طائرٌ أنا لا أجدُ ديناَ للهبوط إليه !! أمي.. أمي .. أنا سني ،أم علوّي ؟

peshwazarabic19 نوفمبر، 20100

في بداية حياتي، وأنا، على مقاعد الدراسة. ما زلت أذكر اول كلمة لمفهوم الحرية التي عرفتها في نطاق عائلتي .
سالت والدي سؤالا ،إلى اليوم ما زال حاضرا في ذاكرتي .
سألته: أبي كيف نفهم القرآن الكريم؟ ونحن  نخضع في قراءته لتفسيرات  مختلفة ، تفسيرات أهل السنة، وتفسيرات أ هل الشيعة ،وكل منها يفهم، ويشرح القرآن ،بمنظوره الخاص ؟.
أجابني ببساطة : عندما تقرأين  القرآن ، فكري! ما يقبله عقلك خذيه ! وما يرفضه عقلك ارفضيه ! !.
ومن يومها، إلى اليوم .لم افهم، لماذ هذا الخلاف، المهين حول لله،و حول وجوده وفكرته، كونه، منزّلا للديانات السماوية الثلاث .
الحياةُ اجملٌ، من أن نناطح صخورها الصماء،  التي لم تجرفها التغييرات التي حدثت على سطح الارض، سواء هزات علمية أو هزات أرضيه .
ولكن، هزة الحب ،التي انفجرت في داخلي، قادتني، إلى اكثر من سؤال وإلى أكثر من صدمة .!
الزواج ،من رجل غريب: بعيد عن مجتمعي وطائفتي.
وقائع حقيقية :
في مدينة جبلة بتاريخ 25آب1986. قصدت، مع ولي امري ،انا البالغة العاقلة،الراشدة، ومع من أخترته بكامل ارادتي، إلى القاضي الشرعي، في مدينة ” جبلة” -مدينة تقع على الساحل السوري – لاتمام عقد الزواج ولكن القاضي، رفض اتمام العقد، لاسباب لم يعلن عنها.!
وباعتقادي، أن  القاضي ، بموروثه الديني وبفطرته الداخلية ،رفض هذا الزواج . وهكذا لم يكتمل العقد ، بسبب أختلاف الانتماء الطائفي . إذ لم يكن هناك اي خلل في شروط عقد الزواج .
حزن والدي ، وكانت له اسبابه، افهمها ،اليوم وأشعر بها .
المشاعر العظيمة لا تكون إلا من إنسان عظيم ، ترفع عن موروثه الديني وتجاوز الطائفة، والمذهب، ليبارك زواجي برجل من طائفة أخرى.
قالي لي: لا تخافي سنذهب إلى اللاذقية .
في اللاذقية ،قابلنا القاضي الشرعي ،مع كافة الاوراق الثبوتية والشهود .
والمفأجاة الكبرى أن القاضي، كان من طائفة اخرى أي  من طائفة زوجي “- بعكس الطائفة التي ينتمي إليها قاضي جبلة، وهي- طائفتي-، وهذا ما ساهم في تسهيل ا لأمور ،التي تعقدت في جبلة.
وعلى باب القصر العدلي في مدينة اللاذقية، أخذني أبي بين ذراعيه، وقال لنا:أرجو من الله أن يكون زواجا كنسيا .. !!
ضحكنا وبكينا، فالحب طار بنا، فوق الطوائف، ومن فوقٍِِِ ننظر إليها بعيون ابي الذي ترفع عنها، وقال: “الطائفية ستموت يوما ما” .. !!
الدين خّناق الحب :
اسئلة كثيرة بدأت تنهال عليّ!!
لماذا الزواج من رجل من غير طائفتك؟
الم تجدي في كل رجال الطائفة من يصلح زوجا لك؟
وأصبحتُ مثلا تضربٌ به الأمثال، ويشار له بالبنان  “اللي ما بياخد من “ملتو بيموت بعلتو ”
وطبعا هذا من امثال العامة يستخدمونه في حياتهم اليومية، لمن يعتبرونه  قد خرج ،على رأيهم ومذهبهم. !
فرحنا بالاولاد ، وبالحب الذي لا يزال يقف على قدميه، وما زلت أذكر المواجهة التي تعرض لها أهلي، وكانت أجاباتهم كحد السيف ،والاسئلة التي لا تنقطع الموجهة لأهلي ، ألم تجدوا غير هذا”السني تزوجوه لأبنتكم.”
وكا ن الجواب دائما :
” افضل ما في هذا الرجل إنه سني ّ”.
وللصدق والحقيقة ، خلال سنوات حياتي، التي قضيتها ،وانجبت فيها الاولاد لم يكن الدين، رابطا مهما في علاقتنا ، لم نتعرف إليه كفكرة تفرقنا.
ديٌننا ، الحب والتفاهم، وحتى في ساعات الخلافات المتوقعة بين الزوجين لم يكن احدنا يتطرق إلى دين الاخر .
ولقد كان “أبن عربي “عزائي في حياتي، تعلمت منه الحب كما تعلمته من أبي الذي كان يردد دائما ،وما زلتُ من بعده ارددُ :
‏ “أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني‏ .”
لقد عشنا حياة متقلبة في محيطنا .كنا بين طرفي طائفتين، لا تحملان غير ، التخلف الفكري، ولم ينجو أولادي من ثقل هذا الموروث.
