ثنائية الحرية والتقدم في الفكر العربي

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

تبدو قضية الحرية قضية محورية في رحلة الفكر العربي، وخاصة مع حالة التخلف المزمن في المجتمعات العربية, ونبدأ في القرن التاسع عشر، فنتيجة لنمو القوة الأوروبية وازدياد أثرها، اضطرت الدولة العثمانية أن تبذل عدة محاولات لتصلح نفسها من الداخل حتى تستطيع أن تقاوم الخطر الأوروبى الذي يهدد كيانها، وقد أدت هذه الحالة إلى اهتمام جديد بالأفكار والنظريات التي تكمن في المجتمعات الأوروبية، وكانت في نظر المجتمعات العربية سر قوة أوروبا، ولذلك حاولت هذه المجتمعات أن تقتبسها وتخضعها لظروفها. واتجه الفكر العربي المستيقظ إزاء ذلك اتجاهين: اتجاه مرتبط بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وهذا الاتجاه  كان يهدف إلى تعريف جديد لمبادئ الإسلام الاجتماعية. أما الاتجاه الثاني فكان يرمى إلى فصل الدين عن السياسة وخلق مجتمع مدني مماثل للمجتمعات الأوروبية، ولا أثر للإسلام فيه إلا بوصفه عقيدة دينية .
وهذين الاتجاهين مع أنهما يبدوان متعاكسين إلا أنهما كثيرا ما تلاقيا في أذهان المفكرين العرب ومصلحيهم. بدليل أن القوميات العربية والمصرية في القرن العشرين تكونت من هذين العنصرين. و قد آلت هذه القوميات التي تبلورت في النصف الأول  من القرن العشرين إلى النظريات السائدة في العالم العربي إلى الآن.
وكانت الحملة الفرنسية على مصر  عام 1789 هي الاتصال  الأول بين الأوروبيين وشعوب الدولة العثمانية نتيجة للحملة الفرنسية من جهة، ومن جهة أخرى لإنشاء مدارس عسكرية في الدولة العثمانية وولاياتها مستعينة بالأساتذة الأوروبيين، ومن الضروري بيان  مواجهة  الجيل الأول من المفكرين العرب لمشكلة تأثير أوروبا في النظم الفكرية والاجتماعية للمجتمعات الإسلامية. ويمكن أن نختار من هذا  الجيل ثلاث شخصيات بارزة هي: رفاعة الطهطاوي في مصر وخير الدين باشا حسيب  في تونس  وبطرس البستاني في لبنان . وكل هؤلاء كانوا ينتمون  إلى هؤلاء المفكرين الذين  بدأت فكرة الإصلاح تشغل أذهانهم في منتصف القرن التاسع عشر، إلا أن هذه الفكرة كانت تثير التساؤل عن ماهية المجتمع الصالح، والناموس الذي يجب إتباعه في الإصلاح المنشود، وهل يمكن استخلاصه من الشريعة الإسلامية أو يجب أن يستمد من تعاليم أوروبا وتطبيقاتها، وهل هناك تناقض بين هذه الشريعة وتلك التعاليم، وإذا كان هناك تناقض فما هو الواجب إتباعه حيال هذا ؟
ففي كتابات الطهطاوي نجد أفكارا جديدة بالنسبة للعصر  -آنذاك-، ثم أصبحت مألوفة للأجيال التالية. من هذه الأفكار انه يوجد في داخل الأمة الإسلامية مجتمعات قومية يدين لها رعاياها بالولاء، ومنها أن الغرض من الحكم  هو خير الإنسان في الدنيا والآخرة، وان خيره في الدنيا يتطلب خلق حضارة مدنية، وان هذه الحضارة متبلورة في أوروبا الحديثة وفرنسا بصفة خاصة، وأن سر القوة والعظمة في أوروبا هو تنميتها لأنواع الفنون والعلوم .
ومع أن المسلمين كانوا قد عالجوا هذه العلوم والفنون إلا أنهم أهملوها تحت سيطرة المماليك والأتراك، وبذلك تأخروا، غير أن الفرصة لا تزال سانحة أمامهم إذا اقتبسوا علوم أوروبا وانتفعوا بثمارها. وكان رفاعة الطهطاوي ( 1801-1873 ) هو الذي نوه قبل غيره بفكرة الحرية، ووحد بينها وبين مفهوم”  العدل والإنصاف ” في التراث الإسلامي، ثم اعتبرها شرطا لتقدم الأمة وتمدنها. وبذلك خلق الطهطاوى مشكلة التوفيق بين القوانين الشرعية المنزلة وبين القوانين الوضعية والقواعد المنطقية التي تستند إليها الحضارة الحديثة، وكيف نجمع بين الولاء للأمة الإسلامية عامة والمجتمعات القومية الخاصة في داخلها .
وقد سيطرت هذه الحيرة أيضا على خير الدين باشا في تونس، ففي كتابه “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ” تونس 1284-1285ه” ينظر إلى تقدم أوروبا، ويؤكد أن سره لا يكمن في كونه مسيحيا، إذ المسيحية  هي دين يرمى إلى السعادة في الآخرة لا في الدنيا،  فلا خوف على المسلمين أن يتأثروا بالديانة المسيحية إذا اعتنقوا الحضارة الأوروبية .
ويرى خير الدين باشا أن أركان الحضارة الأوروبية هي مسئولية الوزارة أمام الأمة، ووجود نظام نيابي، وحرية الصحافة، وهذه الأركان الثلاثة لها صدى في صميم النظم الإسلامية، فليس النواب سوى العلماء والأعيان، أي أهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية. وليس الوزير المسؤول إلا الوزير الصالح في الإسلام، الذي يبذل النصيحة من غير خوف ولا تحيز. وما الحكم النيابي وحرية الصحافة إلا نظام يقابل مبدأ الشورى في الإسلام. فاعتناق النظم الأوروبية، في نظره تنفيذ لروح الشريعة الإسلامية وأغراضها. ويبرر آراءه هذه بالاستناد إلى مبدأ “المصلحة لابن قيم الجوزية “. و هكذا يقرن خير الدين التونسي (1825-1889 ) الحرية بجملة من الحقوق المتعلقة بها، فينوه بالحرية الشخصية وبالحرية السياسية ومشاركة الرعايا في إدارة شئون الدولة وكذلك بحرية “المطبعة ” أي حرية الرأي والكتابة والنشر التي تعدل عنده المبدأ الإسلامي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويبدو من كل هذا أن المشكلة الأولى التي واجهها الطهطاوي وخير الدين  حسيب هي تبرير إدخال المسلمين في العالم الحديث مع احتفاظهم بمبادئهم الإسلامية.
وبعد ذلك الرعيل الأول وقناعتهم الكاملة بالحرية كسبيل للتقدم جاء رائدان للفكرة العربية هما: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ومثلا بذلك رحلة جديدة نحو الحرية في العالمين العربي والإسلامي.
© منبر الحرية، 01 مارس/آذار 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018