حول العقد الأصلي

peshwazarabic28 أكتوبر، 20100

بما أنه لا يوجد أي حزب يستطيع أن يدعم نفسه جيداً، في الوقت الحاضر، دون منظومة من المبادئ الفلسفية أو التكهنية، مرتبطة بنظامه السياسي والعملي، ونتيجة لذلك، نجد أن كلاً من الأحزاب التي تنقسم إليها الأمة، قد تبنت تركيبة من النوع الأول، لأجل حماية وتغطية مخطط الأفعال التي تسعى إليها.[1] ولأن الناس بناة بدائيون، ولا سيما في هذه الطريقة التكهنية، وبتحديد أكثر عندما يدفعهم الحماس الحزبي، فمن الطبيعي أن نتصور بأن حرفيتهم سيشوبها بعضاً من عدم الكمال، وأن نكتشف ملامح واضحة للعنف والاستعجال الذي شيّدوا به بناءهم. يحاول الحزب الواحد، ومن خلال رفع الحكومة إلى مصاف الآلهة، أن يجعلها مقدسة ومنيعة، حتى يعتبر المساس بها أو مهاجمتها، حتى لو في مقال صغير (في الصحافة)، تدنيساً للمقدسات أو أقل من ذلك بقليل، مهما كانت هذه الحكومة مستبدة وطاغية. أما الحزب الآخر فيفترض، من خلال تأسيس الحكومة على موافقة الشعب، وجود نوع من العقد الأصلي، يحتفظ المواطنين بموجبه ضمنياً بحق أو صلاحية مقاومة حاكمهم كلما وجدوا أنفسهم متضررين على يد تلك السلطة خولوها له وائتمنوه عليها، بشكل طوعي، لغاياتٍ معينة. هذه هي المبادئ التخمينية للحزبين، وهذه أيضاً هي النتائج العملية المستنتجة منها.
سوف أغامر وأؤكد أن كلاً من النظامين ذات المبادئ التكهنية عادلان، على الرغم أن ذلك ليس بالمعنى الذي يقصده الحزبان. كما أؤكد أيضاً أن مخطَّطَيْ التبعات العملية للحزبين كلاهما متعقلان، بالرغم أن تعقلهما ليس للحدود القصوى التي يسعى كل حزب لتنفيذها، في معارضة الحزب الآخر.
لا يستطيع أحد أن ينكر أن الرب هو المؤلف المطلق للحكومات، لا سيما من كان يؤمن بالعناية الإلهية، ويُقرّ بأن كافة الأحداث في الكون تجري وفق مخطط موحد وهي موجهة إلى غايات حكيمة. وطالما أن من المستحيل للجنس البشري أن يعيش ويقتات—في أية حالة من الأمان أو الراحة على الأقل—من دون حماية الحكومة؛ فإن هذه المؤسسة دون شك قد أُوجِـدَت من قبل الرب الرحيم الذي يروم الخير لكافة مخلوقاته. وكما حدث بشكل شامل في الواقع، في كافة بلدان العالم وفي كل العصور، يمكننا الاستنتاج، وبثقة وتأكد كبيرين، بأن الحكومة هي قصد من الرب الرحيم العليم بكل شيء، الذي لا يُمكن أن يخدع بأي حدث أو عملية. ولكن بما أنه قد أدى إلى قيامها، ليس من خلال تدخل مباشر بمعجزة معينة، بل من خلال قدرته الكونية المهيبة، لذا لا يمكن أن نسمي الحاكم أو الملك—إذا ما تحدثنا بالمعقول—وكيلاً عن الله، بأي معنى كان سوى بالقوة والسلطة، لأنهما مستمدتين منه، كما لا يمكن القول أنه –أي الملك– يتصرف ويعمل بتفويض منه. إن كل ما يحصل على أرض الواقع، يُفهم على أنه ضمن ذلك المخطط العام أو الغاية العامة للعناية الإلهية؛ وليس لدى أي أمير مهما كان عظيماً وشرعياً أي سبب، على ذلك البيان، للتذرع للحصول على قداسة أو سلطة مميزة لا تُنتهك حرمتها، أكثر من السبب الذي لدى أي حاكم متدني، أو حتى شخص مغتصب، أو لص أو قرصان. إن هذه العناية المقدسة نفسها، والتي مَنحَت، ولغايات حكيمة، الحكمة والسلطة لـ “تيتوس” و “تراجان”، قد منحت، ولأسباب مساوية في حكمتها بالتأكيد ولكنها غير معروفة، السلطة لـ”بورغيا” و “أنجريا”.[2] والأسباب نفسها التي تسببت في ارتقاء قوة سيادية في كل دولة، قد أسست أيضاً كل سلطة قضائية حسنة فيها، وكل سلطة محدودة. لذلك، فإن الشرطي يتصرف بتفويض مقدس ويمتلك حقاً مصوناً، على نحو لا يقل أهمية عن الملك نفسه.
عندما ننظر كيف أن البشر جميعاً متساوون تقريباً في قوتهم الجسدية، بل حتى في قواهم وقدراتهم العقلية، إلى أن يتم تهذيبها بالتعليم، وعلينا أن نقر بالضرورة بأن لا شيء يربطهم مع بعض سوى موافقتهم الأولية، ويخضعهم لأية سلطة كانت، وإذا ما تتبعنا الحكومة إلى أصولها الأولى في الغابات والصحارى، نجد أن الشعب هو مصدر كافة السلطات والتشريع، وأنه يترك حريته الأصلية طوعاً وبملء إرادته، من أجل السلم والنظام، ويتلقى القوانين من أقرانه البشر. أما الشروط التي وافقوا على الخضوع بموجبها، فإما كانت قد لقيت تعبيراً، أو أنها كانت واضحة وجلية بحيث أن التعبير عنها ثانية قد يعتبر زائداً عن الحاجة وغير مهم. إن كان هذا ما يقصد به العقد الأصلي، فاننا لا نستطيع إنكار أن الحكومة برمتها قد أُسست في بدايتها على عقد، وأن أقدم خليط بشري غير متجانس قد تشكل وفقاً لهذا المبدأ. ويطرح علينا بلا طائل سؤال عن السجّل أو اللائحة التي سُجلت فيها حرياتنا. إنها لم تكتب على قطع من الجلد، أو على أوراق الأشجار أو على لحائها. إذ أنها سبقت استخدام الكتابة وكل فنون الحياة المتحضرة. ولكننا نتبعها بشكل واضح في طبيعة الإنسان، وفي المساواة، أو في شيء يقترب من المساواة التي نجدها في كل أفراد الجنس البشري. إن القوة التي تسود الآن، والتي تأسست على الأساطيل والجيوش، هي قوة سياسية ببساطة، مستمدة من السلطة، وهي من تأثيرات الحكومة. إن قوة الانسان الطبيعية تتكون من حماسة يديه ورجليه ورباطة جأشه فقط، وهي لن تستطيع أبداً إخضاع الحشود إلى إرادة شخص واحد. ولا يستطيع أي شيء سوى موافقتهم وإحساسهم بالامتيازات الناتجة عن السلام والنظام أن يمتلك مثل هذا الأثر.
مع ذلك، فإن تلك الموافقة بقيت منذ القدم بعيدة تماماً عن الكمال، ولا يمكن لها أن تكون أساساً للإدارة. فشيخ القبيلة الذي ربما اكتسب تأثيره أثناء فترة الحرب، كان يحكم من خلال الإقناع أكثر من حكمه بالأوامر، وإلى أن يتمكن من استخدام القوة لتقليل شأن المقاومين والخارجين عن الطاعة، قلما نستطيع القول بأن المجتمع قد حصل على حالة من الحكم المدني. من الواضح أنه ليس هناك أي ميثاق أو اتفاق قد تشكل على نحو صريح للتعبير عن الخضوع العام، وهي فكرة بعيدة عن استيعاب البدائيين. إن كل تطبيق للسلطة في شخص شيخ القبيلة لابد أن يكون محدداً، وأن مقتضيات الحال الراهن هي التي تمليه. وإن الفائدة المعقولة الناجمة عن تدخل شيخ القبيلة هي التي تجعل من هذه التطبيقات متكررة الحدوث يومياً، وإن تكرارها قد خلق رضوخاً تدريجياً تشكل بصيغة عادة، أو لك أن تسميه طوعياً، ولذلك فهو حذراً أو قلقاً لدى الناس.
