"القاعدة" والقرصنة البحرية في الصومال: مؤشرات تحوّل إستراتيجي؟

peshwazarabic19 نوفمبر، 20100

منذ اللحظات الأولى لتأسيسه، نَظَرَ تنظيم “القاعدة” إلى الصومال نظرة خاصة، ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي احتلّت هذه الدولة، التي تحوّلت شيئاً فشيئاً إلى أشلاء دولة، احتلّت موقعاً مميزاًً في إستراتيجيته العالمية. وتكشف وثائق التنظيم ومراسلاته السرية، كما عملياته، عن هذه المكانة بوضوح. ففي العام 1993، توجّه بعض قادة “القاعدة” إلى هذا البلد في رحلة وصفتها أدبيات التنظيم بـ “رحلة الثواب” أو “عملية المسك”. وكان الهدف منها إنشاء معسكرات بديلة أو موازية لمعسكرات “القاعدة” بأفغانستان في كُلٍّ من بوصاصو ولوق وإقليم أوغادين، وتأمين كادر تدريبي فعّال ونشِط. وقد عُدّت هذه الزيارة البداية الحقيقية لتغلغل تنظيم “القاعدة” في الصومال وبقية بلدان القرن الأفريقي.
ومنذ ذلك الحين وتنظيم “القاعدة” يحاول الحفاظ على موطئ قدم دائم له في الصومال، مُستغِلاً حالة الحرب الأهلية الطويلة الأمد وهشاشة المؤسسات المركزية الحاكمة فيه، بهدف تحويل هذا البلد إلى ساحة مركزية لنشاطاته (التي تتضمن نقل العملاء والمعدات والتجهيزات العسكرية عبر الحدود الصومالية إلى دول الجوار)، وكذلك إلى ملاذٍ آمنٍ وقاعدة خلفية لتحركاته وهجماته الإرهابية التي تستهدف تلك الدول.
ورغم أن أنشطة “القاعدة” في الصومال لم تأخذ زخماً كبيراً وتصاعدياً كما كان متوقعاً، لاسيما بعد تمكُّن الأميركيين من تقويضها بشكل كبير في إطار حربهم على الإرهاب، لكن قدرة التنظيم على حماية وجوده ما تزال واضحة للعيان، خاصةً بعد دخوله في تحالفات وتفاهمات مع بعض جماعات العنف الصومالية الإسلامية المتشددة كحركة “شباب المجاهدين” (الفصيل الذي انشق مؤخراً، وتحديداً في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2007، عن المحاكم الإسلامية). والظاهر أن التنظيم بدأ يدرك أن بقاءه هناك يتطلب مجهوداً إضافياً، وأن عليه العمل بسرعة على توسيع نطاق تحالفاته على الأرض الصومالية، وفي الوقت نفسه تأمين التمويل اللازم لاستمرار أنشطته وقدرته على التجنيد والاستقطاب وتخطيط العمليات وتنفيذها في الزمان والمكان اللذين يحددهما.
ويبدو أن التنظيم وجد في الآونة الأخيرة ما يبحث عنه، من خلال ملاحظته لتطور عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية. فمن ناحية، تُغري ظاهرة القرصنة البحرية التنظيم بإعادة التفكير في أولوياته الإستراتيجية في المنطقة؛ فبدلاً من التركيز على البرّ بشكل شبه مطلق ثمة فرصة حقيقية لشنّ عمليات مؤثرة وصاخبة في البحر أو ضد أهدافٍ مُحاذيةٍ له، وهذه الأهداف كثيرة وضربها يَسيْرٌ ولا شك (مرافئ، وسفن تجارية، وناقلات نفط، وأساطيل وقطع حربية غربية تمخر عباب خليج عدن والمحيط الهندي بلا توقف). أما وسائل الهجوم والدعم اللوجيستي فمتوافرة هي الأخرى؛ وإذا صدقت معلومات جهاز الاستخبارات النرويجية، فإن “القاعدة” قد تكون تملك (أو تتحكم في) ما يتراوح بين 15 و23 سفينة تحمل أعلام اليمن أو الصومال وتونغا.
