السجن إنسان والدين حرية.. موسيقاها كلمة الفعل وفعل الكلمة

peshwazarabic19 نوفمبر، 20101

قال تعالى:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” وقال تعالى “لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك”.
إذن، في البدء الحرية، فلا إكراه، بل اختيار.. وفي البدء كان الكلمة.. “كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء” و” وكلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من الأرض فما لها من قرار”
الكلمة الطيبة هي أصل التجذر والافتراع والتوغل في العقول والنفوس والقلوب.. ولأن الأديان كلها تدعو إلى الله، فإنها توسلت الكلمة المتسمة بالأخلاق وجماليات الأخلاق، وهذا ما أكد عليه الأنبياء جميعاً وأكمله محمد صلى الله عليه وسلم”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”..
فرغم الأذى البشري الذي تعرض لـه الأنبياء والرسل ـ وما زال بعض الذين لا يفقهون يسيئون إليهم ـ من أبناء جلدتهم إلا أنهم لم يقابلوا السيئة بالسيئة بل اعتمدوا الحسنى والإحسان “ادفع السيئة بالتي هي أحسن” مع الإعداد للقوة في حال الاعتداء. وهذا هو الدين بمعناه المتجوهر الحقيقي بين أطرافه الثلاثة:
1ـ المخلوق والخالق.
2ـ المخلوق بينه وبين نفسه كمخلوق.
3ـ المخلوق والمخلوقات.
وببساطة، نتبين بأن الدين حر، والدين للحر..الحر لـه دين.. والدين الحر للحر هو الأخلاق.. أليست الأخلاق هي الجـِــبـلـّـة الأولى التي فطر الله عليها الإنسان؟
إذن، لماذا الكذب والنفاق والأقنعة والتزأبق والدجل والقتل والزنى والنهب والسلب والشتم والإيذاء وكل كلمة مؤذية أو فعل مؤذ ٍ معنوياً وروحياً ومادياً؟ ولماذا  طرائق التفكير التي تضطهد، وتعنـّـف، تسجن، وتهدر الدماء، تذبح، وتحرق، وترتد ّ من ظلمة إلى ظلمة أشد إظلاماً بحجة الدين أو الأدلجة أو التحزب أو..إلخ؟
ألم يكتب الإنسان منذ القدم على بوابة معبد دلفي:”اعرف نفسك”؟ ألم يقل أرسطو:”من عرف نفسه عرف الله”؟ ولنكمل النص الغائب من الدلالة نقول:”ومن عرف الله عرف مالـه وما عليه”؟
الكلمة الطيبة والفعل الطيب هما الصولفيج الحقيقي للوجود الإنساني في هذا الكون ومع هذا الكون، وهما الغاية التي على كل إنسان أن يعزف روحه عليها بأجمل سيمفونية منافسة للموسيقى والبياض السلوكي الإنساني..
ولأجل هذه الموسيقى علينا أن نرى الدين من معناه المنير، الساطع، الذي رآه الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:
“لقد صار قلبي قابلاً كل صورة، فمرعى لغزلان، ودير لرهبان، وبيت لأوثان، وكعبة طائف..وألواح توراة، ومصحف قرآن.. أدين بدين الحب أنى اتجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني”
ولأن الله محبة، وكل دين يصل إليه حر، “وإن الدين عند الله الإسلام” الإسلام بمعناه القرآني المحمدي لا كما أطره البعض، فهو بمعنى ما “حرية”.. لكن أية حرية؟
إنها حرية التصرف بمحبة وأخلاق عالية مع خالقنا وأنفسنا والآخرين.. ولا أشك بأن أي دين جاء إلا ليهدي للتي هي أقوم..
الحرية المسؤولة كينونة مثقفة، حرة، تحاورية، متكاملة، لا تقبل النقصان ولا الانتقاص كما لا تقبل الأدلجة والمنح والهبة.. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”..
لكن، متى يكون الإنسان حراً؟
ليكون الإنسان حراً لا بد لـه من وعي واع ٍ بالحرية نفسياً واجتماعياً وروحياً.. وما المشكلات والحروب والنزعات والأحزاب والنزاعات التي تحدث في العالم البشري إلا نتيجة لعدم الاتفاق على مفهوم الحرية وتوظيفه فعلياً في نسقه المشرق المطلوب..