ولكن الفلاسفة الذين تبنوا حزباً ما (إن لم يكن هناك تناقض) غير مقتنعين بهذه التنازلات. فهم يؤكدون على أن الحكومة لم تتشكل منذ أيامها الاولى على الموافقة أو الرضوخ الطوعي فحسب، بل إنها أيضاً، وحتى في أيامنا هذه التي وصلت فيها إلى النضج، لا تستند على أي أساس آخر.[3] ويؤكدون أيضاً أن الناس جميعاً قد ولدوا سواسية، وأنهم لا يدينون بالولاء لأي ملكٍ أو حكومة، ما لم يكن هناك ارتباط موثق بعقد أو وعد. ولأن ما من إنسان يستطيع التنازل عن امتيازات حريته الأم ويخضع نفسه لإرادة شخص آخر، دون مقابل مساوٍ لها؛ فإن هذا الوعد كثيراً ما يفهم على أنه التزاماً شرطياً، وأنه لا يفرض عليه أي التزام، ما لم يلق عدالة وحماية من ملكه أو حاكمه. ويتعهد الملك بدوره بهذين الامتيازين، وإذا اخفق الملك في التنفيذ، فإنه حينها سيخل ببنود الاتفاق، وأنه بذلك قد حرر مواطنه من كافة التزاماته بالولاء. هذا هو أساس السلطة لكل الحكومات، وهذا هو حق المقاومة الذي يمتلكه كل مواطن، حسب رأي هؤلاء الفلاسفة.
ولكن هؤلاء الفلاسفة، إذا ما نظروا إلى العالم نظرة واسعة، فإنهم لن يجدوا أي شيء ينسجم ويتوافق مع أفكارهم، ويستطيع أن يضمن نظاماً فلسفياً نقياً. بل على العكس، فإننا نجد في كل مكان أمراء يدّعون أن مواطنيهم أو رعيتهم مُلكٌ خاصٌ لهم، ويؤكدون حقهم المستقل في الحكم المتأتي من الوراثة أو من الفتح أو الانتصار. كما نجد أيضاً وفي كل مكان، مواطنين يقرون بهذا الحق لأميرهم، ويفترضون أنهم ولدوا تحت مجموعة من الالتزامات بالولاء لملك أو أمير معين، بنفس قدر التزامهم بروابط الاحترام والإجلال والواجب لآبائهم. عادة ما تُفهم هذه الروابط على أنها مستقلة عن موافقتنا، كما في بلاد فارس، والصين، وفرنسا، وإسبانيا، أو حتى في هولندا وإنجلترا، أو في كل مكان لم تترسخ فيه المذاهب أو المعتقدات المذكورة في أعلاه. فتصبح الطاعة والرضوخ أموراً مألوفة، حتى أن معظم الناس لا يكلفون أنفسهم مشقة التقصي والبحث عن سبب هذه الطاعة وأصلها، ويتقبلونها كما هي شأنها شأن الجاذبية، أو المقاومة، أو غيرها من القوانين الفيزيائية الطبيعية الأخرى. أو إن دفعهم الفضول ذات يوم إلى التساؤل، وبمجرد أن يعرفوا أنهم وأسلافهم كانوا ولعهود طويلة موغلة في القدم، بل منذ الأزل، يخضعون لهذه الحكومة أو تلك العائلة، فإنهم سيرضخون حالاً، ويقرون بالتزامهم بالولاء. فإذا ما وعظتَ وخطبتَ، في شتى أصقاع العالم، قائلاً إن الروابط السياسية قد أسسَتْ برمتها على الموافقة الطوعية والوعد المتبادل، فلا شك أن الحاكم سيقدم على اعتقالك بتهمة التحريض وإضعاف روابط الطاعة، هذا إن لم يُقدم أصحابك على إغلاق فمك لأنك صرت تهذي في نشرك لمثل هذه الترهات. إنه لمن الغريب أن يكون مثل هذا الفعل العقلي الذي يفترض بكل فرد متعقل أن يكوّنه—بعد أن يأتي على استخدام العقل أيضاً فبدونه لن يمتلك أية سلطة—أقول إنه لمن الغريب أن لا يكون مثل هذا الفعل معروفاً لدى الجميع، وإنه على وجه البسيطة كلها لا يبق أثرٌ ولا ذكرى له.
ولكن يقال إن العقد الذي أُسسَت الحكومة وفقاً له هو العقد الأصلي، وهو نتيجة لذلك أقدم من أن يقع في نطاق معرفة الجيل الحالي. وإذا كانت الاتفاقية التي ربطت البدائيين ووحدت قواهم هي المقصودة هنا، فإن ذلك شيء واقعي كما هو معترف به، ولكن لأنها قديمة جداً، ولأنها خضعت لآلاف التحويرات والتغييرات من قبل الامراء والحكومات، فلا يمكننا القول بأنها (أي الاتفاقية) ما زالت تحتفظ بأية سلطة. وإذا ما أردنا قول أي شيء في هذا الشأن، فعلينا أن نؤكد أن كل حكومة تتصف بالشرعية، وتفرض أي واجب من واجبات الولاء على الرعية، كانت قد أُسسَت في البدء على الموافقة والميثاق الاختياريين. ولكن هذا يفترض أيضاً أن موافقة الآباء ملزمة للأبناء، حتى وإن كانوا ينتمون إلى أجيال بعيدة جداً عن الآباء (وهو ما لا يسمح به الكـُتّاب الجمهوريون مطلقاً)، إضافة إلى ذلك، أود القول بأن ذلك غير مبرر لا بالتاريخ ولا بالتجربة في أي عصر من العصور وفي أي بلد من بلدان هذا العالم.
إن كل الحكومات المتواجدة حالياً تقريباً، أو الحكومات التي حفظ لنا التاريخ بعضاً من أخبارها، قد أسسَت في الأصل إما عن طريق الاغتصاب أو عن طريق الغزو، أو كليهما دون وجود أية موافقة عادلة أو خضوع طوعي من قبل الناس. عندما يوضَع رجلٌ ماكر وشجاع على رأس جيش أو حزب معين، عادة ما يكون من السهل عليه، أحياناً باستخدام بعض العنف وأحياناً باستخدام المظاهر الكاذبة، أن يؤسس سيطرة على شعب أكبر مئات المرات من أنصاره. فلا يسمح بالتحاور المفتوح لئلا يسمح لأعدائه بمعرفة عددهم أو قوتهم على وجه التحديد. ولا يعطيهم مجالاً للتجمع سوية في كيان واحد لأجل معارضته. حتى كل هؤلاء الذين كانوا أدوات له في الاغتصاب قد يتمنون سقوطه، ولكن جهلهم بنوايا بعضهم البعض يبقيهم في حالة من الرهبة، وهذه الرهبة هي السبب الوحيد في سلامته وأمنه. وبواسطة فنون مثل هذه تأسست العديد من الحكومات، وهذا هو كل ما في العقد الأصلي الذي ينبغي لهم أن يتبجحوا به.
إن وجه الأرض في تغير مستمر، من خلال توسع المملكات الصغيرة إلى إمبراطوريات عظمى، من خلال انحلال الإمبراطوريات العظمى إلى ممالك صغيرة، من خلال زرع أو إقامة المستعمرات أو من خلال هجرة القبائل. أهناك من شيء يمكن اكتشافه في هذه الاحداث غير العنف والقوة؟ أين هو الاتفاق المتبادل أو الارتباط الطوعي الذي كثيراً ما يتحدثون عنه؟
حتى أنعم الطرق التي تتلقى من خلالها الأمة سيداً أجنبياً، عن طريق زواج أو وصية، ليست مشرّفة جداً للشعب، ولكنها طريقة تفترض أنهم شيء يمكن التصرف به كالمهر أو الإرث، على حسب أهواء أو مصالح قادتهم.
