تغيير المجتمع بين الفكر والواقع

نبيل علي صالح18 نوفمبر، 20100

كيف يمكن للمثقف والسياسي الأصولي بمختلف أشكاله وصوره المتناحرة والمتناقضة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين (والذي يؤمن إيماناً راسخاً بحتمياته ورواسخه الدينية أو القومية أو الماركسية) أن يتحدث عن الحريات والحقوق الفردية، ويطالب بتأسيس دولة القانون والمؤسسات، وهو لا يزال يعيش داخل دهاليز نضالاته الوهمية التي لا يفهمها إلا بلغته وأدواته القديمة البالية؟!.
ثم كيف يمكننا تصديق أقوال الداعية الأصولي الذي حمل السلاح في وجه أبناء المجتمع، ومارس الإقصاء الدموي ضد خيرة أبناء المجتمع، ومسؤولييه عن الديمقراطية، رافضاً حق جميع القوى والتيارات في تداول السلطة والحكم، وو…الخ؟!. وهو نفسه أقام وجوده الفكري والعملي على المطلقات التاريخية والعقائدية المقدسة التي تنفي –بمعظمها- الآخر من جذوره، وتستبعده كلياً من ساحة الحياة إلى حفرة القبر.
إنهما مشهدان يختصران مواقع الثقافة والسياسة في عالمنا العربي، ويقدمان صورة حية عن أيديولوجية الدمار والموت التي تتستر بالعقائد لتبرير عنفها ودمويتها وشبقها الأعمى للتعصب والقتل.
وهذا ما يلزمنا بضرورة تبني العقلانية في الفكر والوعي والممارسة. وأنه يجب على الكل مسامحة الكل إلا من ثبت تورطه في ممارسة القتل الرمزي والدموي بحق الناس والمجتمع)، لأن الكل (وهذه حقيقة صعبة وجارحة قد تصدم الكثيرين) متورط في ممارسة “الزنا السياسي والثقافي” –إذا صح التعبير- من ألفه إلى يائه.
ومن هنا ينبغي على هؤلاء جميعاً أن يقفوا أمام مجتمعاتهم كلها ليقروا ويعترفوا اعتراف المخطئ بكل الأعمال الظالمة والممارسات الشنيعة التي ارتكبوها بحق المجتمع والناس المستضعفين. ومن ثم يطلبوا الصفح والعفو الصريح والحقيقي من الشعوب التي عانت (ولا تزال تعاني) وتتحمل الكثير الكثير من نتائج عقم وسوء الاستراتيجيات وجملة الخيارات السياسية والتنموية والاقتصادية التي تبنتها ومارستها تلك النخب السياسية والفكرية.
ونحن عندما نتطلع إلى ضرورة أن يتقدم هؤلاء (من المثقفين والحكام) لطلب الغفران من الشعب، فإن ذلك لابد وأن يكون مبنياً على قواعد ومنظومات عمل جديدة في العمل السياسي والثقافي، تضمن عدم تكرار مثل تلك الممارسات والسياسات الخاطئة، وتمنع حدوثها مرة أخرى بضمانات الدولة المؤسساتية العادلة.
وإننا إذ نطالب بالسعي الجدي لتحقيق ذلك، فإننا لا نعتقد باستحالة حدوثه، ولا نطالب هؤلاء باجتراح المعجزات بالرغم من أنهم اجترحوا سابقاً معجزة وصولهم إلى دفة القيادة والحكم من دون أن تنتخبهم الجماهير بإرادتها الطوعية لا القسرية، الأمر الذي تسبب أساساً في إفشال كل خطط التنمية السياسة والاقتصادية العربية على مدار العقود الماضية، حيث أن الحكام الذين كانوا يأتون إلى السلطة كانوا يفتقدون على الدوام مفردة الشرعية الحقيقية، ولهذا كانوا عديمي الفاعلية والجدوى تقريباً في مجريات الأحداث، والتأثير في الواقع والشأن العام لمصلحة الناس عموماً.
ويبدو أن هذا التخلف الفكري والأيديولوجي المقيم عندنا –والمنطلق من خلال تعامل كثير من قياداتنا العربية مع شعاراتهم وقضاياهم ومع الواقع بعقليات طوطمية سحرية- هو الذي يملي عليهم نقصاً حاداً في الوعي تجاه مفهوم السلطة والحكم والحرية، وأساليب ممارسة الفكرة في الواقع.
فهم لا يزالون يؤمنون –بالرغم من ادعائهم الظاهري الإيمان بالعملية الديمقراطية- بأن عملية التغيير والتطوير (باتجاه قيم التعددية السياسية والفكرية، وفسح المجال الواسع أمام جماهير الأمة لتمارس حرياتها العامة، وتعبر عن آرائها في كل ما يتصل بمصائر عالمنا العربي) ستنطلق من فورها بقدرة قادر أو بسحر ساحر. أي بمجرد أن نصرح عن تلك القيم، أو نصدر صحيفة هنا، ونكتب مقالاً نقدياً هناك.
