وعلى الرغم من أن حكومة الامبراطورية بأجمعها كانت في قبضة الامبراطور لوحده، والذي كانت له الكلمة الفصل عندما تقضي الحاجة، فإن ذلك لم يمنع بقاء تفاصيل الحياة الاجتماعية ومشاغل الناس خارج إطار سيطرته. ولا شك في أن الامبراطور كان يمتلك سلطة هائلة لا يقف أمامها شيء سمحت له بتلبية كافة نزواته وتوظيف قوة الدولة لتحقيق ذلك، وكثيرا ما أساء استخدام السلطة بشكل اعتباطي ليحرم رعاياه من أملاكهم أو أنفسهم؛ وكان استبداده مرهقا جدا للبعض ولكنه لم يمتد إلى الكثير، وإنما انحصر ببعض الغايات الأساسية وأهمل ما تبقى. لقد كان حكم الامبراطور عنيفا، ولكن نطاق هذا العنف كان محدودا.

وقد يبدو أنه إذا كان للاستبداد أن ينهض في الأمم الديمقراطية الحالية فلا يمكن أن يكون له ذلك إلا إذا اتخذ هيئة مختلفة، وأصبح أكثر شمولا واعتدالا، وحينها يمكنه أن يهين الإنسان دون تعذيب. وليس لدي شك في ذلك، ففي عصر يسود فيه التعليم والمساواة كعصرنا يسهل على الحاكم أن ينجح في مسعاه لإحكام قبضته على السلطة السياسة بأجمعها، وربما يقوم بالتدخل بشكل أكثر طبيعية وحزما في نطاق المصالح الخاصة، وذلك بالمقارنة مع ما كان بمقدور أي حاكم في العصور القديمة. ولكن مبدأ المساواة هذا الذي يسهل الاستبداد يؤدي إلى تلطيف ما به من قسوة. ولقد رأينا كيف أن تقاليد المجتمع تصبح أكثر إنسانية ووداعة بالتناسب مع مقدار ما يتمتع به الإنسان من مساواة وما أشبه. وعندما لا يكون أي فرد من المجتمع متمتعا بالكثير من السلطة أو الثروة، فعندها لا يكون للاستبداد، وهذا ديدنه من قبل، أي فرصة أو مجال للتأثير. وكما أن الثروات قليلة، فإن من الطبيعي أن تكون رغبات الإنسان محدودة، ومخيلته مقيدة، وملذاته بسيطة؛ وهذا الاعتدال الشامل يفرض الاعتدال على الحاكم نفسه، ويلزمه بحدود معينة تحول دون التوسع الجامح لشهواته.

وبمعزل عن هذه الأسباب، يمكنني أن أضيف، وبالاعتماد على طبيعة الحالة الاجتماعية نفسها، الكثير من الأسباب الأخرى التي تخرج عن نطاق موضوعنا، ولكنني سأظل ضمن الحدود التي وضعتها.

إن الحكومات الديمقراطية قد تصبح عنيفة، وحتى قاسية، في مراحل معينة من الغليان الهائل أو الخطر الداهم، ولكن أمثال هذه الأزمات يتصف بالندرة وقصر المدة. وعندما أنظر بعين الاعتبار إلى الرغبات التافهة لمعاصرينا، واعتدال طباعهم، ومستواهم التعليمي، ونقاء تدينهم، ودماثة أخلاقهم، وعاداتهم في الدين والعمل، والمحرمات التي يراعونها في الرذائل والفضائل على حد سواء، فعندها لن يكون هنالك ما يدعو إلى الخوف من تحول الحاكم إلى طاغية، وذلك لأنه سيكون حارسا لهم.

لهذا فإنني أعتقد بأن أنواع الاضطهاد التي تخاف منها الأمم الديمقراطية لا تشبه أي شيء حدث في هذا العالم من قبل، ولن يكون بمقدور معاصرينا أن يجدوا نموذجا له في ذاكرتهم. وأنا أبحث دون جدوى عن تعبير ينقل بدقة الفكرة التي صغتها عن ذلك بأكملها؛ فالكلمات القديمة كالاستبداد والطغيان لا تناسب المراد، فهذا الشيء جديد كليا، وبما أنني عاجز عن تسميته، فسأحاول تعريفه. إنني أسعى إلى اقتفاء الملامح الجديدة التي يمكن للاستبداد أن يظهر بها في العالم، وأول ما يصدم المراقب هو العدد غير المحدود من الناس، المتساوين والمتشابهين، الذين لا يتوقفون عن السعي إلى تحقيق مباهجهم التافهة التي يملؤون بها حياتهم. إن أي فرد منهم يعيش بمفرده غريبا عن مصائر الآخرين، والبشرية تعني له أبناءه وأصدقاءه، أما الباقون فهو قريب منهم لكنه لا يراهم، وهو يلمسهم لكنه لا يشعر بهم؛ إنه يوجد في ذاته ومن أجل ذاته فحسب، وإذا كان لديه أقرباء فلا يعود لديه بلد ينتمي إليه.