ولكن، عندما لا تتدخل القوة مطلقاً وتأخذ الانتخابات طريقها، ما هي تلك الانتخابات التي يتبجحون بها؟ هي إما مزيج من قلة من الرجال العظام الذين يقررون بالنيابة عن الجميع ولا يسمحون بالمعارضة، أو إنها غضب وحنق الحشود التي تتبع رئيس عصابة ماكر، ربما لا يعرفه سوى حفنة منهم، ولكنه يرتقي بفضل وقاحته فقط، أو بفضل النشوة المؤقتة لأتباعه. فهل هذه الانتخابات غير النظامية، والتي نادراً ما تحدث أيضاً، تمتلك مثل هذه السلطة العظمى لكي تكون الأساس القانوني الوحيد لكل الحكومات والولاءات؟
في الواقع، ليس هناك من حدث أكثر فظاعة من حل الحكومة بالكامل، مما يعطي حرية للحشود ويجعل تحديد المصير أو خيار إنشاء مؤسسة جديدة منوط بعدد قلما يقترب من كيان الناس جميعاً، لأنه لن يستطيع الوصول التام لكافة مكونات كيان الشعب. إذن، فكل حكيم أو عاقل يتمنى أن يرى على رأس الجيش القوي والمطيع جنرالاً يستغل الفرصة بسرعة ويقدم للشعب سيداً يعجزون تماماً عن اختياره بأنفسهم. قليل جداً هو مدى التطابق بين الواقع والحقيقة وبين هذه الأفكار الفلسفية.
دعونا لا نُخدع بالتأسيس الذي يلي الثورة، فيجعلنا نحب الأصل الفلسفي للحكومة، فنتخيل الآخرين جميعاً شواذاً وبشعين. حتى ذلك الحدث كان بعيداً عن التطابق مع تلك الافكار المهذبة. وراثة العرش فقط، وهي في النظام الملكي من الحكومات، هي من بقي دون تغيير. وكانت أغلبية المئات السبع هي فقط من حددت ذلك التغيير وقررته لعشرة ملايين.[4] والحق أني لا أشك في أن معظم هؤلاء العشرة ملايين قد رضخوا بملء إرادتهم للتحديد. ولكن هل تُركت المسألة لاختيارهم على الأقل؟ ألم يكن يفترض بأنها تُقَرّرُ بعدالة، منذ تلك اللحظة، وأن يعاقب كل من يرفض الخضوع للسيد أو الحاكم الجديد؟ كيف يمكن بخلاف ذلك أن تصل القضية إلى أي نتيجة أو قرار؟
أعتقد أن جمهورية أثينا كانت الديمقراطية الأكثر شمولاً فيما قرأنا في التاريخ. ومع ذلك، إذا ما تفحصنا الحصص اللازمة للنساء والعبيد والأجانب، نجد أن ذلك التأسيس—ولا أي قانون تم التصويت عليه—لم يكن قد تم ابتداءاً بموافقة عُشر هؤلاء الملزمين بالرضوخ لها وطاعتها. ناهيك عن الجزر والمقاطعات الأجنبية التي ادّعت أثينا ملكيتها من خلال الغزو. وكما هو معروف، فإن الاجتماعات العامة في تلك المدينة كانت مليئة بالفوضى والتجاوزات، بالرغم من وجود المؤسسات والقوانين التي تشرف على تلك الاجتماعات. فعلى أي مدى من الفوضى سيكونون عليه ليس عندما يؤسسون دستوراً، بل عندما يتجمعون بصخب وجلبة لأجل حل حكومة قديمة وتأسيس واحدة جديدة بدلاً عنها؟ وما هو حجم الوهم عند التحدث عن خيار يتم التوصل إليه في مثل هذه الظروف؟
استمتع أهل إكيلنزا اليونانية بأكثر الديمقراطيات كمالاً وحرية في التاريخ، ولكنهم مع ذلك استخدموا القوة لإجبار بعض المدن الأخرى للدخول في حلفهم، كما عرفنا من بوليبوس.
لم يكن لدى هنري الرابع[5] وهنري السابع من ملوك إنجلترا أي حق في الحكم، بل لا بد من انتخابات برلمانية، إلا أنهما لم يعترفا بها، لكي لا يضعفا سلطتهما بذلك. من الغريب أن يكون الأساس الحقيقي الوحيد للسلطة هو الموافقة والعهد!
من غير المجدي القول بأن الحكومات جميعاً مبنية أساساً على الموافقة الشعبية، أو يجب أن تكون كذلك، على قدر ما تسمح به ضرورة الظروف الإنسانية. وهذا يتوافق مع ادعائي. أنا أؤكد أن الشؤون البشرية لن تسمح بمثل هذه الموافقة إطلاقاً، وهي نادرة الظهور. ولكن الغزو والاغتصاب، وبعبارة أخرى استخدام القوة لإزالة الحكومات القديمة هي الأصل لمعظم الحكومات الجديدة التي أسست في العالم. أما بعض الحالات القليلة، والتي يبدو فيها حصول الموافقة، فهي حالات غير اعتيادية، ومحددة وكثيراً ما يتخللها العنف أو الاحتيال، بحيث لا تتمكن من امتلاك سلطة كبيرة.
ليست غايتي هنا استبعاد موافقة الناس من أن تكون إحدى الأسس العادلة للحكومة، إن كانت هذه الموافقة قد حدثت فعلاً، فهي بلا شك الأفضل والأكثر قدسية من بين الأسس الأخرى. أنا أزعم فقط، أنها من النادر جداً أن حصلت على أية درجة كانت، ومن المستحيل أنها حصلت على كامل نطاقها. لذلك لا بد من الإقرار بوجود أسس أخرى لقيام الحكومات.
لو كان كل البشر يمتلكون إحساساً صلباً باحترام العدالة، بمعنى احترام أنفسهم، فإنهم حينها سيمتنعون تماماً عن ملكيات الآخرين. لقد بقي البشر وعلى الدوام يتمتعون بحرية مطلقة دون الخضوع لأي حاكم أو مجتمع سياسي. ولكن هذه حالة من الكمال ليس بوسع الطبيعة البشرية الارتقاء إليها. ومرة أخرى أقول، لو أن جميع البشر يمتلكون مثل هذا الفهم التام ليعرفوا مصالحهم كما هو الحال دائماً، فإن أي نوع من أنواع الحكومة لن يحظ بأية نسبة من التابعين إلا تلك التي تأسست على الموافقة وحصلت على تصويت كامل من قبل كل أفراد المجتمع. ولكن هذه الحالة المثالية أبعد وأرفع بكثير من الطبيعة البشرية. لقد بين لنا التاريخ والعقل والتجربة أن جميع المجتمعات السياسية كانت قد امتلكت جذراً أو أصلاً أقل دقة وانتظاماً، واذا ما اختار المرء فترة من الزمن، قلما يتم فيها احترام موافقة الشعب في المداولات العامة، فستكون هذه الفترة هي فترة تشكيل الحكومة الجديدة. في الدستور الراسخ، عادة ما تتم استشارة ميول الناس، ولكن في أيام غضب الثورات، والغزو والاستياء الشعبي، فإن القوة العسكرية والدهاء السياسي هما من يقرر ويبت في الجدال.
عندما تؤسس الحكومة الجديدة، وبأي وسيلة كانت، فسرعان ما يبدأ الشعب بالتعبير عن عدم اقتناعه بها، ويبدي طاعته لها من دافع الخوف والضرورة أكثر من طاعتها من منطلق الولاء والالتزام الأخلاقي. فالملك متيقظ وغيور، وهو متحوط ضد أية بدايات لظهور التمرد أو العصيان. ثم يقوم الزمن بإزالة كل هذه الصعوبات، ويُعّود الأمة على احترام تلك العائلة، التي كانوا ينظرون إليها في البداية على أنها غازية أو مغتصبة، فيعتبرونها عائلة ملوكهم الشرعيين. ولأجل تأسيس هذا الرأي، ليس لهم الاستعانة بأية فكرة للموافقة الطوعية أو الوعد الطوعي الذي لم يكن في مثل هذه الحال متوقعاً أو مطلوباً على الإطلاق. لقد تشكل التأسيس الأصلي بالعنف، وقد خضع الناس له من الحاجة. كما أن الإدارة اللاحقة مدعومة بالقوة أيضاً، وقد أخضع الناس لها أيضاً، ليس من قبيل الاختيار، بل إجباراً. لم يكونوا يتخيلون أن موافقتهم ستعطي أميرهم لقباً ومنصباً. ولكنهم وافقوا طوعاً، لأنهم يعتقدون أن أميرهم حائز فعلاً على هذا المنصب منذ وقت طويل—عن طريق المَلَكية الوراثية—بعيداً عن موافقتهم أو ميولهم.
