القيم عند العرب المسلمين و الموروث الثقافي الفارسي

peshwazarabic21 نوفمبر، 20100

ثمة رأي ساد حينا من الزمن، على أن العرب لم ينتجوا فكرا أخلاقيا، لا في الحقبة الإسلامية، ولا ما قبل الإسلام. وما يعزز هذا الرأي، خلو المكتبة العربية، أو تكاد تخلو من كتب أو دراسات تتناول الأخلاق العربية بالنقد والتحليل..ويبدو في الإسلام، أن المسلمين لم يعملوا الفكر كما اليونان، بل اكتفوا بالدين كشارح للأخلاق وموجه لهم بالموعظة الحسنة، دون أثر للتفكير الفلسفي.
لقد شهد العراق عن طريق موانئ البصرة خاصة، قدوم أعاجم من بلاد فارس، فضلا عن أخلاط من أقوام مختلفة، وفئات أخرى ممتهنة للتجارة. كل هؤلاء قدموا إلى ديار الإسلام يحملون معهم ميولا وعادات وسلوكيات مختلفة، ناهيك أن كبراء الأمويين أنفسهم، كانوا رقيقي الإيمان، فلم يتملكهم الدين بعمق، ولم يستحكم في أفئدتهم، ولم يستغلق عليهم التفكير. فالأمويون كانوا يبررون سلوكهم باقتراف إثم ما بالقضاء والقدر، أي إن الله قضى على هذا الإنسان باقتراف هذه الجريرة، فليس من راد إذن لقدر الله، وبالتالي فهذا تبرير للسلوك الإباحي عند الفرد، فقد جعلوا من (الجبر) عقيدة تبرر سياساتهم، وتسقط المسؤولية عنهم، طالما الله قضى بذلك..
بالمقابل فقد ظهرت حركة فكرية تنويرية عرفت بالقدرية، التي رأت عن قدرة الإنسان من التحكم بأفعاله، وبالتالي فهو يتحمل مسؤولية ما يصدر عنه. وكان هؤلاء من الذين تشيّعوا لعلي وآل البيت، ومثل هذه الحجة كانت موجهة بالأساس للأمويين، لتفنيد مزاعمهم وما هم عليه..
شاع في العصر الأموي أدب الترسل، وهو نمط من الكتابات، كانت بمثابة منابر إعلامية لتكريس كثير من الأفكار والقيم، لاسيما قيم (الجبر) وطاعة أولي الأمر. وعُدّ هذا من مرتكزات السياسة الأموية، واعتبرت طاعة الخليفة، (خلافة الله) من طاعة الله. ويبدو أن هذا الضرب من الطاعة، انتقلت إلى الأمويين عبر الموروث الفارسي. ورغم ذلك، فقد عـُـدّ حكم الأمويين أكثر تساهلا في الأمور الدينية، مقارنة بالعباسيين، أي أنهم لم يتوسلوا الدين لفرض طاعتهم على الناس، بل كانت حكوماتهم أقرب إلى أخلاقيات العرب الغساسنة قبل الإسلام، المطبوع بالطابع العربي القبلي، في حين وجدنا أن العباسيين عملوا على توظيف الدين لتكريس سيادتهم، وتسويغ حكمهم، وتمكين تواصلهم واستمرار تحكمهم في رقاب الناس. فهذا أبو جعفر المنصور يفاجئ الناس في أول خطبة له قائلا: (أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه) وهنا إشارة إلى أن طاعة السلطان من طاعة الله..
