على خلفية أحداث أيلول: مفارقات ثقافية وسياسية عربية عامة

منبر الحرية24 سبتمبر، 20110
لا تزال أحداث 11 أيلول 2001 التي شكلت صدمة سياسية وفكرية للعالم كله، تلقي بظلالها المتعددة الألوان والقراءات على حركة الواقع السياسي العربي والعالمي المعاصر بعد مرور عقد من الزمان على تفجرها في ذلك اليوم المشؤوم من تاريخ البشرية حيث حطت رحال الفكر المنغلق على معقل حيوي هام من معاقل الحضارة الغربية الحديثة معلناً بدء مرحلة جديدة في تاريخ الصراع .....

لا تزال أحداث 11 أيلول 2001 التي شكلت صدمة سياسية وفكرية للعالم كله، تلقي بظلالها المتعددة الألوان والقراءات على حركة الواقع السياسي العربي والعالمي المعاصر بعد مرور عقد من الزمان على تفجرها في ذلك اليوم المشؤوم من تاريخ البشرية حيث حطت رحال الفكر المنغلق –الذي ساهم ليس فقط العرب بل حتى الغرب في استنباته ونموه واستثماره- على معقل حيوي هام من معاقل الحضارة الغربية الحديثة معلناً بدء مرحلة جديدة في تاريخ الصراع والسجال الفكري والسياسي وحتى العسكري بين الغرب من جهة وبين الإسلام أو لنقل بعض المتأسلمين من جهة أخرى..

والقول بأن ذلك التاريخ قد شهد بداية مرحلة جديدة أخرى في مسيرة هذا التدافع والتلاقح غير المنتج بين الحضارتين، نابع من أن تلك الحادثة تستولد مزيداً من الأسئلة الإشكالية ذات الصلة بقضايا الحركات الأصولية التي خرجت من رحم الهزائم العربية المتتالية، ومسألة الحوار غير المتكافئ بين الإسلام والغرب، وقضية منطق القوة أو السلام، واستخدام منهج العنف أو السلم للوصول إلى الحكم، وكل ما يتصل بتلك المواضيع من الحكم والسلطة ومنهج العنف لدى الإسلاميين الذي ورثوه عن حركات اليسار الماركسي والقومي.. ومن حيث أنها –تلك الحادثة الأيلولية- جاءت لتشكل قمة انفجار جبل الجليد الذي طبع ومن ثم ميز تلك العلاقة العدائية الخصامية بين الحضارتين على مدار عقود زمنية طويلة..

وقد جاءت هذه الأحداث في أعقاب تاريخ حافل بالصراعات والحروب والتناقضات بين الحضارتين كانت لأسنة الرماح فيه الكلمة الأعلى منذ الحروب الصليبية وحتى عهد الاستعمار القديم والجديد الذي لم ينته إلا منذ عقود مضت، حيث انتدب هذا الاستعمار الجديد نفسه لتعليم الشرق أسس الحضارة.. مع أن الواقع كان يقول بأن خروج الغرب نحو الشرق تحت ستار إنساني لم يكن إلا بدافع اقتصادي بحت للبحث عن مواد خام جديدة في عوالم بكر غير مكتشفة، تساهم في استمرارية آلة الحضارة الغربية بالعمل، ومحاولة إيجاد أسواق لتصريف منتجات حضارة حديثة خارجة من رحم عصر صناعي حديث، بدأ بالإنتاج والتفجر في العالم الغربي كله..

وهكذا جاءت أحداث أيلول، وما تبعها من حربين شبه عالميتين شنتهما الولايات المتحدة مع حلفائها، في سياق حملتها على “معاقل الإرهاب” في كل من أفغانستان والعراق (باتت الإدارة الأمريكية تفضل اعتباره وتسميته بالحرب على تنظيم القاعدة)، وحروب أخرى جزئية سريعة في غير منطقة من العالم، جاءت كلها لتفتح مزيداً من الجروح الدامية القديمة، ومزيداً من الصراعات الجديدة، وتستولد عدداً من الأزمات والتعقيدات في طبيعة تلك العلاقة المأزومة أصلاً بين الشرق والغرب، ولتقدم لنا أيضاً فكرة واضحة عن الفشل الذريع للاستخدام المفرط للقوة العارية -كعلاج جذري من الخارج- في حل مشاكل العالم وبخاصة أزمات وأمراض تلك الشعوب الفقيرة والمستضعفة في غير بقعة من العالم، والفشل شبه الكامل للمشكلة الأكبر التي يعاني منها الجميع وهي مشكلة الإرهاب والعنف الأصولي.. ولو أنني أعتبر أن جذر ومسار المشكلة المطروحة لم يكن بتلك الرؤية وبذاك العلاج الجراحي فقط، بل كانت تلك المشكلة والمرض الخطير بحاجة ماسة لنوع آخر من العلاج الحقيقي المجتمعي العام، لم يتحرك أو ينطلق إلا في الآونة الأخيرة.. وهو بدء العمل على العلاجات الثقافية والاقتصادية والتنموية التي تأخذ بعين الاعتبار حاجة الناس للحرية الطبيعية والاجتماعية، وتحقيق الحد الأساسي المطلوب من عوائد الاقتصاد والتنمية البشرية (ما نسميه باقتصاد الرفاه)، وفسح المجال للناس للعيش في الهواء الطلق بدل النزول للعمل السري تحت الأرض..