وإذا ما قيل إن كل فرد قد أعطى موافقته الضمنية لسلطة الأمير وقد وعده بالطاعة، من خلال قبوله بالعيش تحت سيطرة ذلك الأمير، مع أنه بإمكانه أن يترك العيش تحت ظله، وللإجابة على مثل هذا الطرح، نستطيع القول بأن مثل هذه الموافقة الضمنية يمكن أن تشغل حيزاً فقط عندما يتخيل المرء أن المسألة تعتمد على قراره أو اختياره. ولكن عندما يعتقد المرء (كما هو شأن كل البشر الذين يولدون تحت ظل الحكومات المؤسسة) أنه ومنذ ولادته وبواسطتها يدين بالولاء إلى أمير معين أو إلى شكل من الحكومة، سيكون من السخف الاستنتاج بحصول موافقة أو اختيار في هذه الحال التي يشجبها ويستنكرها.
هل بإمكاننا أن نقول—وعلى نحو جاد—أن الفلاح المسكين أو الصانع البسيط لديه حرية الاختيار ليترك وطنه، وهو لا يعرف أية لغة أو ثقافة أجنبية، ويعيش يوماً بيوم من خلال الأجرة اليومية الصغيرة التي يتقاضاها؟ قد نستطيع أن نؤكد أيضاً بأن المرء، عندما يبقى في سفينة، قد وافق طوعاً على حكم ربانها، على الرغم من أنه قد حُمل إلى ظهرها وهو نائم، وأن عليه أن يقفز في البحر ويموت، إذا شاء أن يغادرها.
ما الذي سيحدث إن كان الأمير قد منع الخروج عن حكمه، كما في عهد تايبريوس، الذي اعتبر محاولة أحد الفرسان الرومان بالهرب إلى البارثيين للخلاص من طغيان الإمبراطور جريمة كبرى؟ أو كما هو حال سكان موسكو القديمة الذين مُنعوا من السفر تحت وطأة عذابات الموت؟ ولو لاحظ أمير ما أن العديد من رعيته قد هيمن عليهم هوس الرحيل أو الهجرة إلى البلدان الأخرى، لقام دون شك بمنعهم من ذلك، لأسباب وجيهة وعادلة كثيرة، لأجل الحفاظ على سكان مملكته والحيلولة دون خلوها من السكان. هل كان ليخسر ولاء كافة مواطنيه بقانون حكيم وعقلاني كهذا؟ مع ذلك فإن حرية اختيارهم قد سلبت منهم بالتأكيد في مثل تلك الحال.
قد تحلم مجموعة من الرجال الذين يتركون بلدهم، ليسكنوا في إقليم غير مأهول بالسكان، باستعادة حريتهم الأصلية، ولكنهم سرعان ما سيكتشفون أن أميرهم مازال يطالب بحقه بهم ويسميهم مواطنيه أو رعيته، حتى في موطنهم الجديد. وبهذا فهو لن يتصرف بشيء مغاير للأفكار العامة للبشرية.
إن اصدق موافقة ضمنية يمكن ملاحظتها على الإطلاق هي تلك التي تجري عندما يقدم الأجنبي على الاستقرار في بلد يعرف مسبقاً أميره وحكومته وقوانينه التي يجب عليه أن يخضع لها. ومع ذلك فإن ولاءه—رغم أنه أكثر طوعية—يكون أقل احتمالاً أو اعتماداً من ولاء المواطن الأصلي الذي ولد في البلد. بل على العكس، لأن أميره مازال يدّعي بأحقيته به. وإن لم يعاقب ذلك المتمرد، فإنه سيمسك به في الحرب مع مفوضية الأمير الجديد، إن هذه الرحمة ليست موجودة في القانون البلدي أو المحلي، الذي يدين السجناء في كافة البلدان، ولكن بموافقة الأمراء الذين يوافقون على هذا العفو لكي يمنعون الانتقام.
إذا اختفى جيل كامل من الناس عن مسرح الحياة وتلاشى مرة واحدة، وأعقبه جيل آخر، كما هو حال ديدان القز أو الفراشات، فإن السلالة الجديدة، إذا ما كان لديها إدراكاً لاختيار الحكومة—وهو بالطبع ليس حال البشر—فإنهم قد يؤسسونها بشكل طوعي ويشكلون حكومتهم المدنية الخاصة بالموافقة العامة، دون اعتبار للقوانين أو للسوابق التي كانت سائدة بين أسلافهم. ولكن طالما أن المجتمع البشري في جريان مستمر، فيذهب رجل خارج هذا العالم ويأتي آخر في كل ساعة، فمن الضروري للنشأ الجديد أن يلزموا أنفسهم بالدستور المؤسس، وأن يتبعوا الطريق الذي سلكه آباؤهم، الذين بدورهم قد ساروا على خطى آبائهم أيضاً، من أجل الحفاظ على استقرار الحكومة. قد تحدث بعض الإبداعات في كل مؤسسة بشرية، فتكون إبداعات موفقة إن قام عبقري عصره المتنور بتوجيهها صوب العقل والحرية والعدالة. أما الإبداعات العنيفة فليس لأحد أن يقدم عليها، فهي من الخطورة بحيث أن المجلس التشريعي بنفسه لا يحاول الإقدام عليها، لأن المساوئ المتوقعة منها أكثر من المنافع، وإن استطاع التاريخ أن يقدم لنا بعض الأمثلة على العكس من ذلك، فإن تلك الامثلة لن تكون بمثابة سوابق، بل إنها أدلة على أن علم السياسة يحتمل بعض القوانين أو القواعد التي لا تسمح ببعض الاستثناءات، والتي لن تخضع في بعض الأحيان لسيطرة المصادفة أو الحظ. لقد انبثقت الإبداعات العنيفة في عصر الملك هنري الثامن[6] من ملك متغطرس متجبر، إضافة إلى ظهور السلطة التشريعية. أما تلك التي ظهرت في عصر تشارلز الأول فهي نابعة من التعصب والفئوية، وكلاهما أثبت أنه سعيد أو محظوظ في الحدث، ولكن حتى الأول (هنري الثامن) كان على الدوام مصدراً للعديد من الفتن والمخاطر، ولو أن تدابير الولاء قد أخذت من الأخير، لكانت الفوضى التامة قد نزلت بالمجتمع البشري، ولـَوُضِعت فترة نهاية لكل حكومة.
إفترض أن مغتصباً قام، بعد نفيه لأميره وعائلته المالكة، بتأسيس حكمه لفترة لعشر أو اثنتي عشرة سنة، في أي بلد كان، وحافظ على نظام مضبوط في قواته العسكرية وترتيب حازم في حامياته العسكرية، بحيث لم ينشب أي تمرد أو عصيان، ولم يُسمَع أي صخب أو استياء من إدارته، فهل نستطيع أن نؤكد أن الناس الذين يمقتون خيانته في قلوبهم، قد وافقوا ضمنياً على سلطته، ووعدوه بالولاء، فقط لأنهم—وبسبب الحاجة—قد عاشوا تحت حكمه؟ إفترض مرة أخرى أن أميرهم الاصلي استعاد عرشه بواسطة جيش جمعه في البلاد الأجنبية، فاستقبلوه بالفرح والبهجة، وبينوا له بوضوح مدى ترددهم في قبول الخضوع لنير الآخرين. قد أسأل الآن، على أي أسس يستند منصب الأمير؟ ليس على أساس الموافقة بالتأكيد، لأنهم حتى وإن خضعوا طوعاً لسلطته، فإنهم لا يتصورون أن موافقتهم هي التي جعلت منه حاكماً. لقد وافقوا لأنهم قد فهموا أنه حاكمهم الشرعي مسبقاً، عن طريق المولد. أما بالنسبة للموافقة الضمنية، والتي يمكن استنتاجها الآن من قبولهم العيش تحت سيطرته، فهي ليست بأكثر مما أعطوا للطاغية أو المغتصب السابق.
