"القاعدة" واليمن: ما وراء استهداف السُّيّاح الأجانب، وما سيأتي

peshwazarabic21 نوفمبر، 20100

على وقع الأزمة المالية العالمية، وفي ظل أزمات لا تكاد تنتهي تعيشها اليمن هذه الأيام، جاءت سلسلة الاعتداءات الإرهابية الأخيرة التي تعرض لها رعايا أجانب من كوريا الجنوبية، بين سياح وفريق تحقيق أمني، لتزيد الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد تأزماً وتعقيداً. وبيّنت – بما لا يدع مجالاً للشك – أن تنظيم القاعدة، الذي نفّذ هذه العمليات، أخذ يمارس عنفه الأعمى بقسوة ودون هوادة، وعلى نحو استعراضي يُقصَد منه إظهار عجز الدولة اليمنية، التي يراها “غير شرعية” و”عميلة” لأميركا والغرب كما للنظام السعودي المجاور، وإنهاكها – وهي المُنهَكة أصلاً – اقتصادياً، ناهيك عن مضيّه في جهوده الرامية لضرب شرعية النظام وهزّ صورته في الخارج وبما يفقده – أي النظام- ثقة أهم حلفائه؛ ولهذا تجاوز إرهاب التنظيم الأهداف السياحية التقليدية والمعتادة، الغربية أساساً، وبدأ نطاقه يتسع ليشمل سياحاً وأفراداً من دول أخرى تربطها علاقات حسنة باليمن، ومن هؤلاء السياح الكوريين الجنوبيين الذين يُنظر إليهم بشكل واسع على أنهم أكثر السُّياح الأجانب وداعةً ومسالمة.
إن التنظيم يدرك بطبيعة الحال عمق الأزمة التي تعاني منها الحكومة اليمنية في الوقت الراهن، إذ تأثّر أداؤها الاقتصادي والمالي بشدة، كما أعترف مسئولوها أخيراً بعد طول ترددٍ ومراوغة، نتيجة التداعيات الارتدادية السلبية للأزمة المالية العالمية. وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، من المُرجّح أن يلجأ التنظيم من الآن وصاعداً إلى التركيز، وبشكل أكثر حِدّة، على الأهداف الاقتصادية الأكثر حيوية بالنسبة للحكومة اليمنية، وفي مقدمتها قطاعيّ السياحة والنفط.
لكن إستراتيجية التنظيم هذه، وعلى عكس المتوقع، قد تُفضي – في نهاية المطاف – إلى نتائج عكسية بالنسبة لجميع الأطراف، وبما يحوّل الخاسرين إلى رابحين والعكس. فمع اشتداد العنف الإرهابي الذي يستهدف موارداً وقطاعات اقتصادية حساسة في اليمن، بالتوازي مع استفحال الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعاني منها البلاد، ستكون الحكومة اليمنية في وضع تفاوضي أفضل فيما يتعلق بقدرتها على تلقي المزيد من المساعدات الخارجية، الأمر الذي سيُعطي تحذيرات كبار مسئوليها – وفي مقدمتهم عبدالكريم الأرحبي نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير التخطيط والتعاون الدولي – والتي تُلوِّح صراحةً بإمكانية غرق البلاد في الفوضى و”تحولها إلى صومال جديد”، أذاناً صاغية واهتماماً أكبر وبما يدفع إلى استجابة (وتحرك) أسرع من المجتمع الدولي، الذي ما فتئ يُبدي خشيته من دخول الدولة اليمنية طور “الفشل”، وتحولها تالياً إلى “حاضنة مثالية” للمتطرفين والإرهابيين، الذين سيهدد عنفهم المتشظّي واحدة من أكثر مناطق العالم حيوية من النواحي الاقتصادية والأمنية والإستراتيجية، والمقصود بالطبع منطقة الخليج حيث منابع النفط واحتياطياته الأهم والأكبر عالمياً.
