مصنع الدبابيس

temp27 مارس، 20120

مصنع الدبابيس

حول دوافع تحسين قوى العمل الإنتاجية، وتحسين النظام الذي يمكن من خلاله التوزيع الطبيعي لناتج هذه القوى بين الشرائح المختلفة

آدم سميث

أولا. تقسيم العمل

تعتبر التأثيرات الناتجة عن تقسيم العمل أفضل تحسن طرأ على قوى العمل الإنتاجية وعلى الجزء الأكبر من المهارة والإتقان والمحاكمة العقلية أينما تم توجيهها أو تطبيقها.

إن تأثيرات تقسيم العمل، ضمن المسعى العام للمجتمع، يمكن فهمه بشكل أسهل إذا أخذنا بعين الاعتبار كيفية تأثيره في صناعات بعينها. ويشيع الافتراض بأن ذلك جائز حتى في بعض الصناعات التي لا أهمية لها، وذلك ليس لأن هذا الجواز يصح عليها أكثر من الصناعات ذات الأهمية الأكبر، وإنما لأن الصناعات الهامشية التي تلبي احتياجات صغيرة لشريحة ضئيلة من الناس لا بد لعدد الأيدي العاملة فيها أن يكون صغيرا، كما إن العمال ينحصرون في مكان عمل واحد مهما اختلفت فروع عملهم، ويخضعون للرقابة في آن واحد. أما الصناعات الكبيرة التي تلبي احتياجات هائلة لشريحة ضخمة من الناس، فإن كل فرع من فروع العمل المختلفة فيها يوظف عددا كبيرا من العمال، ويستحيل حصرهم جميعا في الورشة ذاتها، وإذا ما زرنا ورشة من الورشات فلن نرى فيها أكثر من العمال المتخصصين بما تنتجه. إن الصناعات الكبيرة يكون فيها العمل مقسما بالفعل إلى عدد أكبر بكثير من الفروع مما هو عليه الحال في الصناعات الصغيرة، ولكن هذا التقسيم لا يقترب منها أبدا في الوضوح، ولذلك فإن ملاحظته أصعب بكثير في الصناعات الكبيرة.

لنستعن بمثال من صناعة هامشية جدا، ولكنها تتصف بسهولة ملاحظة تقسيم العمل فيها، وهي صناعة الدبابيس، ففي هذه الصناعة إذا كان العامل غير حاصل على تعليم خاص بها (وهو من الأمور المميزة لتقسيم العمل)، ولم يكن ملما بشؤون الآلة التي يعمل عليها (وهي آلة كان اختراعها من نتائج تقسيم العمل) فيمكنه على الأقل أن ينتج دبوسا واحدا في اليوم، ولكنه لن يكون قادرا على إنتاج عشرين دبوسا في اليوم بالتأكيد. إن الطريقة التي تدار بها هذه الصناعة لا تجعل منها نشاطا مميزا فحسب، وإنما تقسمها إلى عدد من الفروع التي يشكل معظمها نشاطا مميزا أيضا. فهنالك شخص يسحب السلك، وآخر يجعله مستقيما، وثالث يقطعه، ورابع يجعل له طرفا حادا، وخامس يصقله من الأعلى لتركيب الرأس، وهذا الرأس يتطلب اثنتين أو ثلاثا من العمليات المميزة؛ ثم تلي ذلك عمليات مميزة أخرى: كتركيب الدبوس، وتلميعه، ووضعه في العلبة الكارتونية. وهكذا فإن هذه الصناعة المهمة تتكون من حوالي ثماني عشرة عملية مميزة، ونجد في بعض المصانع أن كل من هذه العمليات تمارسها أيد عاملة متخصصة بها، وفي مصانع أخرى نجد أن العامل نفسه قد يقوم بعمليتين أو ثلاث منها. ولقد شاهدت بنفسي مصانع صغيرة من هذا القبيل لا توظف أكثر من عشرة أشخاص، حيث يقوم بعضهم بأداء اثنتين أو ثلاث من العمليات الإنتاجية. وعلى الرغم من أن هذه المصانع فقيرة جدا، ولا تهتم باقتناء الآلات الضرورية لعملها، فإنها قادرة، إن أرادت، على إنتاج حوالي 12 رطلا من الدبابيس يوميا، حيث يحتوي كل رطل على حوالي (4,000) دبوس من الحجم المتوسط، أي أن هؤلاء العمال العشرة يمكنهم أن يصنعوا ما يصل عدده إلى (48,000) دبوس يوميا، أي أن كل عامل يصنع حوالي (4,800) دبوس يوميا. ولكن إذا عمل كل من هؤلاء العمال العشرة لوحده وبشكل مستقل، ودون أن يتلقى أي تعليم بخصوص هذه الصناعة، فمن المؤكد أن كل عامل منهم لن يتمكن من صناعة عشرين دبوس في اليوم، بل إنه ربما لن يتمكن من صناعة دبوس واحد، وهذا لا يشكل (1/240)، ولا حتى (1/4,800)، مما يقدر عليه العامل في حالة التقسيم المناسب للعمل وتنسيق العمليات الإنتاجية المختلفة.