عندما نؤكد على أن الحكومة الشرعية كلها تنبثق من موافقة الشعب، فإننا دون شك نعطيهم مجداً وشرفاً أكثر مما يستحقون، أو يتوقعون أو يتمنون منا. عندما أصبحت الأملاك أو المقاطعات الخاضعة للحكم الروماني أوسع مما يستطيع الجمهوريون السيطرة عليها، كان الناس في شتى أنحاء العالم ممتنّين جداً إلى أوغسطس على تلك السلطة التي أسسها من فوقهم، عن طريق العنف، كما أنهم أبدوا ميلاً مساوياً للخضوع لسلطة خليفته الذي تركه لهم عن طريق وصيته وشهادته الأخيرة. ثم حلت مصيبتهم من بعد ذلك، اذ لم يكن هناك تعاقب طويل من الملوك من عائلة واحدة، بل إن خط أمرائهم كان كثيراً ما ينقطع، إما بالاغتيالات الخاصة أو بالثورات الشعبية. فكانت عصابات البراتوريا مرة تنصب إمبراطوراً، عند سقوط إحدى العوائل، وكانت فيالق الشرق تنصب إمبراطوراً ثانياً، وربما نصب هؤلاء الذين في ألمانيا ثالثاً، وكان السيف وحده من يبت بالنزاع. وكان حال الناس في تلك المملكة المخيفة يرثى له، ليس لأن أمر اختيار الإمبراطور لم يترك لهم، لأن ذلك لم يكن واقعياً، بل لأنهم لم يخضعوا لأي حلقة متتابعة من الملوك، الذين يخلف أحدهم الآخر بشكل منتظم. أما بالنسبة للعنف والحرب وسفك الدماء التي تحدث عند كل تسوية جديدة، فلا لوم فيها لأنها كانت حتمية ولامناص منها.
لقد حكم آل لانكستر هذه الجزيرة لمدة ستين عاماً، ولكن أنصار الوردة البيضاء كانوا يتكاثرون يومياً في إنجلترا.[7] أما المؤسسة الحالية فقد تشكلت خلال فترة أطول. فهل تلاشت كل وجهات النظر في حق عائلة أخرى على الرغم من ندرة وجود أي انسان حي كان قد وصل إلى سنوات الاختيار والتقدير، وشهد إلغاء ذلك الاختيار والولاء، أو أنه وافق على حكمها، أو تعهد بالولاء لها؟ هنالك إشارة واضحة للعاطفة البشرية العامة في هذا الرأس أو القائد. فنحن لا نلوم أنصار العائلة المخلوعة، على أساس الوقت الطويل فقط، الذي احتفظوا خلاله بولائهم الخيالي، بل نلومهم لتمسكهم بعائلة نحن نؤكد أنها قد خُلعت بعدالة، والتي قد صادرت كل حقها في السلطة منذ لحظة التأسيس الجديدة.
ولكن لو كان لدينا أسلوب تفنيد ودحض أكثر انتظاماً، أو على الأقل أكثر فلسفية، لمبدأ العقد الاصلي أو الموافقة الضمنية هذه، لربما نجحت الملاحظات التالية وأثبتت كفاءتها:
يمكن تقسيم كل الواجبات الأخلاقية إلى قسمين:[8] الأولى هي تلك التي يندفع إليها الناس بالغريزة الطبيعية أو النزعة الفورية المباشرة، التي تعمل بداخلهم، بعيداً عن كل أفكار الالتزام وعن كل وجهات النظر إزاء المنفعة العامة أو الخاصة. ومن بين هذه الغرائز على سبيل المثال، حب الأطفال والامتنان للمحسنين والشفقة على المنكوبين. وإذا ما فكرنا ملياً في الامتياز الذي يحصل للمجتمع من هذه الغرائز الإنسانية، فإننا سنعطيها استحقاقها من التقدير والإعجاب. ولكن الشخص الذي تشغله هذه الغرائز يشعر أن تأثيرها أو قوتها يتمتعان بأسبقية على كل تفكير أو تمعن.
أما النوع الثاني من الواجبات الأخلاقية فهي تلك التي لا تدعمها أية غريزة أصلية طبيعية، ولكنها تمارَس من قبيل الشعور بالالتزام، إذا ما نظرنا في حاجات المجتمع البشري، واستحالة دعمه إذا ما اُهمِلـت هذه الواجبات. إن هذا هو السبب الذي جعل العدالة او احترام ملكية الغير، أو الإيفاء بالوعود واحترامها، جعلها أموراً إجبارية، واكتسبت سلطة على الناس. لأنه—وكما هو معروف—كل شخص يحب نفسه أكثر من أي شخص اخر، فإنه سيندفع بالتأكيد نحو توسيع مكتسباته وإلى أكبر قدر ممكن، ولا يستطيع شيء أن يمنعه من هذه النزعة سوى التفكير والتجربة اللذان يعلمانه الآثار الضارة لحريته، والانحلال التام للمجتمع الذي قد ينجم عنها. لذا فإن التزامه الأصلي الطبيعي، أو غريزته، قد خضعت لمراقبة وقيود الحكام أو الملاحظات اللاحقة.
وكذلك هي الحال تماماً مع واجب الولاء السياسي والمدني، مثلما هي مع الواجبات الطبيعية كالعدالة والوفاء.[9] تقودنا غرائزنا الأولية إما إلى أن ننغمس في حرية مطلقة، أو إلى أن نسعى للسيطرة على الآخرين. التفكير أو التعقل هو فقط من يجعلنا نضحي بعاطفتنا القوية من أجل مصلحة السلام والنظام العام. إن القليل من الخبرة والملاحظة كافية لتعلّمنا بأن المجتمع لا يمكن أن نحافظ عليه بدون سلطة الحاكمين، وإن هذه السلطة سرعان ما تقع في الاحتقار أو الاستياء إن لم يمنح لها الولاء والطاعة. إن ملاحظة هذه المصالح الواضحة العامة ومراعاتها هي مصدر كل الولاء، ومصدر ذلك الالتزام الأخلاقي الذي ننسبه إلى ذلك الولاء.
لذلك، فما هي الحاجة التي تجعلنا نؤسس واجب الولاء والطاعة للحاكمين على واجب الوفاء بالوعود واحترامها، وأن نفترض بأن الموافقة التي يبديها كل فرد هي التي تخضعه للحكومة، عندما يظهر أن كلاً من الولاء والوفاء يقفان على نفس الأساس وأن كليهما يتمتعان باحترام ورضوخ البشر، على أساس المجتمع البشري ومصالحه الواضحة وحاجاته؟ يقال إن علينا أن نطيع ملكنا أو حاكمنا، لأننا أعطيناه موافقة ضمنية لذلك الغرض. ولكن لماذا نحن ملزمون بالحفاظ على وعدنا؟ لابد من التأكيد هنا على أن التجارة والتواصل البشري، وفيهما فائدة ضخمة، لا يمكنهما أن يُؤمّنان إذا نكث الناس بعهودهم ولم يحترموا ارتباطاتهم. وعلى نفس المنوال، يمكن القول بأن الناس لا يمكن أن يعيشوا جميعاً في مجتمع واحد—لنقل مجتمعاً متحضراً على أقل تقدير—دون قوانين وملوك أو حاكمين وقضاة، لكي يمنعوا القوي من سحق الضعيف، ويمنعوا العنيف من سحق العادل والحكيم. ولأن الالتزام بالولاء يتمتع بنفس قوة وسلطة الالتزام بالوفاء، فاننا لن نحصل على شيء من دمج أحدهما بالآخر. إن المصالح والحاجات العامة للمجتمع تكفي لتأسيس الإثنين معاً.
وإذا ما طرح سؤال عن سبب تلك الطاعة التي نحن ملزمون لإظهارها للحكومة، فسأجيب بكل استعداد، لأن المجتمع لن يستمر بخلاف ذلك (أي بدون هذه الطاعة)، وهذه الإجابة واضحة ومفهومة لدى جميع البشر. إن إجابتك: لأننا يجب أن نحفظ عهدنا ووعدنا. ولكن بالإضافة إلى ذلك، لن يستطيع أحد أن يفهم هذا الجواب أو يتقبله، حتى وإن كان متبحراً بنظام فلسفي معين. إضافة الى ذلك، قد تجد نفسك محرجاً عندما يطرح عليك السؤال التالي: لماذا أنت ملزم بالحفاظ على وعدك؟ لن تستطيع إعطاء جواب سوى ذلك الجواب المباشر الذي يفسر إلتزامنا الأخلاقي بالولاء.
