نوح الهرموزي11 ديسمبر، 20114
مظاهر من العنف الممنهج ضدّ بعض الفنانين والمثقفين وأساتذة الجامعات فضلا عن انتهاك حق النساء على اختلاف انتماءاتهن الطبقية والثقافية في اختيار زيّهن، وفي الأفق مشروع مجتمعي جديد يدعو إلى الفصل بين الجنسين والحدّ من مكتسبات النساء وتقييد الحريات يحدث هذا في تونس ما بعد الثورة.....

لا خوف بعد اليوم، شعار رفعه التونسيون حين ثاروا فأطاحوا بدكتاتورية عتيدة ولكن يبدو أنّ دوائر الخوف عادت من جديد لتفعل فعلها…، هي مخاوف كان يقال لنا أن لا مبرّر لها في ظلّ بلاد في طريقها نحو التحوّل الديمقراطي، وفي ظلّ أغلبيّة (حزب النهضة ) تعدنا بتحقيق أهداف الثورة وتكريس الديمقراطية  …وها نحن اليوم نثبت بالأدلّة والبراهين أنّ مخاوفنا مشروعة وليس الخبر كالعيان .

مظاهر من العنف الممنهج ضدّ بعض الفنانين والمثقفين وأساتذة الجامعات فضلا عن انتهاك حق النساء على اختلاف انتماءاتهن الطبقية والثقافية في اختيار زيّهن…وفي الأفق مشروع مجتمعي جديد يدعو إلى الفصل بين الجنسين والحدّ من مكتسبات النساء وتقييد الحريات … يحدث هذا في تونس ما بعد الثورة، ومع كلّ يوم جديد نباغت بأحداث عنف جديدة، وليس من قبيل الصدفة أن تتالى أحداث تنتهك فيها كرامة الأساتذة الجامعيين فمنذ أيام طلب من أستاذتين جامعيتين إعلان الشهادة أمام الجميع والالتزام بلبس زي شرعي، وقبلها طردت جامعية من مؤسسة عملها إذاعة الزيتونة بعد أن قرّرت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّها غير مؤهلة لتكون في هذا المنصب .
واليوم 28 نوفمبر 2011 فوجئنا بتهجّم فئة، من المرجّج أنّهم من السلفيين على الأقلّ هذا ما يشير إليه زيّهم وما تومئ إليه طريقتهم في عرض ذواتهم: لحى طويلة وقمصان باكستان أو أفغانستان قصدوا كليّة الآداب بمنوبة، مطالبهم الظاهرة تمكين المنقّبات من حقّهن في التعليم وتوفير فضاء للصلاة وبرنامجهم الخفيّ الذي تجلّى في خطاب بعض من اعتلى سدّة الخطابة أسلمة المؤسسات الجامعية وتطهيرها من العلمانيين وتحرير الكلية من جيل ممثّل للاستعمار جثم طويلا على أنفاسها .
ولم يكن الأمر مجرد كلام بكلام بل هو كلام بفعال فحين عرضوا برنامجهم وحاول بعض الأساتذة مقارعتهم الحجّة بالحجّة تبيّن لهم أنّهم لا يقدرون على المحاورة لأنّ العنف سيّد الميدان في شرعهم. احتجزوا العميد وبعض الأستاذة وأعدّوا العدّة لقضاء الليل وربّما الليالي …
ليست المسألة متعلّقة بحقّ منقبات بل هي محاولة فرض مشروع بالقوّة في وقت تمرّ به البلاد بظروف خاصّة. الرهان الحقيقي إذن: ضمان الحريات وتحقيق التعايش بين المختلفين أيديولوجيا وعقديا وسياسيا وثقافيا وفق مبدأ المواطنة والسير قدما نحو مجتمع تسوده منظومة قيمية تكفل الاحترام المتبادل والعيش معا.
كيف السبيل إلى تجنّب الصدام بين من يرى أنّ من واجبه أن يراقب وأن يفرض إرادته على الجميع ومن يدافع عن حق الفرد في الاختيار ومسؤوليته في تحمّل تبعات اختياراته. كيف نصون الحياة الخاصة وحرماتها تجاه سلطة جديدة كليانية ؟ كيف السبيل إلى مواجهة الفوضى بجميع أشكالها؟
ما كنّا نحسب أنّ الدكتاتورية تترك مكانا لنشأة دكتاتورية جديدة بمثل هذه السرعة وما كنّا نتوقّع أنّ أكبر إنجاز تحقّق في تونس منذ الجمهورية وكان مفخرة التونسيين بين الأمم سيستهدف مباشرة بعد الثورة وهي التي لم ترفع شعارات من قبيل نِقابي عنوان عفّتي ولا المصلى قبل الدرس …شباب الثورة طالبوا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وحقّ العمل … شهداء الثورة ضحّوا من أجل أن تعيش أجيال من التونسيين مستمتعة بحقوقها الأساسية والإنسانية، وشتّان بين مطالب هؤلاء وهؤلاء والأساليب المتوخاة: ثورة سلمية حضارية رفعت فيها الفتيات على الأعناق واشتبكت فيها أيادي الرجال والنساء، الشيب والشباب، حشود كالبنيان المرصوص تهتف الشعب يريد إسقاط النظام، ارحل. وهجمات منظمة واقتحامات للمؤسسات الجامعية ومنع للطلبة من إجراء امتحاناتهم بالقوّة، وسوقهم قسرا إلى الساحات وترويع الموظفين والموظفات وتهافت على الخطابة في زمن كثر فيه الناطقون نيابة عن الله.
كنّا ننتظر من جيل تحرّر من الاستبداد أن يبدع ، أن يشمّر على السواعد وأن يساهم في البناء ، أن يطرح علينا أفكارا جديدة ومشاريع وتصورات تطّور منظومتنا التعليمية المهترئة. كنّا ننتظر من شبابنا وشاباتنا مقترحات تعبّر عن تطلعاتهم وآمالهم، كنّا نتوقّع بناء علاقات تفاعلية جديدة غايتها محاربة الأمية والفقر والتهميش والقمع … ولكن يبدو أنّ الوقت لم بحن بعد مازال أمامنا الكثير.
وفي انتظار ذلك نقولها عاليا: نرفض ارتهان مؤسساتنا الجامعية فمسؤولية المربي/ة والمثقف/ة جسيمة تتطلّب منه الدفاع عن الثوابت الأكاديمية وأوّلها الدفاع عن استقلالية المؤسسات الجامعية، كما أنّنا لا نقبل ولن نقبل بسوق شباننا وشابتنا المغرّر بهم نحو الهاوية، نحو عبودية جديدة لخطاب يهدم ولا يبني لخطاب يفرّق ولا يجمع … سنحميهم ونحمي مؤسساتنا بكلّ ما أوتينا من جهد وحتى آخر رمق … شعارنا لن تمروا إلاّ على جثثنا.

