على هامش جدل النقاب، قهوة سادة على ملابس المصريين

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

قرأت الكثير من المدح والاستحسان لمسرحية قهوة سادة، وانتهزت أول فرصة، وقضيت أمسية رائعة مع حضور جماهيري كبير ملء القاعة. وذكرني هذا العرض الرائع بمسرحية الفرافير لكاتبنا العظيم الراحل يوسف إدريس، وإذا كانت الفرافير تعتمد فى بنيتها على مشاركة الجمهور والممثلين في العرض، فأن قهوة سادة كان الممثلون أشبه بفرافير يوسف أديس، وأنفعل معهم الجمهور الكبير احتجاجا على أوضاع المجتمع. وبهرني الإتقان والإيقاع المكثف السريع لمشاهد العرض الذي قدمه مجموعة من الشباب الصاعد الواعد بقيادة خالد جلال مخرج العرض، الذى صرح لوسائل الإعلام ان اختيار فكرة “سرادق العزاء” الذي يشرب فيه المعزون قهوة سادة على روح المتوفي، المقصود به في عرضنا رموز النهضة المصرية في كل المجالات، ومن هنا جاء اسم المسرحية التى كشفت سلبيات الوطن، فعبر 90 دقيقة تمكن 35 ممثلا وممثلة يرتدون ملابس “الحداد” من تجسيد إفرازات ظواهر أزمة رغيف العيش، غياب صلة الرحم، انحدار مستوى اللغة، الهجرة غير الشرعية، البطالة، الغلاء، جشع رجال الأعمال، خلجنة الأعمال الفنية، الفتاوى المجهَّلة، كل هذا بسخرية لاذعة، جعلتنا نضحكك حتى البكاء. ولفت نظرى اختفاء الحجاب من على رؤوس الممثلات ! ما عدا واحدة منهن لبست الطرحة السوداء بالطريقة المصرية.
وجاءت ملابس الحداد فى البدل والفساتين السوداء الأنيقة للممثلين والممثلات تحقق عدة أهداف فى ضربة واحدة كما يقولون ! فهى تعمق فكرة سرداق العزاء، وتذكرنا بالزمن الجميل لشياكة وأناقة وجمال ملابس المصريين، كما تظهرها الأفلام المصرية القديمة، وحفلات أم كلثوم فى تليفزيون الأبيض والأسود، علاوة على ذلك جاءت أناقة ملابس الممثلين والممثلات لتصدمنا أيضا بالفوضى والفجاجة والقبح فيما يلبسه المصريون الآن ! ورصدت عدة كتابات سواء كانت فى المطبوعات الورقية او على الإنترنت واقع الشارع المصري حيث تنتشر الملابس السعودية والإيرانية والماليزية والباكستانية والهندية واليمنية، تسير جنبا إلى جنب، حيث تسود العشوائية والفوضى التى يجمعها ملمح واحد فى ملابس المصريين الآن وهو اللباس الشرعى كما يتوهم العقل الجمعى : دشاديش و سراويل أفغانية وباكستانية وخليجية قصيرة مع شماخ وعقال، غير اللحى الطويلة بين الرجال. و جلابيب وعبايات خليجية مع الحجاب والنقاب، علاوة على النقاب المزدوج، والنقاب الأعور، والشادور الإيراني والإسدال الباكستاني للنساء.