وإذا تحقق ذلك، ستزداد القدرات الأمنية اليمنية مع تحسن الوضع الاقتصادي نسبياً وتجاوز الأزمة الراهنة نتيجة تدفق الأموال وارتفاع وتيرة الدعم الخارجي للاقتصاد اليمني، وبالتالي ستتخذ المواجهة مع القاعدة وجماعات العنف المسلح منحنى مختلف، في ظل جهوزية أمنية أكبر وأكثر فعالية تحظى بدعم إقليمي ودولي مهم وحاسِم.
وفي المقابل، قد تنقلب خطط تنظيم القاعدة عليه ومن حيث لا يدرك قادته أو يتوقعون. فالعاصفة المالية الحالية أخذت رياحها العاتية تطال التنظيم، الذي لطالما تفاخر بدوره المزعوم في إحداثها بفعل هجماته على أميركا و”جرّها” إلى حروب استنزاف صعبة ومُكلفة في أفغانستان والعراق، وبدأت تهدد وضع التنظيم المالي، في مركزه وتفريعاته الإقليمية، تهديداً حقيقياً، لاسيما وأن قادته، سواء أولئك المختبئين في الحدود الأفغانية – الباكستانية أو هؤلاء المحتمين بمناطق قبائل اليمن الأكثر نفوراً من قبضة الدولة المركزية –  ليس لديهم في الوقت الحاضر موارد مالية كبيرة، خلافاً للموارد التي تتمتع بها حركة أصولية كطالبان والمرتبطة بشدة بتجارة المخدرات المربحة (يتناقض الوضع المالي الحالي لقادة تنظيم القاعدة تناقضاً حاداً مع الوضع الذي كانوا عليه قبل هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، عندما كانت الميزانية السنوية لتنظيم القاعدة تتراوح بين 20 و30 مليون دولار، والتي ذهبت عدة ملايين منها إلى طالبان).
وعلى الأرجح فإن الأزمة المالية، التي يحاول تنظيم القاعدة مفاقمة تداعياتها بالنسبة لدول نامية كاليمن، أخذت تؤثر في حجم مبالغ التبرعات التي يتلقاها التنظيم، في الوقت الذي تقل فيه موارد المانحين، وتزداد الطلبات من ملتمسين آخرين. والمؤكد أن المشاكل المالية ستُلحِق أضراراً فادحة بقدرة القاعدة على إدارة تنظيمها بشكل فعّال. إذ يتحتم على قيادة التنظيم أن تدفع ثمن الطعام والسكن والإقامة لأُسر الرفاق الذين فقدوا أرواحهم، وكذلك مصاريف الأمن والحماية وشراء الأسلحة والمعدات والتجهيزات اللوجيستية، فضلاً عن الأموال الضرورية لتجنيد وتدريب العاملين والانتحاريين وتهيئتهم للقيام بالعمليات الإرهابية والانتحارية.
وفي المحصلة، ثمة احتمالات كثيرة لما يمكن أن يؤول الوضع الأمني في اليمن والذي يهيمن عليه مشهد الإرهاب والحرب عليه، خاصةً وأن الدولة لم تقو بعد على هزيمة القاعدة وجماعات العنف المسلح، ناهيك عن كونها ما زالت تضرب، واعية لذلك أم لا، عرض الحائط بتعريفها الحداثي لذاتها ولدورها والذي يجعلها القوة الوحيدة التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف، سامحةً لقوى مجتمعية تقليدية، بل وشبه بدائية، بمزاحمتها واقتسام هذا التعريف معها. لكن المهم اليوم هو أن يدرك المجتمع اليمني، بمختلف مكوناته، طبيعة التهديد الكبير الذي تشكله جماعة “القاعدة” على حاضره ومستقبله، وأن مشروع هذا التنظيم، الذي يتأسس على العنف والمزيد من العنف دون أفق سياسي واضح، بات يتقاطع وبصورة جوهرية مع سعي هذا المجتمع لتجاوز تخلفه وعثراته، والنهوض من غيبوبته الحضارية التي طال أمدها وأصبحت تشلّ إرادته الجمعوية بشكل تام.
© منبر الحرية، 20 مارس 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018