وتاريخنا المعاصر –الذي كتبت للأسف تلك النخب السياسية والفكرية الجزء الأكبر منه- مليء بكل ما يناقض ما كتبه أدعياء التغيير والتطور عن ضرورة التغيير، وضرورة الحرية والديمقراطية والتقدم.
من هنا نحن نعتقد بأن مشوار التغيير الحقيقي في مجتمعاتنا المتخلفة لا يزال طويلاً وهو لا يعني أن مجيء تيار ما إلى السلطة، يحمل أفكاراً معينة هو الحل، وهو المنقذ لهذا المجتمع الذي يرزح تحت أعباء التخلف والظلم السياسي والاجتماعي، بل إنه يعني أن مجيء بنية جديدة ونظام جديد وتصور جديد لمفهوم بنية الحكم والسلطة هو المنقذ لأشكال التأخر التي نعيشها (وربما يتعيش كثيرون عليها).
ويجب ألا ننسى هنا أن تراثنا السياسي فقير جداً في موضوع البنية التشريعية التي تتناول مفهوم السلطة. كما أن فكرنا الحضاري الإسلامي –الذي كانت له الريادة في مجالات العلوم الإنسانية (كالفلسفة، والاجتماع، والآداب، و..الخ)- يفتقر كثيراً للعلوم السياسية، ولا توجد فيه أية إنجازات تذكر على هذا الصعيد. الأمر الذي أثر سلباً على مستوى عدم إنضاج تجارب حقيقية لدى الأجيال اللاحقة فيما يخص عملية اجتراح بنية جديدة للسلطة، وإحداث التغييرات الكمية والنوعية الحقيقية في نواة الحكم.
ولذلك فإننا نعتقد –وننصح هؤلاء المثقفين والسياسيين ممن جربوا ودفعوا الأثمان الباهظة للنضالات القومية والماركسية والدينية الفاشلة من حاضر ومستقبل شعوبهم ومجتمعاتهم- أن الأمر الذي يمكن أن يُحدث تلك التغييرات الكمية والنوعية المطلوبة في طبيعة السلطة التي نبحث عنها، هو تقديم رؤى وأفكار جديدة لمفهوم السلطة والحكم، تتناول -في الأساس، وقبل أي شيء- شرعية السلطة، وامتدادها الاجتماعي، ورضى الناس الطوعي الحقيقي عنها.
فشرعية السلطة–أية سلطة- أهم بكثير من صبغتها ولونها وتركيبتها المعرفية، سواء كانت دينية أو ماركسية أو قومية أو حتى ليبرالية. وعلى الذين يريدون المساهمة الفاعلة في تطوير الواقع، وتغيير آليات العمل السياسية للمجتمع ككل، عليهم:
أولاً: عدم ممارسة دور القيمومة والوصاية الأبوية على معارفهم، والتخلي عن حراسة أفكارهم ومقولاتهم العاجزة عن مواجهة الواقع والتطورات السريعة والمتلاحقة فيه.
وثانياً: المصالحة الحقيقية العقلانية مع الذات بنقدها وتعرية نقائصها وسلبياتها، ووعي الواقع والحياة المعاصرة.
وثالثاً: الانكباب على إحداث التغييرات النوعية انطلاقاً من الواقع، وليس انطلاقاً من الأفكار المسبقة المعلبة والمتخشبة العاجزة عن قراءة ذاتها قبل قراءة الآخرين.. لأن العلة ليست في الواقع دائماً، أو في توجيه اللوم والاتهامات الاعتباطية للآخر، بل هي  –كما يؤكد علي حرب- في الأفكار المتحجرة والمفاهيم البائدة والنصوص المغلقة والقراءات الموقوتة والعقول القاصرة حيث أن هؤلاء يؤمنون بأن العلة في الواقع وليس في الفكرة والنظرية. ولذلك فهم يسعون دوماً –وهنا أصل الداء، وجذر العطالة- إلى محاولة كسر وتجيير الواقع ومطابقة وقائعه المتغيرة باستمرار مع مقولاتهم المتكلسة البائدة ومفاهيمهم العقيمة غير المنتجة، الأمر الذي سيؤدي –كما أدى سابقاً ويؤدي حالياً- إلى أن يصبح المثقف (وكذلك السياسي) ضحية أفكاره و(دونكيشوتاته) النضالية الفاشلة بحيث يظهر عملياً في الواقع، وهو يعمل ضد مبادئه وأهدافه المحملة بحمولات أيديولوجية شعاراتية ضخمة كلفته –وكلفت مجتمعه- كثيراً من الدماء والدموع. أي يظهر أمامنا حارس القيمة قاتلها، وفق مبدأ “حاميها حراميها”.
وعندما نبدأ جميعاً –كمثقفين وسياسيين- بالتحرك على طريق الإصلاح والتجديد الفكري والعقلي والديني، يمكن أن نصدق أفكارنا، ونصدق بعضنا البعض.. بعيداً عن النفاقية والتكاذب والتكاذب المضاد.
© منبر الحرية، 16 نوفمبر/تشرين الثاني2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018