ولكن لمن نحن ندين بالولاء؟ ومن هو سيدنا أو حاكمنا الشرعي؟ عادة ما يكون هذا السؤال هو الأصعب، وهو مفتوح لعدد لا حصر له من المناقشات.[10] إذا كان الشعب سعيداً جداً، سيجيب: إنه ملكنا الحالي الذي ورث العرش من أسلافه، بشكل خط مستمر، فهم الذين حكمونا لعهود مضت، هذا الجواب لا يسمح بأي رد، حتى وإن وجد المؤرخون—وكثيراً ما يحدث هذا—لدى تتبعهم أصل تلك العائلة الملكية إلى أبعد نقطة في الماضي، أن سلطتها الاولى قد تمت عن طريق الاغتصاب والعنف. كثيراً ما يُعتَرَف بأن العدالة الخاصة، أو الامتناع عن ملكية الآخرين هي الفضيلة الأكبر. ولكن العقل يخبرنا أنه ما من ملكية متكونة من أشياء تحتمل البقاء لفترات طويلة—كالأراضي والبيوت—إذا ما تقصينا تاريخها أثناء تنقلها من يد إلى أخرى، إلا وجدنا أنها كانت في إحدى الفترات قد أُسست على الظلم والاحتيال. إلا أن ضرورات المجتمع البشري سوف لن تسمح بمثل هذا التقصي الدقيق، لا بالحياة الخاصة ولا بالعامة. ولن يكون هناك أي واجب أخلاقي أو فضيلة، سوى ما يمكن تنقيته بالوسيلة، هذا إذا ما انغمسنا بالفلسفة الخاطئة، وغربلتها وتفحصها، بكل قاعدة منطقية مماحكة، وفي كل وضع ومن كل منظار يمكن استبدالها به.
لقد ملأت القضايا المتعلقة بالمُلكية الخاصة مجلدات لا حصر لها من كتب القانون والفلسفة، إذا ما أضفنا في كلا الحالين ما قاله المعلقون إلى النص الأصلي، وفي النهاية يمكننا القول إن العديد من القوانين والقواعد التي تم تأسيسها هي غير أكيدة، وغامضة واعتباطية.[11] ويصح القول ذاته على ما يتعلق بوراثة العرش والحقوق والحكومات. لا شك أن العديد من القضايا قد تحدث في الأيام الأولى لأي دستور تقر بعدم وجود أي تحديد من قبل قوانين العدل والمساواة. ويزعم مؤرخنا رابين[12] أن الجدل بين الملك إدوارد الثالث والملك فيليب دي فالوا كان ذي طبيعة مشابهة، ولا يمكن أن يبت فيه إلا بنداء من السماء، أي عبر الحرب أو العنف.
من له أن يخبرني ما إذا كان ينبغي لـ”جيرمانيكوس” (الإبن المتبنى) أو لـ”دروسوس” (الإبن الحقيقي) أن يخلف أحد منهما تايبريوس إلى العرش، لو أنه كان قد مات دون تسمية أحد منهما ليخلفه؟[13] هل ينبغي النظر إلى حق التبني على أنه مكافئ لحق الدم، في الأمة التي يتساوى فيها الحقان في العائلات الخاصة، وقد حدث فيها مثالان على ذلك في الحياة العامة؟ فهل يفترض اعتبار جيرمانيكوس إبناً أكبر لأنه ولد قبل دروسوس، أم يفترض أنه الأصغر لأن تبنيه قد تم بعد ولادة أخيه؟ ألا يفترض اعتبار حق الإبن الأكبر في الأمة التي لا يتمتع فيها الإبن الأكبر بامتياز خلافة العرش؟ وهل يفترض أن يحكم على الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت لأن تكون وراثية بسبب مثالين فقط؟ أم يفترض اعتبارها على أنها تعود إلى الأقوى أو لحائزها الحالي لكونها مؤسسة على اغتصاب قريب؟
لقد اعتلى كومودوس عرش روما بعد فترات حكم طويلة لسلسلة من الأباطرة الجيدين الذين حصلوا على هذا المنصب، ليس بالولادة، ولا بالانتخابات، بل بطقوس التبني الخيالية. لقد قُتل ذلك الفاسق في مؤامرة سرعان ما دبرتها عشيقته وصديقها الذي كان في ذلك الحين أحد ضباط الحرس الرومان. فما كان من هؤلاء إلا أن عمدوا إلى اختيار سيد للبشر—على حد تعبيرهم في تلك العصور—فوضعوا عيونهم على بيرتناكس. وقبل أن يعرف الناس بموت الطاغية، ذهب ذلك الضابط سراً إلى السيناتور بيرتناكس، الذي تصور عندما رأى الجنود أن كومودوس قد أمر بقتله. وسرعان ما حياه الضابط وحاشيته بتحية الإمبراطور وأعلنوه إمبراطوراً، واستقبله العامة بفرح وسرور، وخضع له الحرس مكرهين، كما أنه قد اعترف به مسبقاً من قبل مجلس الشيوخ، واستقبلته أقاليم وجيوش الإمبراطورية بشيء من السلبية.
أدى استياء وغضب بعض عصابات الحراس إلى حدوث فتنة سريعة، نجم عنها قتل ذلك الأمير الجيد. ولأن العالم أصبح حينها بلا سيد وبلا حكومة، رأى الحرس أن من الملائم أن يعرضوا الإمبراطورية للبيع بشكل رسمي. وكان المشتري هو جوليان الذي أعلنه الجنود إمبراطوراً، وهو معترف به من قبل مجلس الشيوخ، والشعب يخضع له، ويبدو أن الأقاليم كانت قد خضعت له أيضاً، إلا أن حسد فيالق الجيش أدى إلى معارضته ومقاومته. رشّح بيسينوس نيجر في سوريا نفسه إمبراطوراً، وحاز على الموافقة الصاخبة من الجيش، كما أنه حظي بموافقة سرّية ونية طيبة من مجلس الشيوخ وشعب روما. كما أن ألبانيوس في بريطانيا قد وجد حقاً مساوياً لنفسه، فادّعى بأحقيته، ولكن سيفيروس الذي كان يحكم بانوليا انتصر في النهاية على كليهما. تبنى ذلك السياسي والمحارب المقتدر، في البداية، لما وجد أن مولده وأصله وكرامته أوطىء بكثير من العرش الملكي، تبنى غاية أو نية للانتقام لموت بيرتيناكس. فزحف إلى إيطاليا، كقائد للجيش، وهزم جوليان، وتم الاعتراف به إمبراطوراً، بسبب الحاجة الملحة، من قبل مجلس الشيوخ والشعب، مع عدم تمكننا من التأكد مما إذا كان قد حاز موافقة جنوده أم لا، وتأسست سلطته العنيفة بالكامل بعدما أرضخ نيجر وألبانيوس.[14]
يقول سيزار رجل الدولة متحدثاً عن حقبة زمنية أخرى أنه ما زال في الجيش عندما أصبح إمبراطوراً.[15]أما غورديان فكان يبلغ الرابعة عشرة من العمر.
أمثلة كثيرة ذات طبيعة مشابهة كثيراً ما تتكرر في التاريخ، كتلك التي حدثت في خلفاء ألكسندر العظيم، وفي العديد من البلدان الأخرى. ما من شيء يمكن أن يكون أتعس من الحكومة الاستبدادية التي من هذا النوع، حيث تكون خلافة العرش متقطعة وغير منتظمة، فيتوجب تحديدها بالقوة والعنف كلما حدثت أزمة أو فراغ سياسي. في الحكومات الحرة، يكون هذا (الاستخدام للعنف) شيء لا مفر منه، كما أنه أيضاً أقل خطراً بكثير. لا بد لمصالح الحرية من أن تقود الناس بشكل متكرر، في دفاعهم لتغيير خلافة العرش. أما الدستور، فلأنه متكون من أجزاء، فقد يحفظ الاستقرار الكافي، من خلال الاستناد إلى بعض الأعضاء الارستقراطيين والديمقراطيين، على الرغم من أن النظام الملكي قد يتغير، من وقت لآخر، لكي يكيفه مع الديمقراطية.