والأغرب تجد المصريين نساء ورجال، شباب وبنات يلبسون خليطا عجيبا ضد الذوق العام يجمع النشاز والقبح والفجاجة، فهذا يلبس البنطلون الجينز والعقال والشماخ الخليجى او قطعة قماش بيضاء على الرأس ، وآخر يلبس السروال الأفغانى وطاقية فلاحى او صعيدى فوق الرأس. وأنتشر أيضا ارتداء بنطلون الجينز الضيِّق بين الفتيات، مع الحجاب الملون والمزركش على الشعر، والقمصان القصيرة التي تظهر من وقت لآخر البطن فتظل الواحدة منهن تشد القميص عليها كل ثانية، بينما غطاء الشعر الطويل المتعدد الألوان يغطى رأسها، مع مكياج مستفز على الوجه، فهى حالة من الفصام يعيشها المجتمع المصرى فيما يتعلق بمسألة غطاء الرأس، الذي يتناقض مع سلوك معظم الفتيات اللاتي يرتدينه. وهذه الفوضى فى ملابس المصريين، أصبحت ثقافة سائدة، وفى نفس الوقت تعتبر إهانة شديدة لمصر، لأن الأمر أصبح صورٍ كاريكاتوريةٍ لفقدان الهوية الوطنية المصرية التي تعد الأزياء واحدة من مكوناتها.
وتعتبر تأكيدا واستجابةٌ طبيعيةٌ للفوضى التي تعم كل شيء! وتبرز حالة من العشوائية الذهنية و الاغتراب والتخبط العقلى بين المصريين، وتعكس تردى المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التى يعيش فيها المصريين. فملابس الشعوب ما هى إلا تعبيرا عن الشخصية والهوية. وكل مجتمع له كود أو شفرة اجتماعية وثقافية خاصة فى نمط الزى السائد فيه، يحددها المجتمع وليس الأفراد. وازعم أن تغلغل ثقافة الأصولية فى المجتمع المصري، فى الثلاثين سنة الأخيرة، وانتصار خطابها فى المناطق الريفية والأطراف العشوائية و بين الطبقات الفقيرة الأميّة، انتح حالة من الهوس الدينى بين المصريين، وأصبح العامل المحدد الأكثر تأثيرا على شفرة ملابس المصريين، فمن عادة المجتمعات المريضة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، أن تهرب من أمراضها بالتشدد والتطرف الدينى، ويظهر ذلك واضحا فى ملابس المصريين، خاصة بعد موجة الهجرة المصرية للعمل في الخليج، والتى عادت ومعها مظاهر الغلو الدينى والتشدد والتعصب وقيم التزمت، وحجب وعزل المرأة ، والمبالغة فى النزعة الذكوريه، وتفضيل الماضى،ونبذ العلم والتفكير العلمى، وتضخم النزعة العائلية والقبلية، وتنمية الروح القدرية، علاوة على الأفكار الدينية التى تهتم بالشكليات والقشور وتتجنب المواجهة الحقيقية لمشاكل المجتمع. فكان من الطبيعى ان تحمل معها عند عودتها ملابس المجتمعات الصحراوية المنغلقة، التى انتشرت فى مصر كلها تحت شعارات دينية، فتحول الموروث الاجتماعي القبلي لتلك المجتمعات فى العقل الجمعى المصرى الي قيم دينية خادعة ‏.‏ وأصبحت الشفرة الدينية فى ملابس المصريين تجارة وموضة وبزنس، ومنتشرة فى الفيديو الكليب والإعلانات.