* أكاديمية وباحثة من تونس.
© منبر الحرية،11 دجنبر/ديسمبر2011

إقرأ أيضاً

نوح الهرموزي

الدكتور نوح الهرموزي: أستاذ الاقتصاد في جامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب.


4 comments

  • فتحية حمودة

    11 ديسمبر، 2011 at 10:03 ص

    تونس اليوم في حاجة ماسة الى ثورة ثقافية فقد تبين جليا ان ما يحدث اليوم من انتهاكات صارخة على المؤسسات الثقافية والتربوية و اعتداء سافر على مثقفينا و مربينا خاصة النساء هو نتيجة تصحر ثقافي وتربوي على جميع المستويات كما انه يؤكد على الخلل الخطير في المنظومة التربوية ولعل الاهتمام باصلاحها لا يقل اهمية عن اصلاح المجالين السياسي والاقتصادي

    Reply

  • فؤاد انور عبد الرحمن

    11 ديسمبر، 2011 at 1:38 م

    لاتصدق الشعوب ماحدث بالمنطقة العربية من احداث متعاعقبة متطابقة السيناريو في الاقطار العربية بالتتابع الغريب والمثير للاستغراب وتصورت الشعوب ان امريكا والغرب خلفها سيجلب الديمقراطية والعدالة للعرب ولم يكن يكفي العرب تجارب دموية مريرة وانتهاك بشع لحقوق الانسان ونهب ثروة الشعوب وتمزيقها في فلسطين ثم العراق ثم الصومال والسودان وكان هناك سيناريو اخر غير مكلف للغرب علي الاقل الذي تحركه امريكا والصهيونية في استخدام معاناة الشعوب العربية من انظمة حكم داستها باسوا النعال والاستبداد والقمع الوحشي مقابل الحصول علي رضي امريكا واسرائيل اقول استخدمت امريكا تلك المعاناة في استبدال عملائها من حكام العرب بعملاء جدد يلبسون العمائم ولايهم اصحاب العمائم اي شيء حتي الخيانة اذا كانت تحقق مصالحهم في الوثوب علي السلطة بركوب الثورات العربية في طريق سلس فرشته لها امريكا لاحلال الديكتاتوريات التي انتهت صلاحيتها بدكتاتوريات اسوا تحمل شعارات الدين ولم يكن اي قطر عربي بعيد عن الحرب الدموية التي اشتعلت في ليبيا وحولتها الي انقاض علي يد تلك الجماعات التي تمارس جرائمها الوحشية باسم الدين والان يكتشف التونسيين هذه الحقيقة البشعة بعد فوات الاوان والبديل هو مواجهات جديدة او حرب اهلية علي غرار ماحدث في ليبيا والصومال سابقا وللاسف فان مصر تنزلق الان الي هذا الطريق وما يحدث في سوريا هو نفس السيناريو الكريه فان الذي يحمل السلاح هناك ويشعل الحرب الاهلية هي ايضا تلك الجماعات المرتدة الي عصور الاظلام باسم الدين لقد نجحت تلك الجماعات في الوثوب دفعة واحدة الي كل منافذ الاعلام لتبشر بعصرها الجديد وللاسف صدق كثيرين اما اصحاب الثورات فربما سيقوا الي المقصلة واحدا تلو الاخر بمجرد ان تستقر تلك الجماعات في مقاعد السلطان والقوة المدججة وغدا تعرف الشعوب انها استبدلت النار بجحيم لاقبل لهم به وهاهي البدايات قد لاحت في الافق حتي يطوي الجميع حممه وسعيرها لتعود هذه الشعوب الي حالات الرعب والخوف والاذعان وهي اشياء تمرست عليها لتعود الي انزوائها وانطوائها من جديد او الي حرب اهلية لاتعرف الهوادة او الرحمة

    Reply

  • mokhtari houcine

    12 ديسمبر، 2011 at 5:03 ص

    عذرا لمن يتحدث عن المعارضة الصحّية و هو يمارس نفس السياسة الإستبدادية لنظام بن علي مستعينا بوسائله لكن ببعض الأسماء الجديدة .الإختلاف لا يعني نفي الآخر.بل يعني محاورة الآخر و عدم النظر إليه على أنه عدو.فمفهوم التعايش بين البشر يقوم على التنازل بينهم البعض للبعض.و نجاح العدل في مختلف مظاهره لا يكون إلا بالعدالة الإجتماعية أولا و آخرا.

    Reply

  • chaimae

    19 ديسمبر، 2011 at 7:26 ص

    ان تنازلت عن حريتك فقد تنازلت عن نفسك

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018