كان تأثير القيم الفارسية واضحا على سلوك الإنسان المسلم. وكان الاطلاع على حياة ملوك الفرس، وتمثّلها من قبل الخلفاء ظاهرا للعيان، فتعظيم الخلفاء، وطريقة الدخول إليهم، واختيارهم لندمائهم، وطرائق إقامة المآدب، والظهور بحالة الأبهة، وطريق التخاطب بلغة التعظيم، كل هذا منقول عن الموروث الفارسي.. وكل هذا لتعظيم ولتكريس وتمجيد الطاعة وتقديس لشخص الخليفة الملك. وكان يعطى دور لرجال الدين، كحلقة هيمنة، فقد كانوا يتزلفون للخليفة وخواصه من جانب، وبالمقابل يقومون بربط العوام بوجوب الطاعة والخنوع للخليفة لأن طاعة الخليفة من طاعة الله. وكثيرا ما حصلت انقسامات بين رجال الدين في تفسيراتهم وتأويلاتهم للنصوص الدينية، فانقسموا متناحرين..
راح ابن المقفع يؤكد على خصال السلطان كسبيل لنجاحه وطريقة لدوام جبروته وملكيته، ووقايته من الشر..وقد تخلّق أبو جعفر المنصور بقيم أكاسرة الفرس (قيم كسروية)، كما تم تداول حكايات وأمثال شاعت في الدولة الإسلامية، لها مغاز، مثلا كقولهم: القائد الذي تخافه الرعية، أفضل من قائد يخاف هو الرعية. وهنا لا يخفى الهدف من تكريس سطوة الظالم، أو قولهم: إذا كان الإمام عادلا فله الأجر، ولك الشكر، وإن كان ظالما، فعليه الوزر، ولك الصبر..وهنا أيضا تكريس للإذعان والخنوع، أو ما روي عن الرسول الكريم قوله: (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة) هذا الحديث قيل بالأساس في الفرس وفي حالة لها طابع الخصوصية، عندما ورثت ابنة كسرى العرش عن أبيها بعد وفاته، فجرى تعميمها كحالة عامة للحط من شأن المرأة. وينقل لنا ابن المقفع مثالا آخر عن الإساءة للمرأة والحذر من الارتباط بها: (المرأة غلّ، فانظر ماذا تضع في عنقك) أو عدم ائتمانهن على سر…
لقد فرضت القيم الكسروية على الحالة الإسلامية، بل حدا بعضهم ليقول من أن النزاع بين علي ومعاوية هو نزاع بين القيم التي ورثها الإسلام عن الفرس. فالطاعة غير المشروطة عند الفرس، اتخذت في الإسلام وجهة ألوهية الإمام، كما عند بعض فرق الشيعة، بخلاف موروث الخلافة الراشدية.. فطاعة كسرى كانت من طاعة الله عند الفرس، حتى أن عبادة كسرى لدى البعض لم تثر الاستهجان، ولا يؤاخذ صاحبها عليها..ومثل هذا الواقع انتقل إلى دنيا العرب المسلمين، فاستحال خليفة المسلمين إلى كسرى المسلمين..
إن الموروث الفارسي قد لامس أهواء الخلفاء الأمويين، لما فيه من تكريس للطاعة. وإذا كان خطاب الطاعة بدأ بالخلافة الأموية، فالعباسيون الذين خلفوا الأمويين أبقوا على خطاب الطاعة، بل أعطوه الأولوية: (من اشتدت وطأته، وجبت طاعته) فطاعة كسرى واجبة دون شرط أو منازعة حولها، ومثل هذه النزعة سرت في فرق إسلامية عرفت بـ (الغلاة) الذين رفعوا أئمتهم إلى مرتبة الإله، وهم من الشيعة المتطرفة، فمنهم من دعا بإلهية علي بن أبي طالب، وآخر هو عبد الله من أحفاد أبي طالب، دعا لنفسه بأنه ربّ ونبي، وقد عبده بعض الناس. بمعنى آخر فقد تشكلت صورة الإمام الأعلى مقاما من الخليفة، تشبها بكسرى، فطاعة الإمام هي نفسها طاعة الإله، وهذا الأمر الأخير مازال ساريا عند فرق من الشيعة إلى اليوم…
© منبر الحرية، 15 أبريل 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018