وفي كل الفنون والصناعات الأخرى، تتشابه تأثيرات تقسيم العمل مع ما هي عليه في هذه الصناعة الهامشية؛ ولكننا نجد في الكثير منها أن العمل لا يمكن تقسيمه أو تقليصه إلى هذا المدى الهائل من التبسيط. ولكن تقسيم العمل، بأبعد مدى يمكن الوصول إليه، يترافق مع ارتفاع متناسب في قوى العمل الإنتاجية، وذلك مهما كان المجال الذي يطبق فيه، ويبدو أن الفصل ما بين الممارسات والوظائف المختلفة إنما جاء لخدمة هذا الهدف. وبشكل عام، يجري هذا الفصل بشكل أوسع في الدول التي تتمتع بأعلى درجات الصناعة والتنمية؛ فما يقوم به شخص واحد في مجتمع غير متطور، يقوم به عدة أشخاص في مجتمع متطور. وفي كل مجتمع متطور لا يعمل المزارع بغير الزراعة، ولا يعمل العامل الصناعي بغير مهنته؛ والعمل اللازم لإكمال عملية صناعية بعينها يكون مقسما دائما ما بين عدد كبير من الأيدي العاملة. فكم من الاختصاصات المختلفة تدخل في إنتاج كل فرع من فروع صناعات القطن والكتان، بدءا من زراعة هذين النباتين، ومرورا بتبييض الكتان وتنعيمه، وانتهاء بصبغ القماش وخياطته. والزراعة تقضي طبيعتها بالبعد عن هذا التقسيم للعمل، أو بالفصل الكامل ما بين اختصاص وآخر، كما هو حال الصناعة؛ فمن المستحيل الفصل بشكل كامل، كما في الصناعة، ما بين رعي المواشي وما بين زراعة الذرة، ولكنه ممكن ما بين النجارة والحدادة، ومن يقوم بالغزل يختلف عمن يقوم بالحياكة، ولكن حراثة الأرض لا تنفصل عن تسويتها ونشر البذور فيها وحصاد ثمارها. إن الأعمال الزراعية المختلفة تتوزع على مختلف فصول السنة، ومن المستحيل لشخص بمفرده أن يتخصص بشكل دائم في واحد منها، وهذه الاستحالة في الفصل الكامل والدائم ما بين كافة أنواع الأعمال الزراعية المختلفة ربما تشكل السبب في أن تطور قوى العمل الإنتاجية في الزراعة لا يتم بالسرعة ذاتها التي يحصل فيها تطور قوى العمل الإنتاجية في الصناعة. إن الأمم الأكثر ثراء تتصف عموما بالتفوق على جيرانها بالزراعة كما في الصناعة، ولكنها تتميز بالتفوق أكثر في المجال الثاني