في الحكومة المطلقة، التي ليس فيها أميراً شرعياً له حق رسمي في العرش، من الأفضل والأكثر أمناً أن تحدد عائدية العرش إلى أول شاغل أو مغتصب له. والأمثلة على هذا النوع كثيرة، ولا سيما في المملكات الشرقية. عندما تنتهي سلالة من الامراء، فإن وصية الملك الأخير أو توصيته تعتبر تخويلاً أو تفويضاً بالمنصب. لذا فإن مرسوم الملك لويس الرابع عشر، الذي دعا الأمراء غير الشرعيين (اللقطاء) إلى تولي العرش في حالة فشل الأمراء الشرعيين في الحكم، في مثل هذا الحال، ستكون له بعض السلطة.[16]وهكذا الملك تشارلز الثاني الذي تخلى عن مملكة إسبانيا برمّتها بإرادته. كما أن تنازل المالك القديم يعتبر على نفس المنوال رسمياً، لا سيما إذا ما ارتبط بغزو أو احتلال. إن الالتزام العام الذي يربطنا بالحكومة هو مصلحة المجتمع وحاجاته وهو التزام قوي جداً. أما تحديده أو توجيهه لهذا الملك أو ذاك أو هذه الحكومة أو تلك، فعادة ما يكون أمراً مشوباً بالغموض والريبة. وهنا يتمتع الامتلاك الحالي (للعرش) ببعض السلطة المعقولة، في حالات كهذه، أكثر مما في الملكية الخاصة، وذلك بسبب الفوضى التي تصاحب كل الثورات وتغييرات الحكومات.
وقبل أن نختم، علينا أن نلاحظ أن مناشدة الرأي العام، على الرغم من أنها محكومة بالفشل واللاشمولية، لاسيما في علوم ما وراء الطبيعة التكهنية أو في الفلسفة الطبيعية أو في علم الفلك، مع ذلك ليس هناك من معيار آخر فعلاً يمكن فض النزاع بموجبه في جميع القضايا ذات العلاقة بالأخلاق أو النقد. وليس هناك من دليل يثبت أن نظرية من هذا النوع خاطئة ومغلوطة أوضح من أن نجد أنها تقود إلى متناقضات عديدة يمقتها كل أبناء الجنس البشري وتبغضها كل ممارسات وآراء جميع الأمم في كل العصور. إن المذهب الذي يؤسس جميع الحكومات الشرعية على أساس العقد الاصلي أو على موافقة الناس يقع ضمن هذا التصنيف وبوضوح، ولم يتوان أنصاره البارزون—أثناء تنفيذه—عن التأكيد بأن: المملكة المطلقة لا تنسجم مع المجتمع المدني، لذلك لا يمكن أن تكون نوعاً من الحكومة المدنية على الإطلاق،[17] وأن القوة العليا في الدولة لا يمكن لها أن تأخذ من أي مواطن أي جزء من ملكيته، لا بالضرائب ولا بالفروض الأخرى، دون موافقته الشخصية أو موافقة من يمثله.[18] إن ماهية السلطة التي يمكن لأي تفكير منطقي أن يمتلكها والتي تقود الممارسة الواسعة لأبناء البشر خلف الرأي العام وفي كل مكان سوى هذه المملكة بعينها (أي المملكة المطلقة)، لهو أمر سهل التحديد.
إن الفقرة الوحيدة التي وجدتها في التراث القديم والتي أُرجع فيها الالتزام بالطاعة والولاء للحكومة إلى وعد يقطعه الفرد هي تلك التي وردت في كتاب كريتو لأفلاطون: حيث رفض سقراط الهروب من السجن لأنه قد وعد بشكل ضمني أن يطيع القوانين.[19] وهكذا أسس سقراط تبعات ونتائج مُحافظة للطاعة السلبية، على أساس عُمّالي للعقد الأصلي.
ليس لنا أن نتوقع اكتشافات جديدة من هذه المسائل. وإذا كان أي فرد كان قد تصوّر، حتى وقت قريب، أن الحكومة تتشكل على أساس ميثاق، فمن المؤكد أنها لا يمكن عموماً أن تتمتع بمثل هذا الأساس.
كانت جريمة التمرد، بين أوساط القدماء، تعرف عموماً بالمصطلحات[20]:
νЄωτЄρίζЄιν و(novas res moliri).
ملاحظات:

[1] بعدما حدد ديفيد هيوم الفروقات بين المحافظين والعمال (الحزبين البريطانيين) في مقال سابق (أنظر المقال: “حول أحزاب بريطانيا العظمى” في الجزء الأول)، تناول جدالاتهم التأملية والعملية والتاريخية في هذا المقال والمقالين اللاحقين. يرى هيوم أنه لمن التناقض أن نصف هؤلاء الذين اعتنقوا حزباً معيناً على أنهم فلاسفة (ص 469). ولأن طريقته فلسفية، فقد فضّل هيوم أن يتجنب الانتماء إلى أي من الحزبين أو أن يكون مجرد تابع أو مؤيد لأي منهما. فمهمة الفيلسوف، كما يراها هيوم، هي أن يلعب دور الوسيط بين الأحزاب المتجادلة للوصول إلى حل وسط أو تسوية توافقية. ويتم هذا من خلال تقييم متوازن لجدالات الأحزاب، تقييمات يقاد فيها كل طرف ليرى أن وجهات نظره ليست صحيحة تماماً وأن وجهات النظر المعاكسة ليست خاطئة تماماً. يمكن الوصول إلى الحل الوسط فقط إن لم يكن هناك طرف منتصر على الطرف الآخر. يمكن أن يساعدنا هذا على فهم السبب الذي جعل هيوم منتقداً لحزب العمال، الحزب الأقوى في زمانه، أكثر من انتقاده للمحافظين. لقد أوضح هيوم مخططه ومبادئه الرئيسية في بداية المقال الثالث من هذه المجموعة والموسوم “حول تحالف الأحزاب”.
[2] تيتوس فلافيوس فسباسيانوس هو الإمبراطور الروماني للفترة من سنة 79 وحتى سنة 81 للميلاد. أما سيزار بورغيا فقد غزا—وبمساعدة وتأثير والده البابا ألكسندر السادس—الإقليم الذي يسمى روماغنا في شمال إيطاليا، وحكمه للفترة 1501-1503 للميلاد. وقد وصفت طرق بورغيا القاسية والجريئة في كتابالأمير لمكيافيللي (الفصل السابع)—إذ عبّر عن إعجابه بها. أما تولاغي أنجريا فكان قائد عائلة قديمة، في أواسط القرن الثامن عشر، احترفت القرصنة واللصوصية، في ساحل مالابار الهندي، جنوبي بومباي. وبعد فشل الجهود الأولى في قمعه والقضاء عليه، اقتيد أنجريا خارج معقله في غاريا عام 1756 من قبل قوات الأوروبيين والهنود بقيادة تشارلز واطسون وروبرت كلايف.
[3] كان هيوم يقصد المنظرين العماليين بصورة عامة، وجون لوك بصورة خاصة، الذي تم تعريفه فيما بعد بالمؤيد الأبرز للمذهب القائل بأن جميع الحكومات الشرعية تأسست على العقد الأصلي أو موافقة الشعب. إن مخطط هيوم لهذا المذهب قد اعتمد على كتاب جون لوك الأطروحة الثانية. يحاول هيوم أن يبين أن ما يقوله هؤلاء الفلاسفة يتناقض مع الممارسة والرأي العام. ومن أجل أن يجعل جدله فاعلاً من حيث الرأي العام، كان يجب على هيوم أن يرفض الادعاء القائل بأن للفلسفة الأخلاقية أساساً أو قاعدة عقلية، وهذا ما فعله في نهاية المقال.
[4] كان تحول التاج البريطاني إلى وليام وماري عام 1689 قد حاز على تأييد ومصادقة المعاهدات والمواثيق البرلمانية، التي دعا إليها وليام في بريطانيا واسكتلندا. ربما كان هيوم يقصد بـ”أغلبية المئات السبعة” مجموع أصوات هذه المواثيق أو المعاهدات التي تؤيد تحويل التاج، وتحدد نظام الخلافة بعد وفاة وليام وماري.
[5] هنري الرابع كان ملك إنجلترا من عام 1399 إلى عام 1413.
[6] ملك إنجلترا من عام 1509 الى عام 1547. كان أعظم إبداع أنجزه هنري الثامن هو الانفصال عن البابا وتأسيسه لسلطة الملك بوصفه السلطة العليا الوحيدة على أرض الكنيسة الإنجليزية، ويتمتع بالسلطة التامة لإصلاحها.
