نصر الله…إعدام استقلالية القضاء والحق في الحياة

عزيز مشواط21 نوفمبر، 20100

ألقى الزعيم اللبناني حسن نصر الله في الآونة الأخيرة عددا من الخطابات، تناول فيها قضايا لبنان والعالم العربي وتطورات المنطقة وتعقيداتها السياسية في محيط إقليمي يظل منذ زمن بعيد محط أنظار العالم. وبحكم وضعية الحزب وتحالفاته الداخلية والخارجية وموقعه وتاريخ مواقفه، تحظى إطلالات الزعيم اللبناني بالكثير من الاهتمام الإعلامي، اهتمام تعززه قدرة الرجل الخطابية والبلاغية.
ويسجل جميع المراقبين، كما الأصدقاء والأعداء نجاح الإطلالات الإعلامية لحسن نصر الله في أكثر من مناسبة، إلى الحد الذي دفع جزءا كبيرا من القادة السياسيين والرأي العام في إسرائيل إلى أخذ تصريحات نصر الله بالجدية الاستثنائية. لكن خلف هذا النجاح توجد أكثر من كبوة لا بد من الالتفات إليها بعيدا عن العواطف والأحكام المسبقة.
في تجمع جماهيري إحياءا للذكرى الرابعة لحرب تموز قال حسن نصر الله”«كنا نطالب بإصدار أحكام الإعدام..والحمد لله صدرت العديد منها، واليوم نطالب بالإسراع بتنفيذ تلك الأحكام..» استغرق الخطاب أكثر  من ساعة، وحظي بتغطية إعلامية واسعة ونقلته على الهواء المباشر عدة قنوات تلفزيونية.. وبالتالي فإن الموقف من الإعدام المشار إليه أعلاه سيكون هو الآخر بالتأكيد حظي بنفس الانتشار.
بغض النظر عن السياقات التي صدر فيها الموقف، فإن صدوره من زعيم بحجم حسن نصر الله، يقتضي وقفة تأمل لم  تستطع المنظمات الحقوقية العربية أن تلتقطها، وهنا لا بد من الإشارة إلى مجموعة من النقاط.
إن هذا الخطاب يتناقض مع أبسط الحقوق التي ناضلت وتناضل الإنسانية من أجل إثبات الحق فيها:الحق في الحياة. إنه يضرب في العمق النضال من أجل إلغاء عقوبة الإعدام باعتبار أنها تصادر الحق في الحياة وأنها عقوبة لا إنسانية وحاطة بالكرامة الإنسانية.
إن المطالبة بإصدار عقوبة الإعدام وتسريع تنفيذه خطأ جسيم بكل المقاييس الحقوقية، مهما أخذنا بعين الاعتبار ملابسات التأهب التي يعيشها لبنان في مواجهة محيطه الخارجي، وضرورة ردع العملاء، ووضعية لبنان في مواجهة حكومات إسرائيلية متعنتة وذات نوايا عدوانية معادية.
يتمثل خطأ عقوبة الإعدام في أنها غير رادعة، كما أنها قد تصدر في حق أشخاص أبرياء في حالة عدم تطبيق شروط المحاكمة العادلة وضمان استقلالية القضاء، وحين تنفيذ حكم الإعدام، لا يمكن بعد ذلك تصحيح الخطأ، ونصبح آنذاك أمام جريمة فظيعة ارتكبت باسم القانون.
إن تصريحات حسن نصر الله غير الموفقة في هذا الشأن تستحق الكثير من التأمل، لأنها صادرة من زعيم تنظيم تبنى خيار المقاومة لإحقاق الحقوق الإنسانية ولاستعادة الكرامة في بعدها الإنساني، هذا على الأقل ما تحاول الشعارات والخطابات ترويجه. كما أنها، من جهة أخرى، توجيه قوي على المدى القريب والمتوسط والبعيد  للقضاء الذي يتم المطالبة باستقلاله، إذ كيف يمكن لقاض لبناني، كيفما كانت مصداقيته أن يظل طالبا للحقيقة في أي ملف يمس حزب الله، بشكل مباشر أو غير مباشر، بعد تصريحات حسن نصر الله. إنها تصريحات تختزن لهجة التهديد والوعيد لكل أجهزة الدولة بما فيها مؤسسة القضاء. ولا يمكن للقضاة بعد ذلك أن ينسوا أن صاحب التهديد ليس سوى زعيم حزب، استطاعت ميليشياته المسلحة في سبعة أيار أن تجتاح مناطق واسعة من لبنان في رمشة عين.