كانوا، لا يفهمون، الاجابة عن أسئلة توجه إليهم، من الاصدقاء والزوار والمعارف :
هل أنت سني؟
أم علويّ؟
وهكذا مضت حياتي بين أولادي والمجتمع ،كفراشة كلما اقتربت من الناس احترقت  .ولكنني كنت أقوي نفسي ، وأقول: زوجي “سني” وأنا “علوية” وهذا لا يفسد للحب قضية.
الفتح الجديد :
هنا في نيوزلندة، وجدت الطائفية على أشدها، وكم كانت رحيمة  في سورية، تجاه العرب والمسلمين ،المهاجرين ، من مختلف الدول .خليط بائس،من عقول واجساد، حملت كل مصائبها، و حطت رحالها في بلاد الفتح الجديد، “بلاد الصليبين” كما يسمونها ،ويعتبرون، ما يتقاضونه، من حقوق ومنافع حقٌ لهم “كالجزية “التي كان يدفعها النصارى في زمن الرسول.
هنا وجدنا الغربة الحقيقة ،في نيوزلندة . الغربة الاجتماعية. فالعرب منقسمون على ذواتهم .كل حسب طائفته. وباعتقاده ،انه يحافظ على ثقافتة ومعتقداته في التماسك الطائفئ ، فالشيعة لهم نظامهم، والسنة، ايضا لهم نظامهم وكل منهما حريص ان يبتعد عن الآخر وان لا يتشاركا في ما وحّد الله ويجمع بين البشر من صيام وصوم وصلاة وكل انواع العبادة وكأنهم على” مبدا فرق تسد” .
ولم يكن هذا حصرا ، على المسلمين وحدهم ،وإنما الجاليةالمسيحية أيضا بكل طوائفها .!
ما زلت، مع عائلتي الصغيرة، غير قادرة على الانسجام مع كلا الطرفين وللحق يقال هم بيعدون عنا، ولايريدون، الأقتراب منا ،او التقرب إلينا .
ما أحوجنا اليوم الى “ابن عربي” . ما أحوجنا إلى رسالتة الانسانية الخالدة التي حملها من الاندلس. وطار بها  فوق السحاب، والبشر، ليوزع الحب على القلوب .
ما احوجك أيتها ،ا لاديان المتفرقة ،أن تنشدي مع ابن عربي اجمل ما قالته البشرية :
“وقد صار قلبي قابلاً كل ملة فمرعى لغزلان ودير لرهبان‏ ”
“وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن‏ ”
الطيران، فوق الاديان والطوائف والمعتقدات،هو، حلم الطيور، ايضا تذهبُ جماعات ،وتعود جماعات، في هجرتها، صيفا وشتاء وربيعا . لا يهمها إلا، العلو. هذا العلو، الذي اراه في الخالق الاعلى ،الذي أعلم أولادي ، الارتفاع ،والسمو إليه .!
المنفى ضياع حقيقي ،ضياع للهوية ، وللانتماء فنحن في نظر السكان الاصليون مهاجرون وبحسب الجاليات ، المسلمة،وغير المسلمة ، غرباء عنها .!!
وهكذا خلقت لنا الهجرة، ضياعا مزدوجا.
ما زالت الروح، في داخلي تصعد إلى  السماء. تخاطب ربا واحدا لأديان عدة ،ومتعددة ،ومتفرقة .!!
حريتي طائرٌ منتوف الريش، سقط بأحلامه على أرض الواقع ليجد نفسه حائرا في زحف هائل من الأفكار والمعتقدات البالية التي تسيطر على الحياة وتسيّرها .
حريتي، حلمٌ قاصرٌ، لأنني لا أملك الاجابة على سؤال حقيقي يطرح عليّ : امي .. امي  أنا سني ّ ؟أم علوي ؟
اضحك واضحك .. وأجيبه لك أن تختار يا بني .. !!
فالاجابة  مستحيلة ، وقد تكون كاذبة أما م ما يتجلى اليوم في حال واقعنا العربي ، من مناحرات  طائفية وعنصرية وحتى عرقية تمتد من لبنان إلى سورية إلى العراق . !!
مهما علمنا أولادنا الطيران، ومهما علونا، وسمونا، لابد أن نسقط على صخرة أسمها “الدين” وما يتفرع عنه من شقاق ونفاق في مجتمعاتنا العربية منها والاسلامية .
ما أحوجنا اليوم، الى  الشعور، باهمية الحب ،في الاديان .
باطنها واحد، وظاهرها واحد،ولكن، فرقة ، النفوس، والعقول، اخذتنا في مهاوي التفرقة والطائفية .
.وما زلت أومن بان الدين هو” افيون الشعوب” ولا بد علينا أن نتخلص من هذا المرض ونداويه بالحب  ، بالحب الانساني!
أحلامي ترفرف ،عاليا ،عاليا ،واحمل صغاري على ظهري ارفف بهما في الفضاء .
طائرٌ انا لا أجد دينا للهبوط إليه .!!
وفي نهاية المطاف والحب يملؤني ، اشعر بانني على مدار حياتي، تحررت من عبء  الدين، ومن عبء الشعور بالزواج من رجل من غير طائفتي .
اشعر انني اقرب الى الله ،وروح الدين، التي تتمثل بابن عربي.

إقرأ أيضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018