[7] شملت عائلة لانكستر من ملوك إنجلترا هنري الرابع وهنري الخامس وهنري السادس. واستمر حكمهم من 1399 إلى 1461. اتخذت عائلة لانكستر الوردة الحمراء علامة أو شعاراً لها، بينما اتخذت عائلة يورك المنافسة على العرش الوردة البيضاء شعاراً لها.
[8] لقد أوضح هيوم هذا التقسيم للواجبات الأخلاقية في أطروحة الطبيعة البشرية، الكتاب الثالث، وكذلك في كتاب بحث حول مبادىء الأخلاق. كان هيوم دائماً يصنف العدالة والالتزام بالوعد والولاء للحكومة في فئة تختلف عن فئة الفضائل التي نمارسها ونؤيدها من خلال غريزة طبيعية أصيلة فينا. ففيالأطروحة، قدم التقسيم على أنه تقسيم بين الفضائل “الطبيعية” و”الاصطناعية”، ولكنه تراجع فيما بعد عن هذه المصطلحات في كتاب البحث الثاني (أنظر الملحق الثالث). لذلك –في هذا المقال- سميت العدالة، والوفاء والولاء، والتي كانت قد صنّفت في الأطروحة على أنها واجبات مصطنعة بـ”الواجبات الطبيعية”. يذهب هيوم، على عكس لوك، إلى أنه من غير المناسب أن نضع الولاء، أو الالتزام بطاعة الحكام في أولوية على احترام الوعد، طالما أنهما ينبثقان من نفس الأساس. اعتمد هذا الجدل بشكل موسع على الكتاب الثالث، الجزء الثاني من الأطروحة.
[9] يجب مقارنة هذه المناقضة المختصرة لأرضية الولاء أو واجب طاعة الحكومة مع المناقشة المستفيضة التي أوردها هيوم في الأطروحة، مقال “حول مصدر الولاء”.
[10] أنظر كتاب الأطروحة، مقال “حول مواد الولاء” الذي تناول هذا السؤال بشيء من التفصيل: لمن يجب تقديم الولاء ومن هم الذين نعتبرهم حكامنا الشرعيين؟
[11] نوقش هذا الأمر بالتفصيل في كتاب الأطروحة، مقال “حول القواعد التي تحدد المُلكية”.
[12] أنظر كتاب تاريخ إنجلترا لبول دي رابين-ثويراس (1661-1725)، المجلد 10. إذ كان كتاب التاريخ المعياري بالنسبة لإنجلترا حتى نشر كتاب هيوم. لقد كتب في بداية الأمر للأجانب ولكن سرعان ما تمت ترجمته إلى الإنجليزية. جاء رابين—الذي كان من عائلة هوغوية—إلى بريطانيا للمرة الأولى عام 1686 ليتجنب الاضطهاد، وعاد بعد عامين في جيش وليام أوف أورنج. لقد كتب كتابه عن تاريخ إنجلترا عندما كان في ألمانيا. في البداية، على الأقل، حكم هيوم على عمل رابين بفضاضة، لأنه كان منحازاً للعماليين (أنظر تعليق هيوم على رابين في قراءاته المتعددة لمقال: “حول الخلافة البروتستانتية”، الهامش ب). ويشمل الجدل الذي أشار إليه هيوم الخلافة للعرش الفرنسي أيضاً. عندما مات تشارلز الرابع، ملك فرنسا عام 1328، كانت زوجته حاملاً بطفل سيعتلي العرش –إن كان ولداً. في غضون ذلك، دعا البارونات إلى اجتماع لتعيين الوريث الثاني للعرش (من الذكور) وصياً، ويكون هذا الوصي ملكاً إن كان الجنين بنتاً. كان أحد المطالبين بالعرش إدوارد الثالث ملك إنجلترا، إبن أخ تشارلز الرابع وأقرب وريث ذكر له، والذي انحدر من العائلة الملكية الفرنسية من جهة الأم، ولكن مطلبه رفض من قبل البارونات. انتخب فيليب دي فالوا—إبن عم الملك الراحل—وصياً على العرش، وبعد أن ولدت الملكة فتاة، أصبح ملكاً وسمي فيليب السادس. تناول هيوم هذا الجدل وتبعاته في أثناء عرضه لحكم إدوارد الثالث في كتابه تاريخ إنجلترا.
[13] جيرمانيكوس (15 قبل الميلاد–19 بعد الميلاد) هو الذي تبناه عمه تايبريوس عام 4 للميلاد، أما دروسوس (13 قبل الميلاد–23 ميلادية) فهو إبن تايبريوس الطبيعي.
[14] كان كومودوس إمبراطوراً من عام 180 إلى عام 192 للميلاد. استمر حكم بيرتناكس لمدة ثلاثة أشهر فقط (من 1 كانون الثاني إلى 28 آذار من العام 193 للميلاد). وحدث الصراع بين لوسيوس سبتيميوس سيفيروس وأنداده (ديديوس جوليانوس، وبيسينيوس نيجر، وكلوديوس ألبانيوس) من عام 193 وحتى 197 للميلاد.
[15] إن “غورديان سيزار قد رُفع من قبل الجنود الذين هتفوا به إمبراطوراً (أي أوغسطس)، لأنه لم يكن لديهم أحد سواه” (الترجمة لديفيد ماغاي). لقد قام الحرس بتحية غورديان كإمبراطور سنة 238 للميلاد، عقب مقتل عمه وانتحار جده (وكلاهما إمبراطوران ويحملان إسم غورديان)، وبعد مقتل كل من بالبينوس وبوبينوس ماكسموس اللذان خَلـَفا آل غورديان بصفة إمبراطورين مترابطين.
[16] من الملاحظ أن مذهب العقد الأصلي قد لقي تأكيداً، في احتجاج دوق بوربون والأمراء الشرعيين على هذا التوجه للملك لويس الرابع عشر، حتى في الحكومة المطلقة. ويقال إن الأمة الفرنسية، عند اختيارها لهوغو كابيه وأحفاده ليسودونهم ويحكمونهم وأحفادهم، بعد أن فشل الخط السابق من الملوك، فقد حفظت حقاً ضمنياً لها في اختيار عائلة مالكة أخرى، وقد أغتُصب هذا الحق منهم عندما استدعي الأمراء غير الشرعيين (اللقطاء) ليجلسوا على العرش، دون موافقة الأمة. ولكن كومت دي بولانفيرز، الذي كتب مدافعاً عن الأمراء اللقطاء، سخر من فكرة العقد الاصلي هذه، ولاسيما عندما انطبقت على هوغو كابيه الذي اعتلى العرش بنفس الحيل والفنون التي لطالما استخدمت من قبل جميع الغزاة والمغتصبين، على حد تعبير الكاتب. وقد حاز على موافقة واعتراف بمنصبه من قبل الدول بعد أن امتلك العرش. ولكن هل هذا عقد أم اختيار؟ علينا أن نلاحظ أن بولانفيرز كان جمهورياً معروفاً، ولكن لأنه رجل متعلم ومطلع على التاريخ، فقد عرف أن أحداً لم يستشر الشعب في هذه الثورات والتغييرات وتشكيلات الحكومة، وأن الزمن وحده هو من وهب الحق والسلطة لما كان قد أسس أصلاً على القوة والعنف.
[17] أنظر كتاب لوك عن الحكومة، الفصل 7، ص 90. في هذا الاقتباس والذي يليه نجد هيوم يكرر ما قاله لوك ولكن بصياغته الخاصة، ولم يقتبسه اقتباساً.
[18] نفس المصدر، ص 138-140.
[19] أنظر كريتو، ص 50 وما يليها. يتخيل سقراط هنا ما “سيقوله الكومونويلث والقوانين” عن مقترح كريتو بأن يهرب من السجن. إن الاتفاقية أو الوعد هي إحدى مبادئ الالتزام التي تنادي بها “القوانين” في الحديث الذي اخترعه سقراط لهم. ولكن سقراط لا يقول وباسمه شخصياً أن وعداً بطاعة القوانين يلزمه بالبقاء بالسجن.
[20] كلا المصطلحين يعنيان: أن تخلق أو تبدع أو تقدم أعمالاً خلاقة، ولاسيما التغيير السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018