مع الحياة – حياة غير آمنة .. حكاية جيل لم يهزم بعد

منبر الحرية1 مارس، 20120
في الكتاب روح النسور المحلقة في فضاء الجنوب وقراه، ترتفع لتصل إلى فلسطين، تضيء سهولها وهضابها وجبالها بأمل التحرير بمداد الدم والتضحيات، وفيه ذكر لمناضلين استمروا وانتقلوا إلى مواقع كثيرة....

فتحي البس*

تنثال ذاكرة شفيق الغبرا على صفحات كتاب جديد عن تجربة الثورة بعنوان”حياة غير آمنة-جيل الأحلام والإخفاقات”.ذاكرة تنزف وجدا وحسرة على ما آلت إليه حال الثورة الفلسطينية عموما، وفتح خصوصا، وبأكثر خصوصية، تجربة الكتيبة الطلابية كتيبة الجرمق”.

القى شفيق ضوءا على طفولته وشبابه الأول وظروف عائلته وأصلها وانتقالها من مكان إلى آخر إلى أن انتهى بها المطاف في الكويت منذ أوائل الستينيات، ودور والده الطبيب ناظم الغبرا، خريج الجامعة الأمريكية في بيروت في خدمة محيطه الأمر الذي قاد إلى منحه وعائلته الجنسية الكويتية، فبدأت ثنائية الولاء والانتماء، فقد وجد شفيق نفسه، ككل الفلسطينيين الذين انتقلوا إلى بلاد ومجتمعات أخرى، يبنون فيها وعينهم على فلسطين، يتوقون للعودة ولا يتوانون عن بذل الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على هويتها ومنع شطبها عن خارطة العالم الجغرافية والسياسية.

هيأ والد شفيق له حياة آمنة ورغيدة، وفر له التعليم في أفضل المدارس والجامعات في الكويت ولبنان والولايات المتحدة، وكان يمكن أن يتبوأ منذ البداية مناصب رفيعة في الكويت خاصة وانه كان لوالده علاقة صداقة خاصة وعائلية مع أمير الكويت الذي نصحه أكثر من مرة خلال لقاءات حميمة أن يتخلى عن طريق المقاومة ويبقى في الكويت، معززا مكرّما، لكنه، مثل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بإصرار وإحساس بالمسؤولية لبّى نداء الواجب، والتحق بفتح وعاش حقبة مع كتيبة نسور العرقوب ليستقر لسنوات طويلة مناضلا في صفوف كتيبة الجرمق، بعد أن وجد فيها ما يتلاءم مع أفكاره وأخلاقياته حيث تعدد الأفكار والانتماءات الدينية واليسارية والقومية موّحدة في خط جماهيري مقدام، ينحاز للناس ويحترم الآخر ودائما في طليعة المواجهين للأعداء باقتدار وجسارة دون التباهي والتفاخر، ينحني أعضاءه احتراما لبقية كتائب العاصفة والمناضلين في الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ويحتضن عربا وأجانب اختاروا أن يواجهوا العدو الصهيوني وحلفاءه، دون أن تحرفهم المعارك التي فرضت عليهم خارج مواجهة العدو عن هدفهم الرئيس دائما، مواجهة العدو على أمل الانتصار، الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن، لكنهم اختاروا أن يؤسسوا لتحقيقه بتضحياتهم الكبيرة.

في الطريق إلى العرقوب بصحبة محجوب عمر، اختار شفيق اسمه النضالي الذي عرف به “جهاد” ليكون لقاءه الأول مع محمد علي، الذي علّمه من البداية التواضع والإقدام والجسارة.