بالمقارنة مع تفوقها في المجال الأول، ومن يلاحظ الأراضي الزراعية فيها يجد أنها مستصلحة بشكل أفضل، وأنفق عليها قدر أكبر من الجهد والمال، وتؤدي إلى إنتاج أكبر مما توفره الخصوبة الفعلية للأرض؛ ولكن هذا التفوق الإنتاجي نادرا ما يعوض التفوق في مقدار ما يبذل عليه من جهد ومال؛ ففي الزراعة: لا يكون الجهد المبذول في الدول الغنية منتجا أكثر بالمقارنة مع الجهد المبذول في الدول الفقيرة، أو على الأقل: لا يكون أبدا منتجا أكثر بكثير، كما هو الحال مع الجهد المبذول في الصناعة. فلو تساوت ذرة بلد غني مع ذرة بلد فقير في الجودة، فهذا لا يعني أن سعرها أرخص في السوق من سعر ذرة البلد الفقير؛ فذرة بولندا رخيصة بقدر ذرة فرنسا، وذلك على الرغم مما تفوق به فرنسا على بولندا من الثروة والتنمية. كما إن الذرة الفرنسية تماثل الذرة الانكليزية في الجودة، كما تماثلها في السعر تقريبا في معظم السنوات، وذلك على الرغم من أن فرنسا تلي انكلترا من حيث الثروة والتنمية. إن حقول الذرة في انكلترا تلقى عناية زراعية أفضل من مثيلتها في فرنسا، وحقول الذرة في فرنسا يعتنى بها بشكل أفضل بكثير من مثيلتها في بولندا؛ ولكن البلد الفقير، وعلى الرغم من تخلفه في رعاية الأرض، يستطيع في بعض الاعتبارات أن يتنافس مع البلد الغني في رخص السعر والجودة، وهذا ما لا يمكن أن يدعيه في المجال الصناعي، وذلك ما لم تتماثل مصانع البلد الفقير مع مثيلاتها في البلد الغني من حيث شروط التربة والمناخ والوضع العام. إن الحرير الفرنسي أفضل وأرخص من الحرير الانكليزي، وذلك لأن صناعة الحرير، على الأقل مع ما يفرض حاليا من رسوم عالية على استيراد الحرير الخام، لا تلائم مناخ انكلترا كما تلائم مناخ فرنسا؛ ولكن المنسوجات الصوفية الانكليزية لا تقارن في جودتها مع مثيلتها الفرنسية، وإذا ما كانت بالجودة نفسها فإن ثمنها سيكون أرخص بكثير. أما في بولندا فليس هنالك أي صناعة، وإذا وجدت فهي صناعات منزلية نادرة، ومن دون الصناعة لا يمكن لأي بلد أن يحقق الازدهار.