وعليه، برأيي، المشكلة لا تكمن في الدين لأن الدين حرٌّ ومحرِّرٌ، بل تكمن في الإنسان وكيفية فهمه للدين والحرية والحب والأخلاق والجمال والسلام وكيفية توظيف هذه المفاهيم في التعامل مع الأنا والآخر، أياً كان هذا الآخر الإنساني..
الدين موجّـه للذين يعقلون وبالتالي يفهمون ومن ثمة يؤمنون..
العقل أساس الدين.. وكما قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله  وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
والعقل الحر، هو العقل الفاعل، المتدين بالضرورة دون تعصب أو تطرف أو شوائب، المدرك كيف ينزح عن الظلمات إلى النور.. وببديهية، كل ما يؤذي الإنسان والموجودات والأكوان هو الظلمات، وكل ما ينفع ويضيف إلى المنافع هو النور..
فلماذا لا أضيف ديني، من خلال أخلاقي وعلمي ومعرفتي وإبداعي إلى العالم؟ ولماذا لا أوظف طاقتي الإنسانية في نهر الحياة الذي لا يكرر العبور في مياهه مرتين؟
إنني مؤمنة بأن الله دائماً سيكون معي حين أكون معه، بل سيمدني مداً لأنه الخير الصافي.. ويكون لي عوناً في الإبصار والتجلي.. فلماذا لا نتآخى في النور، ونتنافر مع الظلمات؟
العديد من المسلمين قد لا يعون بأن الحجاب الإسلامي ليس فقط هو حجاب الرأس، بل هو، قبل أي شيء، حجاب العقل والقلب والحواس عن كل دونية، غرائزية، وهمجية..! وقد لا يدركون بأن كتاب الله موجه إلى الإنسان “العاقل” ذكراً وأنثى! كما أن العديد من أهل الكتاب لا يعون بأن عيسى عليه السلام جاء من أجل المحبة والسلام لا من أجل الحروب الصليبية الصهيونية.. وكذلك موسى عليه السلام جاء من أجل المحبة والتآخي لا من أجل التمييز بين البشر كما تروج التوراة المزيفة التي تجعل اليهود شعب الله المختار وبقية البشرية قطعاناً مسخـّـرة لهذا الشعب! ألمْ يدع ُ موسى ربه قائلاً:” ربِّ لا تجعلني ظهيراً للمجرمين”؟ أ ليس في ذلك براءة موسى مما يفعله الصهاينة والصليبيون باسم الديانتين اليهودية والمسيحية؟ ألمْ يترك عيسى عليه السلام وصاياه العشر التي تكفي أي إنسان لأن يكون حراً، متديناً؟
ترى، “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه”؟ وأضيف النص الغائب: ماذا ينفع الإنسان لو ربح نفسه وخسر الله؟!
هل هناك إنسان عاقل يعتقد بأن البشر ليسوا كلهم لآدم وآدم من تراب؟!
وهل هناك إنسان عاقل لا يؤمن بأن الكون لم ينشأ بلا دين؟
دعوة واحدة من موسى، ووصية واحدة من عيسى، وآية واحدة من القرآن الكريم، تعيد الإنسان إلى إنسانيته فيما لو عقل وشاء..
فهل من مدّكر؟
يبدو أن الإعاقة الروحية في مجتمعنا البشري بلغت هاويتها الأخيرة، فدفعت الناس لكي يموج بعضهم في بعض، فهذا من المذهب الفلاني، وذاك من الدين الفلاني، وثالث من الطائفة العلانية..!
ولولا التلوث الروحي والعفن الأخلاقي هل تباهت جرائد دانماركية بإساءاتها الكاريكاتيرية إلى نبي البشرية صلى الله عليه وسلم والذي لن يطاله أحد مهما فعل لأن الإعجاز للقرآن الكريم، وهو كان قرآناً يمشي على قدمين كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؟!!!
ولولا هذا الاستنقاع الروحي والتشبّـع بالعنصرية والعبودية هل سخرتْ القناة الصهيونية العاشرة من مريم العذراء وابنها النبي عيسى عليهما السلام! بحجة التعبير عن الرأي! وحرية التعبير وحرية الرأي؟!
هل هناك عاقل واحد على هذه الأرض يوافق على أن هذه الإساءات الحاقدة، والتشويه المقصود، وإثارة النعرات الدينية والعنصرية، هي من حرية الرأي أو حرية التعبير؟! أين الحرية هنا؟! إنها العبودية بكل أبعادها حيث يتحول الكائن إلى عبد لحقده، وانتقاماته، وفساده، وعنصريته، وكل سيئ ما أنزل الله به من سلطان.