ويبدو لي أن هذه الأمنيات المتمحورة حول قضية الحرية والعيش بكرامة لم تتمكن تلك الدول الكبرى من تأمين مناخ آمن لها في البيئة العربية بالرغم من كل شعارات الإنسانية التي طرحت في السابق، كما أن النظم العربية التي قامت في أعقاب التحرر الوطني والاستقلال عن المستعمر الخارجي منذ عقود لم تتمكن كذلك من بناء مجتمعات عربية حرة ومتطورة، حيث بقيت مدعومة من قبل مختلف الإدارات الغربية على مدى أكثر من ستين عاماً لضبط مجتمعاتها وتأمين مصالح الغرب فيها وضمان أمن إسرائيل أيضاً..

وهكذا استمرت تلك السياسة الغربية الداعمة للنظم المستبدة من أجل أجندتها المصلحية النفعية على حساب الشعوب المفقرة والمستضعفة، حتى جاء “الحدث الأيلولي” الذي أحدث انقلاباً في بنية التفكير الغربي التقليدية المعروفة تلك، فبدأ التفكير جدياً بتحليل ودراسة تلك المرحلة السابقة على 11 أيلول، أثمرت عن فهم جديد ربما سيكون مختلفاً عن سابقه، بني على نقد تلك المرحلة من تاريخ العلاقة مع الشرق الإسلامي، والاعتراف بخطأ دعم أنظمة حكم ديكتاتورية فاشلة، لم تقم بأي عملية تنمية ثقافية أو اقتصادية أو سياسية حقيقية في بلدانها، بل إنها استثمرت في مصالحها الخاصة على حساب مصالح الناس، فكان الغضب الجماهيري الإسلامي على الغرب كله وعلى كل ما ومن يمثله في منطقتنا العربية.. وكان طلب الناس هو ضرورة إنهاء الدعم والحماية الغربية لتلك النظم العقيمة.. والبدء بالتعامل مع الناس والمجتمعات، والعمل على حل مشاكلها التي تسببت بها تلك النظم من خلال استبدادها وفسادها المحمي غربياً.. بدلاً من فتح الأحاديث النظرية حول الحوار الحضاري، والحوار الإسلامي المسيحي، وحوار الشرق مع الغرب، فالناس طلبت وتطلب العمل الميداني التنموي على الأرض ليس إلا..

ولكن أي شيء من هذا لم يحدث على الأرض للأسف، حتى بدأت الانتفاضات والثورات العربية مؤخراً التي فاجأت العالم كله، وخلطت معها معظم الأوراق الداخلية والخارجية، ودفعت الغرب باتجاه اتخاذ القرار النهائي الحاسم للقطيعة الكاملة مع أنظمة الرعب والاستبداد العربي.. وبدء زمن الشعوب المتحررة التواقة للعمل السياسي الديمقراطي السلمي التداولي..