تهيمن على هذا النوع من الناس سلطة هائلة تقوم بالوصاية عليهم، وتأخذ على عاتقها مهمة حماية مباهجهم ورعاية مصائرهم. هذه السلطة تتصف بأنها مطلقة وتفصيلية ومنتظمة ومدبرة ولطيفة، وهي تشبه سلطة الأب حينما يكون هدفه، كما هو هدف هذه السلطة، متمثلا في تهيئة الطفل لدخول عالم الرجال، ولكنها تسعى، على العكس من ذلك، إلى إبقائه في طفولة دائمة، وهي مقتنعة تماما بأن الناس ينبغي أن يفرحوا، وذلك لأنها تعتقد بأنهم لا يفكرون بأي شيء سوى الفرح. ولهذا فإن مثل هذه الحكومة تعمل على إسعاد الناس، ولكنها تقرر أن تكون الوكيل الأول والمسؤول الوحيد في هذه السعادة؛ فهي توفر لهم الأمن، وتشرف على تزويدهم بما يحتاجونه، وتسهل حصولهم على المباهج، وتدير شؤون همومهم الأساسية، وتوجه مجهوداتهم، وتنظم تداول الملكية، وتقسم المواريث؛ وبهذا لا يبقى للحكومة إلا أن تحمل عن الناس عبء التفكير والحياة؟

ولهذا فإن كل يوم يمضي على هذه السلطة يؤدي إلى إضعاف منفعة واستمرارية حرية المرء في القيام بشؤونه، وتقلص الإرادة ضمن مجال أضيق، وتسلب تدريجيا من الإنسان كل شيء ذي فائدة. ومبدأ المساواة هو الذي حضّر الإنسان للدخول في هذه الحال؛ حيث دفعه إلى تحملها والنظر إليها دائما باعتبارها من الحسنات.

وبعد أن تنجح هكذا في إحكام قبضتها القوية على كل فرد من المجتمع وصياغته كما تشاء، فإن هذه السلطة العليا تنشر هيمنتها على المجتمع بأكمله؛ فتغطي سطح المجتمع بشبكة من القواعد الصغيرة المعقدة الدقيقة المتشاكلة، وهذه الشبكة لا يمكن اختراقها من قبل أكثر العقول أصالة ونشاطا في مسعاها من أجل الترفع عن الحشود. وهكذا فإن إرادة الإنسان لا يتم تحطيمها، وإنما صقلها وثنيها وتوجيهها، وهي نادرا ما تجبره على أداء عمل ما، ولكنها تدأب على أن تحظر عليه أداء عمل ما. إن هذه السلطة لا تدمر وجود الإنسان، ولكنها تمنعه من الوجود؛ وهي لا تطغى، وإنما تمارس الضغوط على الناس وتضعفهم وتستنزفهم وتخدرهم حتى يتحولوا إلى مجرد قطيع من الحيوانات الأليفة العاملة، وتكون الحكومة راعي هذا القطيع.

لقد كنت دائما أرى بأن العبودية من النوع المنتظم الهادئ اللطيف الذي وصفته قبل قليل يمكن تقبلها على نحو أسهل بكثير من مما يشيع الاعتقاد به من تقبل الأشكال الخارجية للحرية، وربما يتم التأسيس لهذه العبودية تحت جناح سيادة الشعب. إن الناس في يومنا هذا منشغلون جدا بشعورين متضادين: الرغبة في الانقياد، والرغبة في الحفاظ على حريتهم، وبما أنهم عاجزون عن التخلص من أحد هذين الميلين، فإنهم يجهدون في تلبيتهما معا: حيث يدعون إلى حكومة حصرية وصائية كلية القدرة، ولكنها منتخبة من الشعب؛ وبهذا يمزجون مبدأ المركزية مع مبدأ السيادة الشعبية، وهذا يريح ضمائرهم عبر تبرير خضوعهم للوصاية بذريعة أنهم هم من اختار الأوصياء. وهكذا يسمح الإنسان لنفسه بأن توضع له خيوط تحريك كما الدمى المتحركة، وذلك لأنه يرى بأن هذه الخيوط لا يحركها شخص أو شريحة من الأشخاص، وإنما الشعب بأكمله. وبهذه المنظومة يحرر الشعب دولته من حالة التبعية بما يكفي لاختيار زعيم لهم والارتداد إليها مجددا، وهنالك الكثير في يومنا هذا ممن يرضون تماما بهذه التسوية ما بين الاستبداد الإداري والسيادة الشعبية، ويحسبون أنهم فعلوا ما يكفي لحماية الحرية الفردية، ولكنهم في الحقيقة سلموها لسلطة الأمة ككل. إن هذا لا يرضيني: فطبيعة الشخص الذي ينبغي أن أطيعه لا تهمني بقدر اهتمامي بحقيقة الطاعة الإجبارية. ولكنني لا أنكر بأن دستورا على هذه الشاكلة يبدو لي مفضلا بالمطلق على دستور يضع السلطات كلها، بعد تركيز كافة سلطات الحكومة، في يد شخص أو أشخاص لا يتصفون بالمسؤولية. وهذا هو الشكل الأسوأ من بين الأشكال كلها التي يمكن أن يتخذها الاستبداد الديمقراطي.

