الإسلام والعنف دور المثقف في تغيير الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين على مستوى البناء والإصلاح الجزء الثاني

نبيل علي صالح21 نوفمبر، 20100

الجزء الثاني
لقد ساهمت الأجواء السلبية الضاغطة على الحركات الإسلامية، في اعتماد كثير من تلك الحركات والمنظمات الأمنية على طرق ووسائل العنف والإرهاب المدمر غير المشروع، كالتفجير وخطف الطائرات والشخصيات، وممارسة الاغتيالات والتصفيات الجسدية، وو..الخ. وذلك في سياق وجود مناخات ضاغطة وظروف قاهرة مضادة، بررت لأولئك المنظمين في تلك الحركات –كما يتحدثون ويعتقدون- استخدام وسائل العنف في مواجهة السياسات الظالمة (والمخالفة لأبسط مبادئ الحق والعدالة والقانون) التي تتبعها الدول (والقوى) العظمى ضدهم، والتي تستخدم (هي نفسها) الوسائل ذاتها وبطرق رسمية (مبررة دولياً!)، خفية حيناً وظاهرة أحياناً (خصوصاً بعد أن بدأت الولايات المتحدة بشن حربها الدولية على الإرهاب بعد أحداث 11سبتمر 2001م) فتكون القضية هي أن الإرهاب يحارب بعضه بعضاً على حساب المجتمعات المفقرة والمستضعفة..، نعم هناك تأثير كبير للعوامل السياسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في بلداننا لعبت دوراً حاسماً في ولادة وتغذية مواقع ومناخات العنف والعنف المضاد في مجتمعاتنا..، لكن لا يمكننا التعميم هنا، إذ أن اعتبار العنف عندنا بكليته –خصوصاً عنف الجماعات الإسلامية المتطرفة- وليد ظروف سياسية واقتصادية صعبة يعيشها هؤلاء المتطرفون، هو نصف الحقيقة، وهو يجانب الصواب، والدليل عليه أننا عندما نراجع أدبيات كثير من تيارات وجماعات الإسلام السياسي (السلفي السني تحديداً) نجد أن لديها تأصيلاً دينياً للعنف والإرهاب، تحصنه بنصوص وأحاديث دينية مقدسة، وتبرره وتعززه بسلوكيات وأفعال قادة وزعماء التاريخ الإسلامي. الأمر الذي يجعلنا نصل إلى نتيجة مفادها: أن عنف وإرهاب تلك الجماعات المتشددة هو عنف ابتدائي “أصيل”، وليس عنفاً طارئاً وناتجاً عن ضغط العوامل الاقتصادية أو السياسية..، وكمثال على ذلك نذكر من تاريخنا القديم الخوارج الذين عاثوا فساداً وقتلاً وتدميراً وإرهاباً في مجتمعهم الإسلامي الوليد، ووصل الأمر برئيس الدولة آنذاك (الخليفة الرابع) علي ابن أبي طالب أن قاتلهم وحاربهم وسحق تمردهم العنيف على الدولة والمجتمع.. ليس لاختلافهم معه في الرأي والفكر وهو ممن اعتاد لغة الحوار والمدارة والتواصل، وإنما لأنهم تحولوا إلى الجلافة والاستعلاء والعناد وركوب الرأس، فحولوا الخلاف مع علي –الذي عاملهم في البداية معاملة حسنة، وسمح لهم بالدعوة والاختلاف السلمي الحضاري معه في الرأي والتوجه طالما لم يبدؤوه بقتال- إلى قاعدة عنف وإرهاب ودمار ألحقت بالناس والمجتمع الدمار والويلات.
طبعاً لم يكن في ذلك الزمن القديم (قبل حوالي 1400 سنة) أي وجود إمبريالي أو صهيوني أو ماسوني أو..الخ، حتى يبرر عنف الخوارج بالضغوطات الدولية والسياسات الظالمة للدول المهيمنة الكبرى. بل كان هناك عنف يستند إلى مفهوم “الحاكمية”، ويعتمد على تطبيق مبدأ “الأمر بالمعروف ومقاومة المنكر” بالطريقة التي فهمها الخوارج. وانتقلت لاحقاً –مع بعض التعديلات- إلى كثير من الزعامات والتيارات الفكرية الدينية، فأدت إلى ما أدت إليه من فتن واضطرابات وانقسامات أصابت عالم الإسلام والمسلمين في صميم وجودهم المعنوي والمادي.. حتى وصلنا إلى عصورنا المتأخرة حيث فاجأتنا ظروف جديدة وتحولاتسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية غير مسبوقة طرأت على العالم العربي من استعمار دولي واستبداد سياسي وفكري محلي، كان لهما بالغ الدور والتأثير في تركيز مقولة ومفاهيم وأساليب العنف والعنف المضاد في منطقتنا.
