التنمية الضائعة :أين نحن من الحداثة، ثالثا : في المجتمع

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

خصصنا المقالة الأولى للفكر والثانية للسياسة، وهذه المقالة الثالثة للمجتمع، من خلال دور التحول الاجتماعي في ترسيخ الحداثة الأوربية واستمرار التقليد في عالمنا الإسلامي. لقد ارتبط دخول أوربا عصر النهضة /الحداثة على الصعيد الاجتماعي ببروز طبقة جديدة غنية  (البورجوازية ). لقد شكلت هذه الطبقة رمزا للحداثة  الاقتصادية لاشتغالها بأنشطة غير الفلاحة، ورمزا للحداثة  الفكرية بتبنيها للحركة الإنسية، ورمزا للحداثة السياسية بدفاعها عن الدولة الأمة ومبادئ الديمقراطية.
الانطلاقة الأولى لهذه الطبقة بدأت في المدن الإيطالية التي عرفت تطورا اقتصاديا ولم يعد اقتصادها يتقوقع حول الأرض، كما هو الشأن في باقي أوربا. لقد نمت المعاملات التجارية والمالية لهذه المدن وتوسعت وامتدت إلى القارتين الأسيوية والإفريقية، مما سمح ببروز نخبة حضرية شكلت نواة البورجوازية، هذه النخبة التي ارتبط بها تطور أوربا في مختلف المجالات طيلة القرنين 13و14 الميلاديين. أما الانطلاقة الثانية لهذه النخبة فقد ارتبطت بالاكتشافات الجغرافية أواخر القرن 15م، والتي أدى توسع التجارة وتراكم الأرباح إلى   دخول أوربا عصر المركانتيلية، أي عصر الرأسمالية التجارية بامتياز وعصر البورجوازية كطبقة اجتماعية. لقد بدأ دور الأرستقراطية يتراجع تدريجيا رغم محاولة بعض أعضائها مسايرة الواقع الجديد والاستثمار في مجال التجارة والاعتماد على الربح بدل الريع(ويعرفون بالنبلاء الليبراليين). هكذا سيشكل القرن 16 و17م الهيمنة التدريجية للبورجوازية على الاقتصاد والتحكم في دواليبه والتطلع للمساهمة في  الحياة السياسية، من خلال التسرب إلى مجموعة من المناصب العليا والضغط على قرارات السلطة الحاكمة خاصة في مجال الاقتصاد.
كان لابد لهذه الطبقة أن توسع أنشطتها التجارية لذلك ساهمت بشكل كبير في تشجيع العلوم والابتكارات خاصة في مجال الملاحة والمواصلات، ولم يكن ذلك غريبا على هذه الطبقة فهي وريثة الفكر الإنسي لعصر النهضة. إن ازدهار التجارة مع مختلف القارات أدى إلى تراكم المواد النفيسة والمواد الأولية، وواكب هذا التراكم نمو سكاني كبير، وكان من الضروري لهذه الطبقة البحث عن أساليب جديدة لتلبية الحاجيات المتزايدة للسكان، سواء في أوربا أو باقي  القارات وكان الحل طبعا هو تطوير تقنيات الإنتاج وأساليب تنظيم العمل.
الانطلاقة الثالثة لهذه الطبقة كانت في القرن 18م، فقد أدت رغبة البورجوازية في تلبية الحاجيات من المواد المصنعة إلى تمويل أبحاث المخترعين، وكانت النتيجة ظهور عدة اختراعات تقنية وطاقية ثم تطبيقها في مجال الإنتاج،  وبالتالي دخول عصر الثورة الصناعية. لم تعد البورجوازية تقتصر في استثماراتها على التجارة، بل اهتمت بالنشاط الصناعي كقطاع جديد مربح (شكل الربح محركا لكل عمليات الإنتاج) وشكلت القاطرة الأساسية للاقتصاد الأوربي وتطوره وفرض هيمنته على العالم. لقد أصبحت هذه الطبقة الأقوى اقتصاديا لكن مشاركتها في الحياة السياسية ظلت ضعيفة، لذلك كان عليها أن تضغط بكل الأساليب لتقسيم السلطة مع الطبقة المحافظة الحاكمة التي لازالت تحتكر كل السلط. وإذ تمكنت البورجوازية من انتزاع الاعتراف بحقها في المشاركة في الحياة السياسية سلميا ( كما حدث في إنجلترا ) فإنها في فرنسا فرضت ذلك بالعنف عن طريق التحالف مع الفئات الشعبية وتأطيرها لاندلاع الثورة الفرنسية.