منظور نفسي واجتماعي
عندما حللت دراسات علم النفس الاجتماعي ظاهرة اللباس الديني، وبدقة أكثر الزى الطائفي كشفت عن ان عمليات تقليد الزى هي نفسها التى تحدد نمط الزى السائد، عن طريق تقليد الآخرين، ومسايرتهم ؛ حتى يشبع الفرد رغبته فى التكيف الاجتماعي، والاتحاد مع الأفراد الآخرين من طبقته الاجتماعية ، وطائفته الدينية ! وتقود قوة التقليد الشعوري واللاشعوري الفرد بسهولة ضد حسه العام والمنطق لتبنى اللباس السائد. وان الفرد داخل المجتمع يسحب دائما إلى دوامة اللباس المرغوب من مجتمعة وطائفته، خوفا من الرفض الاجتماعي إذا لم يذعن ! وفي أول الأمر تعترض أعداد كبيرة من الناس على نمط وطريقة اللباس، لكنها تتبناها فى آخر الأمر نتيجة الضغط الاجتماعي الذي يمارس عادة برعونة شديدة ! ويصبح هذا اللباس مع الوقت ظاهرة بديهية بين الكثير من المعترضين. ولملابس المرأة حساسية خاصة في مختلف الثقافات، والضغوط الاجتماعية أشد تأثيرا على النساء وخاصة فى مسائل الملبس. والرجال أيضا يشعرون بضغط المجتمع على نمط لباسهم، وفى الأخير يستسلمون لقوته ! وثمة أيضا عنصر الرغبة في التمايز الفردي، والرغبة فى إعطاء الذات طابع متميز بالاندفاع نحو الاختلاف والتشدد فى الملبس للحصول على مقارنةِ اجتماعية مُرضية من خلال اللباس. وأي وضع جديد يسمح باختلافات طفيفة خاصة في الملبس، يزيد قيمة هذا اللباس اجتماعيا. ومن الناحية النفسية لا أحد يرغب النظر إليه كشخص عادى او متوسط، فكُلّ شخص يَعتقدُ بأنه مختلف عن كتلةِ الآخرين، وملابسه تُمكّنُه من تعزيز هذا الاعتقاد. وعلى الرغم أن المظهر الذي يكسبه اللباس الديني للفرد هو التميز، لكن غالبا ما يكون مظهر زائف على غير حقيقة شخصية الفرد. فالمراقب للطيور الداجنة لن يستطيع التفرقة بين الطاووس والديك الرومى والفراخ العادية، عندما ننزع عنها الريش فمظهرها سيكون متشابه إلى حد كبير. ومن الخطأ الافتراض بأن اعتماد زى معين سيؤدى تلقائيا إلى ارتفاع المكانة الاجتماعية للفرد بين أقرانه، فملابس الفرد لا توحده مع مجتمعه فقط ولكن فى نفس الوقت تفصله عنه أيضا !؟ فهى تشبع رغبته فى التوحد مع المجتمع ورغبته أيضا فى التفرد والتمييز بين أقران مجتمعة ! والزى الذي يعزز اللامساواة مثل الأزياء الدينية او الملابس الباهظة الثمن، غالبا ما تصبح تحدى للديمقراطية ومفهوم المواطنة، بل هو طعن فى الآخر المختلف اقتصاديا أو دينيا. ومن ناحية أخرى تقليد الملابس يمكن الطبقات الدنيا في تقليد الطبقات الغنية عن كثب، والاقتراب منهم في المظهر. وبالتالي يؤدى إلى درجة من الدمقرطة.
حتى الشعوب الفقيرة تحاول تقليد أزياء الدول الغنية، فالملابس مثل الأفكار تهاجر من دولة إلى أخرى، وفى الغالب تتأثر المجتمعات المأزومة بأفكار وأزياء المجتمعات الأكثر تقدما على المستوى الاقتصادي. وعلى المستوى الدينى تتأثر المجتمعات المأزومة دينيا بأفكار وأزياء المجتمعات التى تعتبرها عن وهم مجتمعات مقدسة ومنبع الرسالة الدينية . ونمط الزى يزدهر فى المجتمع اعتمادا على الجدة، وبطبيعة الحال المجتمعات التى تتحكم فيها العادات والتقاليد تنتشر فيها الأزياء الجديدة بصعوبة ! لكن إذا لامست تلك الأزياء الجديدة العادات والتقاليد والعرف، وينضوي تحت هذا ما يكشفه وما لا يكشفه الزى من جسد الرجل أو جسد المرأة، وما يلبس وما لا يلبس في كل مناسبة، فهى تنتشر بسرعة وكثافة، مع التأكيد ان الأزياء تكتسب مكانتها فى تلك المجتمعات من خلال التقليد، وليس لأنها جديدة ! وهنا تفقد الجدة بريقها. وحسن السمعة والاحترام المفترض فى الزى الديني يعزز دائما انتشاره. حيث تبين المعارف الحالية ان الناس يقلدون النمط الجديد من الملابس ذات السمعة الجيدة او هم على استعداد لذلك، وتعيش كثير من الأزياء لبعض الوقت اعتمادا على السمعة والهيبة والاحتشام، وإثارة الإعجاب بتسليط الأضواء عليه من خلال الإعلانات التجارية والبرامج الإعلامية ! حيث يجذب ذلك اهتماما واسع النطاق للعديد من الأسر. ويعتمد محترفى الدعاية للملابس على التسلسل، والتراكمية فى الإعلانات البريئة والغير مدركة من العامة، و تبدأ حملة الدعاية والتحدث نيابة عن زى معين على وشك أن يظهر. . فنمط الزى المثير للانتباه يعطى تميز فردى وتقدير ملفت. فالدعاة والوعاظ بزيهم المميز وسط حشود المستمعين يجسدون الشخصية المتميزة. والأزياء الدينية تنتشر تحت دعوات العودة إلى الأصالة مستغلة الدوافع الغريزية للطبيعة البشرية ، فيهرع الناس لدعم هذا الزى او ذاك دون فحص دقيق للدعاية وطبيعتها الجوهرية فى الخداع.