على مدى صفحات تقترب من الاربعمئة، يعرض “جهاد” تجربته الشخصية في كافة المواقع، في العرقوب، وبيروت والجبل والجنوب وتفاصيل معارك ومواجهات قاسية هددت حياته وشهد خلالها فقدان إخوة ورفاق درب.تنير الصفحات أسماء مناضلين استشهدوا وآخرين ما زالوا على قيد الحياة، تفر الدمعة من عين من شهد التجربة، أو لامست وجدانه وكان خارجها. إنها تفاصيل الحياة القاسية والمواظبة والصبر التي مر بها كل فدائي ومناضل حيث يجد في رواية “جهاد” بعضا مما مر به وما كابده.

شهد “جهاد” المعارك والتحولات السياسية والفكرية، وأعطى من تذكر من إخوته في المعركة حقهم بحدود ما عرف أو عاش، صحيح انه كان يروي قصته، لكنها في الواقع قصة كل من عاش التجربة، لذلك لم استسغ مراجعة الكاتبة منى سكرية للكتاب في صحيفة الحياة اللندنية حيث غمزت في أكثر من موقع من قناة جهاد بدعوى فردانية الحكاية وتركيزها على الذات وطرحت أسئلة ليس من واجب جهاد أن يرد عليها، فيها قصدية التقليل من جهد المقاومة بمجموعها.

في الكتاب روح النسور المحلقة في فضاء الجنوب وقراه، ترتفع لتصل إلى فلسطين، تضيء سهولها وهضابها وجبالها بأمل التحرير بمداد الدم والتضحيات، وفيه ذكر لمناضلين استمروا وانتقلوا إلى مواقع كثيرة، كأبي الفتح، وأبي حديد، ومحمود العالول، وعشرات غيرهم، كبروا منذ كانوا في ربيع العمر على أخلاقيات الثورة وخط الجماهير ومناقبية العاصفة والجرمق.

يرصد الكتاب بأسى نهاية كتيبة الجرمق وفق رؤية “جهاد” بتحوّل بعض كوادرها ومنظريها إلى الإسلام السياسي، الأمر الذي أدى إلى مغادرة عدد من خيرة شبابها أرضها ليعودوا إلى أصولهم الدينية المذهبية أو الفكرية أو إلى مواقع عمل في بلاد مختلفة دون التقليل من شأن العدد الأكبر الذين استمروا في المواجهة دون الالتفات إلى الصراع الفكري فخاضوا معارك الثورة التي تلت مغادرة “جهاد” للكتيبة عام 1981.

نعم، حياة المناضلين لم تكن آمنة، لكنهم لم يكونوا جيل الأحلام والإخفاقات كما ورد في العنوان الفرعي.كانوا جيل العمل والتضحية والفداء والإيثار، غلبتهم الظروف، وتقاعس الحلفاء، وتقاتل أصحاب المشاريع الثانوية، واستفراد العدو بهم بعد أن سكتت الجبهات، لكن الأمل سكنهم دائما ويعيشون بمن فيهم “جهاد” قناعة أن تضحياتهم لم تذهب هباء، ففلسطين على الخارطة، جغرافيا وسياسيا وثقافيا وهوية ومؤسسات وأفرادا، يعتزون بأنهم ينتمون إلى شعب عجزت آلة الحرب الغاشمة، ومؤامرات الأعداء والحلفاء، عن إلغاء هويتهم أو وقف مسيرتهم، رغم كل الصعاب.

حياة غير آمنة، كتاب يستحق القراءة والتأمل والتفكير، ومراجعة ما ورد فيه من تجربة، وفيه تحفيز لكل المناضلين من أبناء شعبنا لكتابة تجربتهم الشخصية، فتجارب الأفراد تروي تجربة المجموع، لعل الأجيال الجديدة، تكتب حكاية الانتصار.

اكرر ما قلته إذ رويت تجربتي في كتابي «انثيال الذاكرة» وفي آخر جملة وعلى لسان كل جيلي:

قهرتنا الأيام لكنها لم تهزمنا بعد.

كاتب ونائب رئيس الناشرين العرب صاحب دار الشروق في الأردن

© منبر الحرية،01 مارس/اذار2012

إقرأ أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018