وفي ظني أن بداية تصحيح مسار الحدث الأيلولي المشؤوم قد جاء من خلال هذه الثورات العربية، من خلال إصرارها على تحقيق الحرية والاستقلال والخلاص من أنظمة الطغيان والفساد التي تسببت في حدوث واستمرار مزيد من مناخات القهر وانغلاق وتحجر مجتمعاتها، حيث أنه لم يكن كافياً أبداً أن نعترف فقط بأننا نتحمل كثقافة وتاريخ ونصوص معرفية، الجزء الأهم في نشوء تلك الرؤى المغلقة والمفاهيم العدائية الرافضة للآخر، والمؤسسة لحالة فكرية شرقية عامة –هي أقرب إلى العقلية الضيعوية منها إلى العقلية الحداثية المدنية- تعتبر أن كل ما يأتينا من دنيا الغرب مطبوع بنظرية التآمر، وممزوج كله أو بعضه بروحية وعقلية المؤامرة حتى لو قدم لهم على طبق من ذهب، بالرغم من أن هؤلاء أنفسهم –أي أتباع هذه الرؤية والمنهج الفكري الشرقي الإسلامي تحديداً- يشترون ويتعاطون ويتعاملون ويستثمرون في منتجات واختراعات هذا الآخر، ولكنهم يرفضون نسيجها الثقافي الفلسفي المفضي والمؤسس لتلك المخترعات، وينكرون السياق الفكري المنتج للمجال الحضاري المادي، ولا ينفتحون –إلا فيما ندر- على ثقافة هذا الغرب التي أنتجت تلك الاكتشافات والإبداعات العلمية الهائلة، ولا تزال..

ولا يعني هذا الكلام أن الغرب تحول إلى الأم “تيريزا” من نوع آخر، ضحت بحياتها في سبيل إسعاد الإنسانية، أو أنه أضحى جمعيات بر وإحسان توزع الخيرات على الناس بالمجان.. بل يمكن القول بأن الغرب –مثل باقي الأمم والقوى والحضارات- يمارس السياسة بالمصالح وليس بالمبادئ، وهذه قاعدة ثابتة منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، واستمرت، وستستمر على الدوام، وطالما أن المصالح هي التي تحكم العلاقات والتبادلات بين الدول، فستبقى المؤامرات والمخططات جزءاً من سياسات ومصالح كل الدول، فهذا أمر طبيعي، ولكن الأمر غير الطبيعي هو أن نعلق أخطاءنا ومشاكلنا وأزماتنا التي هي من صنعنا وبسبب فشل سياساتنا على مشجب المؤامرة على الدوام.. كما هي حالتنا العربية الراهنة التي يلوك فيها معظم حكامنا الأشاوس ومن لف لفهم من المثقفين والوعاظ وأبواق البلاطات الملكية والجملوكية العربية، خطابات المؤامرة من المهد إلى اللحد..هنا تكمن المأساة، في أن تلغي وجودك، وترهن إرادتك للآخر المتهم بالتآمر وحبك الدسائس والمخططات لإسقاطك لأنك ممانع ومقاوم وصامد وصاحب خط مبدئي وقضية عادلة تدافع عنها.. وووالخ.. وكأن المؤامرة قضاء وقدر مبرم لا راد له.. والمشكلة التي يمكن ملاحظتها في معظم تاريخنا السياسي والفكري العربي المعاصر أن الشكوى والتذمر الرسمي وحتى الشعبي من نظرية المؤامرة، لم يقترن طوال تلك الفترة مع أي عمل حقيقي ميداني على الأرض لمواجهة تلك النظرية، وإسقاطها، والإجهاز عليها، وعلى لعنتها الأبدية التي تلاحقنا من جيل إلى آخر محولة حياتنا العربية –السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها- إلى ما يشبه العيش الدائم في أتون الجحيم من هيمنة أجواء الترهل والفساد ودوام ليل الاستبداد والقمع..

 ولا أدري إن كان هؤلاء الممسكون بدفة الحكم العربي قد واجهوا أنفسهم بسؤال عن سبب تفرد العرب فقط دوناً عن باقي شعوب الأرض بالتذمر والشكوى الدائمة من طغيان نظرية المؤامرة على حياتهم بالكامل، بما يريحهم عن العمل والنشاط والتفكير الصحيح، مع أن كثيراً من تلك الشعوب مرت وتمر بمحن وأهوال (ربما أشد من تلك التي مررنا ونمر بها نحن العرب) ويتآمر عليها ولكن نراها تقوم من سباتها، وتستنهض ذاتها، وتتغلب على سلبيات وعوائق وجودها، وتختط لنفسها طريقاً قوية في دروب الحضارة الإنسانية الواسعة التي تتسع للجميع (من مالكي العقل والإرادة الفاعلة!!) فتغتني وتتطور وتبني لنفسها مواقع متقدمة قوية على صعيد العلم والمعرفة والإنتاج والإبداع الحضاري في كل المجالات والميادين.. وهاكم المثل الهندي والسنغافوري والماليزي والكوري الجنوبي والتركي..الخ.. فكل هذه الدول -التي أصبح لها باع كبير في مجالات التنمية الفردية والمجتمعية المتطورة- تعرضت لحروب وأهوال ومؤامرات أكثر بكثير من العرب، ولكنها بنت دولاً حديثة فيها الكثير من معالم التطور السياسي الديمقراطي والليبرالية الاقتصادية جعلت من مجتمعاتها مجتمعات منتجة في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والمنتجين، ولا مكان فيه للمتقاعسين والمتكاسلين، وجعلت أيضاً من إنسانها نموذجاً يحتذى في العمل والبناء المرتكز إلى العقل والإرادة.. وليس القائم على حالة متواصلة من الشكوى والتذمر وقلة الحيلة والاستناد فقط إلى جدار المؤامرة الأخير كحالة نهائية من حالات الهروب من تحمل مسؤولية العمل وبناء الأوطان..