أليست هذه العبودية المتبرجة بلفظة الحرية هي العنصرية الصهيونية التي لا تنتمي إلى اليهودية كديانة بأي خصلة أخلاقية؟ أليست اليهودية بحد ذاتها تتبرأ من أمثال هؤلاء الذين يقتلون الأنبياء والأبرياء ويسرقون العالم بحجة الإفلاس، ويغتصبون الأراضي العربية ويشحذون الفتائن أو الفتن ـ جمع فتنة ـ بين الأخ وأخيه، بين دولة ودولة، بين شعب وشعب؟
هل الحرية تعني الإساءة العمدية للأنبياء؟ وهل تعني شن الحروب على الآخرين لتمويتهم، وتذبيح صغارهم وكبارهم، وسرقة ثرواتهم الطبيعية وإرثهم الحضاري واغتصاب نسائهم وأراضيهم وسمائهم؟!!!
هم أنفسهم يعترفون بأن العرب عامة، والمسلمين خاصة، أناس يحملون رسالة إنسانية لا تريد إيذاء الآخرين، بل تريد توعيتهم أكثر بوجودهم الإنساني الذي عماده الروح، وصولفيجه الفعل، ولولا ذلك لما قالوا عنا: “لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب (الإسلام)”؟
وبكل تأكيد، لولا وصول حضارتنا إليهم لما تم انتشالهم من ظلماتهم التي عادت في هذا العصر أشد قتامة، رغم كل الثورة التكنولوجية الحديثة المبنية ـ أصلاً ـ على لوغاريتميات الخوارزمي؟
ألا يدل ذلك على ذروة القتامة الروحية والظلمات الضمائرية التي وصل إليها الآخر؟ أليست هي الدرجة العظمى للسواد خاصة وأن هذا الآخر لم يوظف العلم والمعرفة في إضاءة المدنية والحضارة، بل أوصل البشرية إلى التهلكة؟
يعرف كل إنسان مؤمن أن يحترم الشعوب الأخرى ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، كما يعرف كيف تتكامل حضارته مع الحضارات الأخرى ثقافياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وإنسانياً، لأن الحضارات لا تتصارع كما شعوذ هنتغتون، ولا تقف عند الحوار كما يجتهد المعاصرون، بل تتكامل.. وبالتالي، فإن هذا الإنسان المؤمن بكل ذلك لا بد وأن يحترم كل الأنبياء، ويعرف كيف يتلقى الكتب السماوية تبعاً لطاقته الفكرية والثقافية والأخلاقية والقلبية.. وتبعاً لهذه الطاقة تتفاوت الأفهام والمدركات والمقامات الروحية.. وهذا التفاوت في الأفهام هو “الصولفيج” الذي يتناغم مع درجاته كل منا ليرتقي بنفسه، فيهذب جوانيته، لتنكشف أعماقه عن المخفي المشع، فيزداد نوراً وعطاء ومحبة وقرباً.. وتنتفي المسافة الرمزية، فلا يبقى البعد بعداً، ولا القرب قرباً، وإنما تتألق البصائر، وتفتتح نغماتها على عالم يرتفع إلى الأعلى.. ومن ارتفع إلى الملكوت، لا ينظر إلى الأسافل إلا ليعلـّـم أهلها كيف يحلـّـقون بعيداً عن جاذبية الظلمات.. فيظل طامحاً إلى آلاء اللاهوت متخلـّـصاً من الناسوت، موقناً بأن الرسول الأعظم هو لكل البشرية:” بعثتُ للناس كافة”.. وهنا، في هذه النقطة التي امتدت لتصير ألـِـفاً، ينتفي التمييز بكل أشكاله وأنواعه وأجناسه، فلا إرهاب ولا عنصرية ولا جنسوية، بل كلمة طيبة وفعل طيب يستمر في موسيقاه منذ أزل الأكوان وإلى أبدياتها و قياماتها..
أليست الحرية هي هذه الحرية بمفهومها الإنساني الأجمل الذي كان منذ قال الله:”كن” وأتبعها:”فيكون” أي أنه المفهوم الأكثر إشعاعاً وعدالة وجمالاً وإبداعاً واستمراراً في دومان الكينونة والخلق والتشكل؟.
أخيراً،
أليس السجن الإنسان؟ والحرية الأديان؟

One comment

  • عبد الكريم نعمة

    26 أبريل، 2013 at 3:18 ص

    تحياتي للكاتبة و للصفحة و أضم صوتي لكم فالحرية هي ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات و هي أساس الدين السوي

    Reply

عبد الكريم نعمة اترك ردا على إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018