إن هذه الزيادة الهائلة في كمية العمل، والتي يمكن للعدد نفسه من الناس أن يؤدوها بفضل تقسيم العمل، ترجع إلى ثلاثة ظروف مختلفة:

1. ازدياد مهارة كل عامل متخصص.

2. توفير الوقت الذي كان يضيع في الانتقال من عمل إلى آخر.

3. اختراع عدد كبير من الآلات التي تسهل العمل وتختصره، وتمكّن شخصا واحدا من أداء عمل كان يقوم به الكثير من الأشخاص.

فأولا، إن تحسن مهارة العامل لا بد أن يزيد كمية العمل الذي يمكنه أن يؤديه، كما إن تقسيم العمل، وذلك عبر تقليص انشغال كل عامل بعملية بسيطة واحدة وجعل هذه العملية محور مهنته في الحياة، لا بد أن يزيد من مهارة العامل بشكل كبير جدا. إن الحداد العادي معتاد على استخدام المطرقة، ولكنه قد لا يكون معتادا على صنع المسامير، فإذا تعين عليه أن يحاول صنعها فإنني واثق من أنه لن يتمكن من صنع أكثر من مئتي أو ثلاثمئة مسمار في اليوم، ولكنها مسامير من النوع الرديء جدا. أما الحداد المعتاد على صناعة المسامير ولكن عمله ليس منصبا على ذلك، فلن يتمكن إلا بصعوبة من صنع أكثر من ثمانمئة أو ألف مسمار يوميا. لقد شاهدت عدة شباب لم يبلغوا العشرين من العمر، ولم يمارسوا أي عمل غير صناعة المسامير، يمكنهم إذا ركزوا جهدهم أن يصنع كل منهم أكثر من (2,300) مسمار يوميا. إن صناعة المسامير ليست من الأعمال البسيطة أبدا؛ فالشخص نفسه يضغط المنفاخ، ويحرك النار أو يعدلها بحسب ما يلائمه، ويسخن الحديد، ويطرق كافة أجزاء المسمار، وعندما يوصل الرأس يضطر إلى تغيير أدواته. إن العمليات المختلفة الداخلة في صناعة دبوس أو زر معدني تتصف بالتفرع، وكل فرع ينشأ منها يتسم بأنه أبسط من سابقه بكثير، كما إن مهارة الشخص الذي تعتمد مهنته في الحياة على أدائه، تتسم بأنها أكبر بكثير عموما. إن السرعة التي يتم بها أداء بعض عمليات هذه الصناعات تتجاوز ما يفترض باليد البشرية أن تؤديه بعد أن تمتلك المهارات اللازمة للعمليات التي لم تألفها من قبل.

ثانيا، إن المنفعة المكتسبة من توفير الوقت الذي يضيع عموما في الانتقال ما بين نوع معين من العمل إلى نوع آخر، هي منفعة تتجاوز بكثير ما يمكن أن نتخيله للوهلة الأولى. فمن المستحيل أن ننتقل بسرعة كبيرة من نوع معين من العمل إلى نوع آخر يجري في مكان آخر وبأدوات مختلفة كليا. فمثلا، إذا كان الحائك يقوم على رعاية حقل في الريف فسيفقد قدرا كبيرا من الوقت في الانتقال من نول النسيج إلى الحقل، ثم الرجوع إلى النول. ولا شك في أن خسارة الوقت تكون أقل بكثير عندما يجري العملان في المكان ذاته، لكن الخسارة تبقى كبيرة جدا حتى في هذه الحالة. إن من عادة الإنسان أن يتلكأ قليلا في الانتقال بين عملين، وعندما يبدأ العمل الجديد لا يكون على قدر كبير من الحماس، ولا ينتبه له ذهنيا، ويفضل الاستهانة به على التركيز عليه. إن عادة التلكؤ والعمل البطيء المهمل، والتي يكتسبها بشكل طبيعي كل عامل ريفي يتحتم عليه تغيير عمله وأدواته كل نصف ساعة والخوض بيديه في عشرين عملا طوال كل يوم من حياته، إنما هي عادة تجعله متراخيا وكسولا دائما، وعاجزا عن أي عمل يتطلب النشاط حتى في أحلك الظروف. ولذلك، فإن تخلصه من نقص المهارة يعد سببا كافيا لوحده في التخفيف الكبير من كمية العمل التي يمكنه أن يؤديه.