حقيقة، نقولها بكل مرارة، لو أن الزمن الذي استهلكه العرب في حديثهم وشكواهم الدائمة من هيمنة نظرية وعقلية المؤامرة، صرفوه واستهلكوه على نقد واقعهم، وإعادة توجيه بوصلتهم، وسد الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها تلك النظرية إلى مجتمعاتهم، لكانوا وصلوا الآن ربما إلى نصف الطريق باتجاه تحقيق وإنجاز خططهم التنموية الخمسية منها وغير الخمسية!!..

ولكني أقول أن هذه الحالة العامة التي أضحت قاعدة ثابتة في مجمل آليات ومناهج التفكير العربي الرسمي وربما حتى الشعبي، لن تبقى مسيطرة كثيراً، لأن هذه الانتفاضات والثورات العربية التي انطلقت من رحم المعاناة والفشل الرسمي في بناء مجتمعات عربية سياسية فاعلة متطورة، ستساهم في القضاء على تلك الرؤية المنهجية المؤامراتية المتحكمة بمفاصل وحيثيات ويقينيات العقل العربي، ذلك لأن هذه الثورات العربية قامت –في أحد أبرز عناوينها وتجلياتها- في سبيل انتزاع الحرية والكرامة التي حرمتها منها تلك النظم على مدار عقود طويلة، وذلك بحجة وذريعة مواجهة مؤامرات الخارج..

فالعرب والمسلمون عموماً، ثبت بأنهم لا يريدون العيش إلا في ظل أنظمة حرية ديمقراطية متغيرة ومتداولة، ويرفضون العيش تحت رحمة تلك النظم المغلقة (خاصة المتشددة) التي كان يروج لها حتى من قبل تنظيم القاعدة الذي كان ينادي بالحكم الديني المتطرف.

ويمكننا القول بكل تأكيد: أن ثقافة التطرف ومناخ التشدد العام الذي كان مسيطراً على بيئتنا المجتمعية في السابق (وربما لا تزال آثاره قائمة حتى الآن)، خدمنا أخيراً من حيث أننا أدركنا أن طبيعة الصراع مع الغرب (ومع الآخر عموماً) لم تكن دينية ولاحضارية، وأن تنظيمات القاعدة وغيرها فشلت فيها، ولم يمتنع الناس من الانفتاح على بعضهم البعض في الشرق والغرب، بل لقد وصلنا إلى قناعة راسخة بأن الديمقراطية “كمنجز غربي” هي الآلية السياسية الإجرائية الأرقى والأفضل التي لابد من تقعيدها قانونياً ودستورياً في بلداننا العربية لتأسيس مناخ التعددية السياسية، على صعيد فض الخلافات وضبط السجالات السياسية بين التيارات المتنوعة والمختلفة، خدمةً للناس والصالح العام عبر صندوقة الاقتراع.. والبدء بمسيرة الحرية الحقيقية في عالم عربي ملّ من الصراعات والوعود والنفاق والتضليل الرسمي المتواصل منذ عهود وعهود.. وهو يريد إقامة نظم حديثة، بقطع النظر عن مبانيها وطبيعتها الفكرية التي يفترض ألا تكون أيديولوجية، بحيث تكون فقط مدنية الطابع، عصرية الخدمات، إنسانية الأهداف والتوجهات.. تحترم وجوده، وتدستر حريته (تعطيها ضمانات دستورية كاملة)، وتحفظ له مكانته ودوره، وقدرته على المساهمة بمسؤولية ووعي في بنائها وتطويرها وصنع قرارها..

© منبر الحرية،25 سبتمبر/أيلول2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018