وفي هذا السياق، يمكننا فهم الدعوة التي أطلقها تنظيم “القاعدة” لأتباعه وأنصاره في اليمن قبل أشهر قليلة، وحضّهم فيها على “السيطرة” على الملاحة البحرية في جزيرة العرب في إطار ما عدّه التنظيم “ضرورة إستراتيجية” له. ففي رسالة بعنوان “الإرهاب البحري ضرورة إستراتيجية” تناقلتها في نيسان/ أبريل من العام الماضي 2008 مواقع إسلامية عديدة مقربة من التنظيم، ثمة تأكيد على “أن طلائع مُسلّحة قبالة الشواطئ اليمنية تقوم [منذ أكثر من عام] باصطياد السفن التجارية والسياحية والنفطية واحدة تلو الأخرى، و[أنه] بات من الضروري في المرحلة الحالية على المجاهدين وهم يديرون معركة عالمية لاستعادة الخلافة الإسلامية وحكم العالم بها، أن تكون الخطوة التالية هي السيطرة على البحر والمنافذ البحرية بدءاً بما حول الجزيرة العربية”، وأنه “كما نجح المجاهدون بتشكيل سرايا الاستشهاديين على الأرض، يبقى البحر الخطوة الإستراتيجية التالية نحو سيادة العالم وإعادة الخلافة الإسلامية”.
وتشدد الرسالة على أن “الشواطئ اليمنية تعد من أهم المنافذ البحرية للسيطرة على البحر العربي وخليج عدن”، وأنها “نقطة إستراتيجية لطرد العدو من أهم أركان معركته؛ فإذا لم يتمكن من حماية نفسه في تلك المنطقة الإستراتيجية فإنه لن يستطيع حماية نفسه على الأرض وقواعده البحرية تحت ضربات المجاهدين”. وكالعادة، استعرضت الرسالة بعض ما وصفته “نجاحات المجاهدين البحرية العالمية والعربية”، مُشيرةً إلى أنهم نجحوا في “ضرب أهداف صهيو- صليبية في البحر مرتين: الأولى كانت تهيئة للغزوتين المباركتين في نيويورك وواشنطن بضرب المدمرة الأميركية (كول) في تشرين الثاني/ أكتوبر 2000، ثم ناقلة النفط الفرنسية (ليمبورج) في العام 2002”. وتمضي الرسالة في تهديدها، مؤكدة أن “ساعة الحسم” قد اقتربت، وحينها سيشهد الجميع لحظة “تركيع قيادة الحملة الصهيو-  صليبية إلى طاولة المجاهدين ليفرضوا عليهم شروطهم؛ بالخروج من ديار المسلمين مع تسليم أسلحتهم للمجاهدين، وإيقاف الدعم للاحتلال اليهودي في فلسطين، وعدم التدخل في شؤون المسلمين أو دعم حكامهم وأنظمة الجور والفجور والفساد فيها”.
ومن ناحية ثانية، وعطفاً على ما سبق، قد يرى التنظيم الذي يُراقب باهتمامٍ متزايد نشاط القراصنة الصوماليين المثير في مياه خليج عدن والمحيط الهندي، أن له مصلحة مؤكّدة في دعم هؤلاء وتوثيق صلاته معهم على نحوٍ يتيح له توفير عوائد مالية ضخمة تساهم في تمويل أنشطته المختلفة، وتعزيز وجوده في المنطقة. وعلى الرغم من عدم توفر دليل حاسم حتى اللحظة يؤكد تورّط “القاعدة” في أنشطة القراصنة المتزايدة، إلا أن ملاحظة سيكولوجية جماعات العنف المسلح بشكل عام تُبيّن، وباستمرار، أن لديها ميولاً كامنة تُحفّزها على استغلال (وانتهاز) أي فرصة متاحة من أجل رفد كيانها بفائض قوة ما انفكت تحتاج إليه في إطار محاولتها الحفاظ على نفسها وحماية وجودها في مواجهة جميع الأخطار المُحدِقة بها؛ والشاهد الأكثر وضوحاً على ميلٍ كهذا لجوء تنظيم “القاعدة” ذاته إلى الاتجار بالمخدرات في إطار حرصه الدءوب على البقاء، ومقاومة شتى الضغوط والسياسات التي تهدف إلى تجفيف ينابيع تمويله ومحاصرته تمهيداً للقضاء عليه.
© منبر الحرية، 14 أبريل 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018