الكثير من التحليلات الواردة في الخطابات الأخيرة لحسن نصر الله، تحظى في العالم العربي بتعاطف كبير، لكن ذلك لا يمنع  من أنه  جانب الصواب بشكل كبير في مطالبته بالإعدام أولا وبتسريع تنفذ الأحكام ثانيا. وإذا كان مفهوما المنطلقات التي ارتكز عليه زعيم المقاومة اللبنانية في إطلاقه تصريحات من هذا القبيل، فإن غير المفهوم  فعلا  هو سكوت المنظمات الحقوقية العربية عن هذه المطالب الإعدامية. صحيح، قد تتخوف هذه المنظمات من انتقاد التصريحات بحكم الحساسية الشعبية اتجاه موضوع مرتبط  بالصراع العربي الإسرائيلي والتخوف من أن يتحول الموقف ليصب في خانة إسرائيل لكن أعتقد أن هذه التبريرات على “وجاهتها العاطفية” تبقى غير مقنعة للسكوت عن موقف يتنافى والتشريعات الكونية ومبادئ حقوق الإنسان في مفهومها الشمولي.
إن  إخضاع حقوق الإنسان للانتقائية يفتح الباب واسعا لمزيد من الانتهاكات الجسيمة التي عانت وتعاني منها الشعوب العربية، بدعوى الخصوصية ومواجهة الأعداء. وفي هذا السياق فإن الصراع مع إسرائيل ذاتها ليس سوى صراعا لإثبات خرقها لحقوق الإنسان وحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والحياة الكريمة وفي الملكية وفي الاستقرار والأمن.
بعيدا عن هذه التبريرات، يبقى على عاتق المنظمات الحقوقية وعلى الفعاليات السياسية والقوى الديمقراطية العربية  النظر إلى حقوق الإنسان بمنظار شمولي لضمان الحق الإنساني المقدس بعيدا عن التبريرات الضيقة. فيما يتحتم على زعيم  حزب بحجم  شعبية حزب الله على الصعيد العربي أن يكون حذرا أكثر عند التعاطي مع قضايا الشعوب العربية، وخاصة الحقوقية منها لأن تصريحاته المتعلقة بتسريع تطبيق عقوبة الإعدام لا تبعث على الاطمئنان.
إن مبعث عدم الاطمئنان التي خلفتها تصريحات نصر الله “غير الحقوقية” نابعة من قوة الحزب محليا ومن النفوذ الذي يتمتع به التنظيم إقليميا، فهذه التصريحات تعزز مواقف العديد من الفرقاء السياسيين اللبنانيين الذين ينظرون بالكثير من الحيطة والحذر إلى إستراتيجية الحزب ومخططاته البعيدة المدى. وهي مخططات يمكن أن تقوده في يوم من الأيام إلى الاستحواذ على السلطة، إن بشكل مباشر أو من خلال تحالفاته (نموذج التحالف مع التيار الوطني الحر) التي جعلت منه الآمر الناهي في لبنان، خاصة مع توفره على ترسانة عسكرية تتجاوز ما يتوفر عليه الجيش النظامي.
إن سيناريو تمكن حزب الله من السلطة في لبنان، تحت أي شكل من الأشكال، سيدخل حقوق الإنسان  في بلد الأرز في نفق أكثر ظلامية، إذ يسهل تبعا لمنطوق تصريحات نصر الله، العبث بها  تحت مسميات وذرائع شتى، لذلك فإن عدول نصر الله عن موقفه المؤيد للإعدام، سيكون عين الصواب، طمأنة للمحيط الحقوقي الدولي والعربي والمحلي، وتعزيزا للنضال والكفاح من أجل قضايا الإنسان العربي العادلة، التي يقول الحزب أنه يدافع عنها، وإشاعة لروح الاطمئنان المفقودة في لبنان، بفعل اضمحلال دور المؤسسات وتضخم دور الميليشيات.
‎© منبر الحرية،13 أكتوبر/تشرين الأول 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018