ثالثا، وأخيرا، يجب على الجميع أن يحيطوا علما بما يمكن لتطبيق الآلة المناسبة أن يحدثه من تسهيل العمل واختصاره، والأمثلة هاهنا كثيرة لا داعي لذكرها. وينبغي التذكير بأن اختراع هذه الآلات جاء أصلا بسبب تقسيم العمل. فالناس أكثر ميلا بكثير إلى اكتشاف أساليب أسهل وأكثر جاهزية للحصول على أي شيء عندما يكون التركيز الكلي لأذهانهم منصبا على ذلك الشيء بعينه، وذلك بالمقارنة مع ما يكون عليه الحال حينما يتشتت الانتباه على أشياء كثيرة متنوعة. وفي حالة تقسيم العمل يكون التركيز منصبا بشكل طبيعي على شيء واحد بسيط جدا، ولهذا فمن الطبيعي أن نتوقع قيام أحد المتخصصين بفرع من فروع العمل باكتشاف أساليب أسهل وأكثر جهوزية لأداء ما يقوم به من عمل، وذلك إذا كانت طبيعة العمل تسمح بإدخال هذا التحسين. إن الكثير من الآلات المستخدمة في المصانع التي تعتمد تقسيم العمل إنما جاءت في الأصل كاختراعات لعمال عاديين أدى توظيفهم في عمليات بسيطة جدا إلى تركيز أذهانهم بشكل طبيعي على إيجاد أساليب أسهل وأكثر جاهزية لأدائها، ومن يعتد على زيارة أمثال هذه المصانع يصادف الكثير من الآلات الجميلة التي اخترعها أمثال هؤلاء العمال لتسهيل وتسريع ما يقومون به من أقسام العمل. وإليك هذا المثال: في المحرك الناري الأول كان يتم توظيف فتى يقوم بالفتح والإغلاق الدائم للوصلة ما بين المرجل والأسطوانة، وذلك بحسب ما إذا كان المكبس صاعدا أم نازلا؛ وكان هنالك فتى يعمل في هذه الوظيفة ويحب اللعب مع أقرانه، ولاحظ ذات يوم أنه يمكن ربط حبل ما بين مقبض الصمام الذي يفتح الوصلة وما بين الجزء الآخر من الآلة، وعندها يمكن للصمام أن يفتح ويغلق دون مساعدته، مما يعطيه الحرية للعب مع أقرانه. وهكذا فإن أحد أفضل التحسينات التي دخلت على هذه الآلة منذ اختراعها كانت بفضل اكتشاف فتى أراد استثمار عمله بشكل أفضل.

ولكن كل هذه التحسينات المدخلة على الآلات لم تكن أبدا من اختراع أشخاص تعاملوا معها بشكل عرضي. فالكثير منها جاء بفضل مهارة صانعيها عندما تحولت صناعة الآلات إلى مجال خاص من مجالات العمل، ومنها ما جاء بفضل من يدعون بالفلاسفة أو المتفكرين والذين لا يقوم عملهم على القيام بأي شيء وإنما على ملاحظة كل شيء، والذين يقدرون بهذا الاعتبار على تجميع قوى الأشياء الأكثر تباعدا واختلافا. وخلال تقدم المجتمع تصبح الفلسفة أو التفكر، شأنها شأن أي وظيفة أخرى، الاتجاه والعمل الرئيسي والجوهري لفئة محددة من المواطنين. وكما هو حال أي وظيفة أخرى، فإن الفلسفة أو التفكر تنقسم إلى عدد كبير من الفروع المختلفة، وكل فرع يشكل وظيفة لفئة معينة من الفلاسفة، ومن شأن هذا التفرع أن يؤدي إلى النتائج نفسها التي نتجت عنه في فروع العمل الأخرى، وهي: تطوير المهارات، وتوفير الوقت. وهكذا يمكن لكل فرد أن يصبح أكثر خبرة في فرعه التخصصي، ونحصل على مزيد من العمل في المحصلة الإجمالية، وترتفع السوية العلمية على نحو كبير.

إن التضاعف الكبير في إنتاج كافة المجالات المختلفة بعد تطبيق تقسيم العمل، يتمخض عن ثروة شاملة تصل إلى متناول أدنى طبقات المجتمع، وذلك بشرط توفر حكومة جيدة تدير المجتمع. وبذلك يحصل كل عامل على كمية كبيرة من عوائد عمله الخاص لإنفاقه في مجالات تتجاوز ما يريد، كما إن أي عامل آخر، في الوضع نفسه، يمكنه أن يتبادل كمية كبيرة من بضائعه مقابل كمية كبيرة من بضائع عامل آخر، أو مقابل ثمن كمية كبيرة من هذه البضائع الأخرى؛ فيوفر لهم ما يريدونه بقدر ما يشاؤون، ويزودونه في المقابل بما يريد ويشتهي، وهكذا تنتشر الثروة ما بين كافة شرائح المجتمع.

