رسائل فولتير الفلسفية:في التجارة

temp29 مارس، 20120

الرسالة العاشرة لفولتير
إن التجارة التي جلبت الثروة إلى شعب بريطانيا، قد ساهمت أيضا في جعلهم أحرارا، وبدورها، أدت الحرية إلى تنمية التجارة. وبواسطة التجارة وصلت هذه الأمة إلى منزلة العظمة، ومن خلالها اشتد عود القوات البحرية شيئا فشيئا حتى جعلت من الانكليز سادة البحار، حيث وصل تعدادها إلى مئتين من السفن تقريبا. وستتفاجأ الأجيال الحالية عندما تعلم بأن أسلافها كانوا يعيشون على جزيرة ليس فيها من الموارد سوى القليل من الرصاص والقصدير وأتربة التنظيف والصوف الخشن، ثم أصبحت، مع التجارة، قوية بما يكفي لترسل في العام 1723 ثلاثة أساطيل في الوقت ذاته إلى ثلاثة أطراف مختلفة من أطراف الأرض: أسطول لحراسة مضيق جبل طارق الذي استولت عليه وحافظت عليه بفضل أسلحتها، وآخر إلى بورتبيلو لتجريد ملك اسبانيا من كنوز بلاد الإنديز، وثالث إلى بحر البلطيق للحيلولة دون تقاتل القوى الشمالية.
عندما كانت غزوات الملك لويس الرابع عشر تهز إيطاليا، وجيوشه تستعد للاستيلاء على تورين بعد أن فتحت سافوي وبيدمون، كان يتوجب على الأمير يوجين أن يزحف من أقاصي ألمانيا لنجدة دوق سافوي، ولم يكن يملك حينها أي أموال على الإطلاق، ومن دون الأموال يستحيل الهجوم أو الدفاع، فقدم طلبا بما يحتاج إلى بعض التجار الانكليز، وفي نصف ساعة استطاع الحصول على قرض مقداره خمسون مليونا، فتمكن من تحرير تورين، وهزيمة الفرنسيين، وكتب رسالة قصيرة إلى من أقرضه الأموال قال فيها: «أيها السادة، لقد تلقيت أموالكم، ويسعدني أنني وظفتها بما فيه رضاكم».
كل هذا يجعل التاجر الانكليزي محقا في افتخاره، ويسمح له بأن يجرؤ على مقارنة نفسه بالمواطن الروماني متسلحا بأسباب وجيهة، بل إنه يتفوق عليه، فالأخ الأصغر لأحد أرباب الحكم لا يتعرض للاحتقار إن هو قرر دخول ميدان التجارة، حيث نجد بأن اللورد تاونزند، وزير الخارجية، لديه أخ سعيد بكونه تاجرا في المدينة، وعندما كان اللورد أوكسفورد يحكم انكلترا، كان أخوه الأصغر يعمل وسيطا تجاريا في حلب، ولم يرغب بالعودة إلى وطنه حتى مات هناك.
هذا التقليد، والذي بدأ يغيب مع الأسف، يبدو أمرا غريبا لدى الألمان المفتونين بانتماءاتهم النبيلة، حيث لا يمكنهم أن يتخيلوا كيف يمكن لابن أحد الأسر البريطانية النبيلة أن يكون برجوازيا قويا وغنيا فحسب، بينما ينصب اهتمامهم على النبالة، ويصل الأمر بهم إلى أن يكون هنالك ثلاثون (فخامة) يحملون الاسم نفسه، ودون أن يكون هنالك ما يدعم هذه المنزلة غير الفخر وشعار العائلة.
أما في فرنسا فللكل الحق في أن يكون ماركيزا، كما إن كل من يصل من أقاصي مقاطعات فرنسا وبجيبه بعض المال وفي نهاية اسمه مقطع (اك) أو (إيل) فالمجال متاح أمامه للاستمتاع بنطق عبارات من أمثال «شخص من نوعي» أو «شخص من مرتبتي ومنزلتي»، والنظر بعين متعالية إلى تاجر الجملة. أما هذا التاجر فقد اعتاد على سماع عبارات الاحتقار بحق مهنته إلى حد يجعله شديد الحماقة فيحمر خجلا. ومع ذلك فإنني لا أعلم أيهما أنفع للدولة: نبيل معطر يعلم أوقات استيقاظ الملك ونومه ويتظاهر بمظاهر العظمة بينما يلعب دور العبد طلبا للقاء أحد الوزراء، أم تاجر عظيم يغني بلاده ويرسل شحنة من البضائع إلى الهند ومنها إلى مصر، ويساهم في رخاء العالم.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018