الانطلاقة الرابعة لطبقة البورجوازية كانت في النصف الثاني من القرن 19م ودخول أوربا عصر الإمبريالية، لم يعد طموحها يقتصر على  احتكار النشاط التجاري والصناعي والمالي داخل أوربا، بل أصبحت لها رغبة أوسع هي السيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال استعمار المزيد من الدول ورفع حجم استثماراتها وجمع الثروة، هذه الثروة اعتبرتها البورجوازية مكافأة لمجهوداتها باعتبار عملها أعلى من عمل العامل  وأفضل من خمول الأرستقراطي المحافظ. ولم يكن أمام السلطات الحاكمة سوى تلبية مطالب هذه الطبقة وتحقيق طموحها وذلك بالشروع في حركة استعمارية واسعة شملت مختلف القارات، ورغم التناقض الذي كانت تعيشه على المستوى الأخلاقي (دعوتها للحرية    والمساواة وحقوق الأفراد والشعوب…واستغلالها للعمال واستعمار الشعوب…) فإنها دافعت عن ذلك بمبررات اقتصادية وثقافية وأحيانا عرقية، هكذا نمت البورجوازية وأصبحت هي المهيمنة على كل القطاعات، ولها القدرة على مواجهة  الأزمات، لذلك استمر نموها طيلة القرن 20م،  وصمدت أمام الحربين العالميتين كما صمدت أمام  أعدائها  الاشتراكيين. ولازالت البورجوازية الأوربية تطور نفسها باستمرار ولها قدرة كبيرة على التكيف مع المستجدات: ونعود كما فعلنا في المقالين السابقين ونطرح السؤال هل عرف عالمنا العربي بروز طبقة جديدة لعبت نفس الدور الذي لعبته البورجوازية في أوربا؟
ظل المجتمع العربي محافظا على بنيته الاجتماعية التقليدية منذ القرن الخامس عشر م، وهي الفترة التي انطلقت فيها أوربا نحو ترسيخ الحداثة  الفكرية والسياسية والاجتماعية. وتمكنت أوربا من الاستغناء عن وساطة التجار المسلمين، وتراجع دور هذه الفئة وفقدت أهميتها وتوارت إلى الخلف. وبالتالي حافظ المجتمع العربي على ثنائيته المكونة للبنية الاجتماعية، فئة غنية تملك المال والسلطة (وليس طبقة بمفهومها التاريخي ) وفئة فقيرة  مكونة من باقي أفراد المجتمع غير قادرة على إفراز طبقة وسطى تستطيع حمل لواء الحداثة كما فعلت البورجوازية. لقد استمرت بنية المجتمع تقليدية وتحولها رتيب ولا تعرف صراعا طبقيا كما حدث في أوربا ( صراع بين النبلاء والفلاحين  ثم بين النبلاء والبورجوازية ثم بين هذه الأخيرة والعمال) فهذا الصراع كان يمد المجتمع بطاقة متجددة قادرة على إحداث تغييرات عميقة وثورات كبرى فكرية وسياسية واقتصادية. فهل عرف مجتمعنا العربي هذا الصراع الطبقي ؟ وهل هناك أصلا طبقات بمفهومها التاريخي المادي حتى ينمو هذا الصراع ويتطور ويفرز تغييرات جذرية في المجتمع .
لم يعرف عالمنا العربي ظهور بورجوازية خلاقة ومنتجة، بل نمت فئة غنية  ليست لها من البورجوازية سوى الاسم، فئة تسعى إلى تحقيق المزيد من الأرباح لإرضاء طموحها الشخصي عوض الطموح الطبقي والمجتمعي. وسارت هذه الفئة  دائما في ركاب السلطة الحاكمة المستبدة تستظل بحمايتها، ولم يكن لها  أي مشروع عصري بديل للمشروع التقليدي القائم، ولم تضع ثروتها في خدمة تنمية اجتماعية شاملة. هكذا تحالف الإقطاع السياسي مع الإقطاع الاقتصادي المكون من عائلات محدودة تحتكر معظم الثروة أما البورجوازية الصغيرة الطموحة (التي تكونت في معظمها من المثقفين ) والتي تحمل مشروعا  حداثيا وتحلم بتحقيقه، كان ينظر إليها كجماعة خارجة عن الإجماع وتهدد الاستقرار، لذلك كان أغلب ضحايا القمع والاغتيال والنفي من هذه الفئة الاجتماعية.
لقد أدركت البورجوازية الأوربية أن نمو أرباحها رهين بارتفاع الاستهلاك، وهذا الاستهلاك لن يتحقق إلا بتحسين أجور العمال. بينما لازالت بورجوازيتنا حبيسة النظرة التقليدية القائمة على الاستغلال المتوحش لقوى الإنتاج، واعتبار العامل أداة من أدوات الإنتاج لا يختلف عن أي جهاز من أجهزة المعمل، بدل اعتباره شريكا في هذه العملية. إن تاريخنا للأسف لم يعرف بروز طبقة جديدة حملت لواء الحداثة العربية وقادت عملية التغيير. فالسلطة الحاكمة التقليدية في جوهرها وهي المالكة لمعظم وسائل الانتاج لم تكن لتسمح بذلك  حفاظا على واقع تقليدي تتحكم في كل خيوطه، وتمنع التغيير باسم الدين أحيانا والأخلاق والأعراف أحيانا أخرى.
© منبر الحرية،  21 مارس/آذار 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018