في مثل هذه الأجواء ولدت ونشأت الحالة الإسلامية الجديدة التي هي بصورة أو بأخرى امتداد لسابقاتها من الحركات والتيارات الأيديولوجية. حيث كان العنف فيه هو السمة الأساسية الغالبة على مناخ الولادة، وهو الممثل الوحيد لكل الحركات والملامح.
أي أن الأصولية الإسلامية انطلقت في أجواء ولادة المشروع الإسرائيلي وقيام دولته في المنطقة على قاعدة العنف والتشريد والإرهاب المدمر، واستخدام كل الأساليب الوحشية والهمجية ضد الشعب العربي الفلسطيني، لتكون هذه الدولة “دولة وظيفية” بامتياز.
وبالتالي فإن ما نراه أمامنا الآن -من عنف وعنف مضاد مستمرين منذ عقود طويلة- لا يمكن إرجاعه مطلقاً إلى الدين الإسلامي بالذات، بالرغم من وجود الكثير من العناصر المسلمة التي دعت إلى تبني خيار العنف، ومارسته، بل وتورطت -مع الآخرين- في تنفيذ سياسات وأعمال إرهابية بحق بعض المواقع المحلية والدولية كما ذكرنا في أمثلة سابقة.
ولذلك يمكن أن نقرر هنا بأن العنف حالة طارئة انطلقت في الواقع العام من حالة انفعالية موجودة في العالم كله (خصوصاً في العالم الثالث)، تمظهرت –في أحد أشكالها وتعابيرها- من خلال هذا التحدي القائم في مواجهة السياسات الاستعمارية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
ونحن هنا حقيقةً لا نبرر ولا نحكم وإنما نصف ونعاين استشراء حالة العنف الدموي في منطقتنا العربية. وإذا كانت السياسات الغربية المنحازة تتحمل  المسؤولية عن تلك الحالة وهي فعلاً كذلك، فإن المسؤولية الأكبر تقع لا محالة على كاهل أهل الداخل من العلماء والسياسيين والمفكرين ومختلف التيارات والأحزاب..
من هنا نحن نعتبر أن اتهام الغرب للإسلام بأنه “دين التطرف والعنف”، ليس صحيحاً، وهو اتهام ينطوي على دعاوي مزيفة، والغرب ليس صادقاً على الإطلاق في رفضه لمسألة العنف. لأنه يرفض العنف الذي يقف في وجه تحقيق مصالحه وسياساته الإستراتيجية، ولا يرفض أبداً العنف إذا كان موجهاً ضد خصومه ومناوئيه، بل يدعمه ويوظفه لصالحه.. وهذا ما عشناه ولاحظناه سابقاً في دعم أميركا المطلق للمجاهدين الأفغان في حربهم ضد الوجود الشيوعي (السوفييتي السابق) في أفغانستان، مع أنها كانت حركة إسلامية متعصبة، تمثل عنفاً بالغاً وشديداً. ولكنها سرعان ما انقلب السحر على الساحر، وأصبح حلفاء الأمس أعداء اليوم عندما نال أمريكا ما نالها من عنفهم وإرهابهم الدامي في كل من منهاتن وواشنطن.
ولكننا في كل تلك المناخات السلبية السائدة والمهيمنة علينا، نسأل كيف يجب أن نتعامل مع هذه الأحداث والوقائع الجديدة، وفي كل يوم هناك جديد؟ وماذا ينبغي علينا فعله من أجل مستقبل أوطاننا وشعوبنا المستضعفة والمفقرة التي تعاني من التعصب والتطرف والتخلف الفكري والاقتصادي؟ وكيف نستفيد من كل هذه التطورات العلمية والتقنية لصالح تجديد خطابنا الفكري الموجه لنا وللآخرين؟ وبأية لغة عملية ندعو ونتحاور، بلغة الأقدمين الذين عاشوا في السابق وكانت لهم أعمالهم وممارساتهم وكسبهم الفكري والعملي؟ أم بلغتنا الحاضرة، لغة التواصل والتعارف والحوار وتثبيت قيم الإنسانية الأصيلة، حيث أن الديانات هي في الأصل –أو هكذا يجب أن نفهمها ونؤولها- دعوات للسير على طريق المبادئ والرؤى الإنسانية من حرية وعدل ومحبة وتسامح؟!..
© منبر الحرية ، 15 ماي /أيار2010

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018