إذا ما لاحظت المستوى المعيشي لمعظم العمال المحترفين أو العاديين في بلد متحضر ومزدهر فستجد أن هنالك عددا لا يحصى من العمال الذين يشاركون ولو بشكل جزئي في تأمين هذا المستوى المعيشي؛ ولنأخذ المعطف الصوفي الذي يرتديه العامل العادي كمثال: فمهما كان هذا المعطف خشنا وعاديا، فإنه يمثل حصيلة العمل المشترك لعدد هائل من العمال: الراعي، ومنتقي الصوف، ومن ينظفه ويمشطه، والصباغ، والمشذب، والغزّال، والقصّار، والخياط وغيرهم الكثير ممن تتضافر اختصاصاتهم في إنتاج حتى هذه السلعة المتواضعة. وإلى جانب هؤلاء، كم هنالك من التجار والناقلين الذين ينقلون مواد الإنتاج من عامل إلى آخر مهما تباعدت بينهم المسافات! وكم هنالك من بناة السفن والبحارة ووكلاء الرحلات البحرية وصانعي الحبال الذين تتم الاستعانة بهم لإيصال كافة المواد الكيميائية التي يحتاجها الصباغ من بقاع الأرض النائية! وكم هنالك من التنوع الضروري في العمل لإنتاج الأدوات التي يستخدمها أبسط العمال الذين تتضمنهم صناعة ذلك المعطف! فإذا غضضنا النظر عن الآلات المعقدة كسفينة البحّار وآلة القصّار وحتى نول الحائك، لا بد أن نلاحظ كم من العمل المتنوع نحتاجه لإنتاج المجزّ الذي يقص به الراعي صوف الغنم: فهنالك عالم المنجم، ومن يبني الفرن الذي يصهر فيه المعدن الخام، وقاطع الأخشاب، وصانع الفحم الذي يستخدم في فرن الصهر، وصانع الآجر، وباني الفرن، وعامل الفرن، والمتخصص في إنتاج المعادن، ومن يحول الحديد الخام إلى حديد مطاوع، والحداد؛ فكل هؤلاء يمزجون فنونهم المختلفة لإنتاج هذا المجزّ. وإذا أردنا أن نتناول بالطريقة نفسها كافة ملابس ذلك العامل وما في منزله من أثاث: قميصه الداخلي المصنوع من الكتان، وحذاءه الذي يغطي قدميه، وسريره الذي يستلقي عليه وما به من مكونات، وموقد النار الذي يطبخ به طعامه، وما يستهلكه الطبخ من فحم يستخرج من أعماق الأرض ويصل إليه عبر رحلات بحرية وبرية طويلة، وكل ما في المطبخ من أوعية، وكل ما على طاولة الطعام من سكاكين وشوكات وصحون يقسم فيها الطعام، والأيدي العاملة المختلفة التي شاركت في صنع خبزه وشرابه، والنافذة الزجاجية التي تسمح بدخول الحرارة والضوء دون الرياح والمطر، مع كل المعرفة والمهارة المستخدمة لتحضير الابتكارات الجميلة البهيجة التي ما كان ممكنا لولاها أن تحظى الأجزاء الشمالية من هذا الكوكب بمستوى معيشي مريح جدا، وذلك بالإضافة إلى الأدوات التي يوظفها مختلف العمال القائمين على إنتاج وسائل الراحة المختلفة التي ذكرناها. فإذا ما تفحصنا كل ذلك، وتفكرنا في كل مجال متنوع من العمل يوظف لإنتاجها، فسندرك بأنه من دون مساعدة وتعاون الآلاف من الناس لن يكون ممكنا لأكثر الناس تواضعا في المستوى المعيشي في الدول المتحضرة أن يوفر، حتى في أشد التخيلات جموحا، ما يعيش به من مستوى معيشي سهل وبسيط. إن هذه السهولة والبساطة تبدو بشكل شديد الوضوح عندما تقارن بفخفخة أمير أوروبي، ولكن تسهيلات الحياة التي يتمتع بها هذا الأمير لا تبتعد كثيرا عما يتمتع به فلاح مجتهد مقتصد، وذلك إذا قارنا ذلك بالهوة التي تفصل مقتنيات هذا الفلاح عن مقتنيات ملك أفريقي يتحكم بمصائر وحريات عشرات الآلاف من الهمج العراة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018