عندما يكون الحاكم منتخبا، أو عرضة للمراقبة القريبة من قبل سلطة تشريعية منتخبة ومستقلة بحق، فإن الاضطهاد الذي يمارسه ضد الأفراد يكون أعظم في بعض الأحيان، ولكنه دائما أقل إذلالا؛ وذلك لأن كل إنسان عندما يتعرض للاضطهاد والتجريد من وسائل القوة ربما يظل يتخيل بأنه حين يدين بالطاعة للسلطة فإنه يدين بالطاعة لنفسه، وأن ما يحدث لاحقا يتفق مع هذا الميل الشخصي. وعلى نحو مشابه، يمكنني أن أفهم بأنه حين يقوم الحاكم بتمثيل الأمة ويكون معتمدا على الشعب، فإن الحقوق والسلطة التي يحرم منها أي مواطن لا تخدم رأس الدولة فحسب، وإنما الدولة نفسها أيضا؛ وأن الأفراد بصفة شخصية يستمدون بعض المردود من التضحية باستقلالهم الذي قدموه في سبيل الشعب. وبهذا فإن إنشاء تمثيل للشعب في الدول المركزية يؤدي إلى تقليص الشرور الناجمة عن الإفراط في المركزية، ولكنه لا يقضي عليها.

ولا بد من الاعتراف هنا بأن ذلك يؤدي إلى فتح المجال أمام تدخل الأفراد في الشؤون الخطيرة، ولكنهم يتعرضون للاضطهاد في الشؤون الصغيرة والخاصة. وينبغي أن لا ننسى هنا بأن من الخطر على نحو خاص أن يتم استعباد الإنسان في التفاصيل الصغيرة للحياة. ومن جانبي، أشعر أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الحرية تقل الحاجة إليها في الشؤون العظمى أمام الشؤون الصغرى، وذلك إذا كان من الممكن الفصل بينهما.

إن الاضطهاد في الشؤون الصغرى يحدث يوميا، ويحس به أفراد المجتمع دون استثناء؛ وهو لا يدفعهم نحو المقاومة، ولكنه يصادفهم في كل مكان إلى أن يصلوا إلى التخلي عن ممارسة إرادتهم الشخصية. وهكذا تتحطم أرواحهم تدريجيا وتضعف شخصياتهم؛ وذلك بينما لا يبدو من الطاعة المفروضة في بعض الأحوال القليلة النادرة أنها تؤدي إلى العبودية إلا خلال فترات معينة ويتحمل عبئها عدد قليل من الناس. ومن العبث أن يدعى الناس الذين تم تحويلهم إلى التبعية للسلطة المركزية بين الفينة والأخرى إلى اختيار ممثلي هذه السلطة؛ فهذه الممارسة النادرة المختصرة للخيار الحر، ومهما كانت أهمية هذا الخيار، لن تمنعهم من الخسارة التدريجية لمهارات التفكير والشعور والتصرف بأنفسهم، مما يؤدي إلى السقوط التدريجي تحت مستوى الإنسانية. ويضاف إلى ذلك أنهم سيصبحون سريعا عاجزين عن ممارسة الامتياز العظيم الوحيد المتبقي لهم. إن الأمم الديمقراطية التي قدمت الحرية في بنيتها السياسية في الوقت نفسه الذي كانت فيه تعزز الاستبداد في بنيتها الإدارية انتهت إلى حالة من التناقض الغريب. ولتدبير تلك الشؤون الصغرى التي لا تحتاج إلا إلى الفطرة السليمة، يتم اعتبار الناس غير لائقين بهذه المهمة؛ أما عندما تمر حكومة البلاد بأزمة فإن الشعب يعطى سلطات هائلة، ثم يصبح ألعوبة بيد الحاكم وسيدا عليه في الوقت نفسه، فأفراد الشعب أكثر من ملوك وأقل من بشر. وبعد أن يتم استنزاف كافة الأنماط المختلفة للانتخاب دون إيجاد نمط يناسب الغرض، لا ينقطع هؤلاء عن حالة الاندهاش ولا يكفون عن البحث عن أنماط أخرى، وكأن السوء الذي لاحظوه لم يتولد من بنية الكتلة الانتخابية نفسها.

ولا شك في أن من الصعب إدراك كيف يمكن لمن تخلوا كليا عن عادة الحكم الذاتي أن ينجحوا في الاختيار الملائم لمن سيحكمهم؛ ولا يمكن لأحد أن يعتقد أبدا بأن حكومة حرة حكيمة نشيطة يمكن أن تنبثق من آلام شعب خاضع.

إن البنية التي يتكون رأسها من مبادئ جمهورية بينما تتبع باقي أجزاؤها مبادئ المَلَكية المتطرفة تبدو لي أشبه بمسخ لا يعيش طويلا؛ فرذائل الحاكمين وحماقة الشعب تؤدي سريعا إلى الدمار. وإذا سئمت الأمة من ممثليها ومن نفسها فستنشئ مؤسسات أكثر حرية أو تعود سريعا إلى رمي نفسها تحت أقدام سيد واحد.

أليكسيس دو توكفيل (1805-1859)

فيلسوف فرنسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018