مخاوف من المستقبل
يجب أن ينظر إلي اللباس الدينى في سياق اجتماعي وتاريخي، حيث يختلط الدينى بالسياسي بالاقتصادي بالاجتماعي بالتاريخي. وهو رمز دينى لتحقيق مصالح سياسية نفعية ضيقة، حيث ترحب به تيارات التعصب والغلو كسلوك طائفى عنصرى، مستهدفين إلهاء وتحييد المجتمع عن قضاياه الحقيقية والزج به في متاهات قضايا هامشية يمثل مجرد طرحها إهدارا للطاقات الذهنية، وأن الجدل حول الزى او غطاء الرأس الطائفي المنتشر بين المصريين لا يعدو أن يكون المدخل لإعادة طرح الملف الديني ضمن إستراتيجية تراهن على نسف قواعد الدولة المدنية وإخراج مفهوم الدين عن سياق العقل والتنوير. وأمامنا ما يحدث فى دولة كبيرة فى المنطقة والتى يعتبرها تيار التعصب والغلو فى مصر نموذجا له، فقد نشر منذ فترة قصيرة خبر إقرار برلمان تلك الدولة قانون الزي الوطني الموحد، الذى لم يكتفى بالحد من حرية المواطنين الأساسية في ارتداء ما يشاءون من ملابس، لكنه جاء بما هو أقبح وبما هو عنصري، إذ فرض على الاقليات الدينية الموجودة ارتداء ثياب مختلفة عن الأزياء التي سيرتديها المسلمون طبقاً للقانون حتى يسهل على المسئولين والمتطرفين على السواء معرفة غير المسلمين وبالتالي معاملتهم طبقاً لدياناتهم. ويذكر القانون الجديد – بحسب وسائل الإعلام الغربية – بالنظام النازي الذي فرض على اليهود وضع نجمة داود على قمصانهم للتمييز بينهم وبين غير اليهود طوال فترة حكم أدولف هتلر في أوروبا في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.
وأزعم ان القلق على مستقبل الوطن أمر مشروع خاصة وان المد المتشدد لم يتراجع ! بل يزداد شراسة رغم كل الجهود المبذولة ! وفى مصر الآن مقدمات وشواهد كثيرة لا تخطئها عين، ناتجة عن غياب المنظومة الاجتماعية الثقافية السياسية التى تصون الحريات الشخصية من كل أشكال التعسف الدينى، وتحمى الحريات العامة وتنشر ثقافة التسامح والحوار مع الآخر، وإذا لم تنجح مصر فى تفكيك ثقافة الأصولية المسيطرة على العقل الجمعى للمصريين، فمن حقنا ان نطرح السؤال التالى دون مبالغة وافتعال : هل يأتى وقت على مصر تتحول الشفرة الدينية فى ملابس المصريين إلى قانون زى موحد يفرق بين المواطنين حسب الدين!؟
© منبر الحرية، 19 نوفمبر/تشرين الثاني2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018