ثنائية الحرية والتقدم في الفكر العربي (2) الأفغاني ومحمد عبده

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

بعد الرعيل الأول وقناعتهم الكاملة بالحرية كسبيل للتقدم، جاء رائدان للفكر العربي هما: السيد جمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبده .
وبالنسبة للأفغاني فعند بحث المناظرات الجدلية التي أسهم فيها بنصيب وافر ضد العالم الفرنسي ارنست رينان، والمفكر الهندي سيد احمد خان صاحب نظرية “النيتشارية “المتفرعة عن “البابية”، والمتصوف السوري الشيخ أبو الهدى الصيادي. هذه المناظرات تبين فهم السيد جمال الدين للإسلام، ويمكن حصر هذا الفهم في ثلاثة معان :
أولا- فكرة الوحدانية المطلقة التي تؤدى إلى فكرة المساواة بين البشر عند الله .
ثانيا – الإيمان بعقل الإنسان الذي يستطيع أن يدرك حقائق الكون، وذلك خلافا للهندوسية واليهودية اللتين لا تعترفان بهذه المساواة، كذلك المسيحية تنكر على البشر – ماعدا رجال الكنيسة – الفهم المباشر للحقيقة الإلهية. والإسلام وحده هو الذي يسوي بين الناس في القدرة على فهم أسرار الدين وحقائقه، لأن  الشريعة المنزلة على النبي العربي هي نفس قانون الطبيعة الذي يفهمه الإنسان من دراسته للكون .
أما ظهور الأنبياء بين الناس، فسببه أن الناس مع قدرة عقولهم على الوصول إلى حقائق الكون، فإن طبيعتهم البشرية لا تستطيع أن تطبق القرآن على جميع النظم في الحياة الحديثة، وإلا الحال هي الإشراف على التنفيذ وجبر الناس على مراعاة القواعد التي قضى بها العقل البشرى.
وينتج عن هذا أن باب الاجتهاد ينبغي أن يظل مفتوحا، وأن القرآن يجب أن يفسر تفسيرا عقليا منطقيا، وبهذا نستطيع أن ننفذ فهم العقل لهذه الحقائق. ويعتقد السيد  جمال الدين أن السر في قوة الأوروبيين لا يكمن في مسيحيتهم وإنما مرجعه أنهم نشأوا في إطار دولة قوية هي الدولة الرومانية، و أن ضعف المسلمين ليس سببه تدينهم بالإسلام، بل سببه أنهم لم يتبعوا تعاليمه إتباعا كافيا، وأن سر القوة كامن في الديانة الإسلامية التي تحث على الوحدة والتضامن .
ثالثا- هو أن الإسلام دين العمل والنشاط ، وبالتالي فإن المجتمعات لا تستقيم أمورها إلا بتنفيذ إرادة الله، وإرادة الله ماثلة في القرآن، فلو اتبع المسلمون ما في القرآن من تعاليم نفذوا إرادة الله، بشرط أن يكون تنفيذهم لها بمحض إرادتهم، وهذا هو معنى العمل والنشاط، أي العمل على تنفيذ إرادة الله تنفيذا اختياريا. والنتيجة التي يصل إليها السيد من هذا هي أن قوة المسلمين في اجتهادهم وسعيهم لا في تقليدهم .
وهذه المعاني الثلاثة هي نقطة البداية في تفكير ألمع تلاميذ السيد جمال الدين : الشيخ محمد عبده. فقد لاحظ – كما لاحظ أستاذه – تدهورا داخليا في المجتمعات الإسلامية لم يلحظ مثله في المجتمعات الأخرى. ولم يكن الشيخ معارضا للتقدم الذي منبعه الحضارة الأوروبية، إنما كان الخطر في نظره ناشئا عن نمو حركة مدنية في مجتمع جوهره غير مدني. وكان شغله الشاغل هو التوفيق بين قواعد الإسلام والحضارة الحديثة .
وتبدأ نظريته بالدفاع عن الإسلام الصحيح ، ومعنى الإسلام الصحيح في نظره ديانة تنظم سلوك البشر وتنير طريقهم في المشاكل الكبرى بالحياة ، ولا يتأتى هذا إلا بالكتاب المنزل والعقل . فالعقل هو الذي يدرك الرسالة الإلهية ، وما لا يستطيع أن يدركه فعلى النبي أن يعينه على فهمه ، وإذن فالاجتهاد أمر لابد منه . والمجتمع الإسلامي المثالي هو الذي يستند إلى الشرع والعقل في آن واحد ، فعلى المسلم الحق أن يستعمل عقله في العبادات والمعاملات حتى يدرك كلام الله إدراكا مستنيرا.
وحينما تفهم قوانين الشريعة الإسلامية فهما صحيحا وتنفذ تنفيذا بصيرا يزدهر المجتمع ويقوى. ويدلل الشيخ عبده على ذلك بأن العصور الإسلامية الأولى كانت قمة مجد الإسلام، ثم تدهور المجتمع الإسلامي بسبب البدع والمغالاة في التصوف. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى بسبب المبالغة في التمسك بشكليات الشرع لا بروحه وجوهره، كما حدث على أيدي الأتراك. وإذا أراد المسلمون أن يعيدوا مجد أسلافهم، فعليهم أن يعيدوا تأويل شريعتهم ويطبقوها على مشاكلهم الحديثة، مستنيرين في ذلك بمبدأين، مبدأ المصلحة، ومبدأ التلفيق –أي ذلك المبدأ الشرعي الذي يسمح للقاضي بأن يختار التأويل الشرعي الأنسب للظروف والحالات المعروضة أمامه،- ولو كان هذا التأويل لمذهب يخالف مذهبه – وعلى هذا فلابد من وضع قوانين إسلامية موحدة ذات نظام حديث، تستند إلى المذاهب الأربعة جميعها، مع الرجوع للقرآن والسنة وتقاليد السلف، ولا يقتصر الأمر هنا على مجرد الصحابة والتابعين، بل يشمل كذلك كبار الأئمة من علماء الكلام.
وعندما اتجه الشيخ محمد عبده إلى ميدان السياسة، شعر بأن الإصلاح المنشود يجب أن يبدأ في البيئة التي يعيش فيها وهي مصر، لذلك كان أغلب ما كتب في السياسة ينطبق على مصر، وقد كانت مصر في أمس الحاجة إلى تربية قومية صميمة، لذلك اتجه إلى إنشاء المدارس ، وكان على استعداد لأن يتعاون مع أية سلطة تساعده في تحقيق هذا الغرض، ومن هنا نشأ خلافه مع السيد جمال الدين، وعدم تحمسه للإسهام في الثورة العرابية .
© منبر الحرية ، 1 ماي /أيار 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018