الحواضن التكنولوجية و ألاستقلال السياسي

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

لم يؤثر نشاط اجتماعي بالمجتمع الإنساني قدر ما أثرت و تؤثر التكنولوجيا. التكنولوجيا الآن هي عصب الحياة المعاصرة و أساسها. لا يمكن لأي مجتمع ان يبني و يعيش من دون تكنولوجيا. و من يملك التكنولوجيا يملك السيطرة في مجال عملها. التكنولوجيا ليست جهازا أو مجموعة أجهزة. إنها منطق متكامل تشمل الابتكار و البحث و الصناعة و الاقتصاد و السياسة.  و هناك الآن اتجاهات فكرية كبيره تتناول التكنولوجيا.
التكنولوجيا الآن هي في كل مفردة من مفردات حياتنا مهما كانت بسيطة. نحن نعيش في بحر التكنولوجيا الهائل وتمثل التكنولوجيا الأوكسجين الذي لا حياة بدونه. إنها الآن أوكسجين الحضارة المعاصرة. إنها مسئولة عن الماء الذي نشرب و الرداء الذي نلبس و الدواء الذي نتعالج به و الغذاء الذي نأكل و صوت الأذان الذي نسمع و و و.
لقد تطورت التكنولوجيا المعاصرة على الأسس العلمية التي تم اكتشافها خلال القرون الأربعة الماضية.  و المجتمعات التي ساهمت في تطوير المعرفة العلمية (و ما رافقها من ُبنى اقتصادية و صناعية) خلال تلك الفترة تمتلك الآن السيطرة التكنولوجية.  لقد كانت المجتمعات الغربية صاحبة الأولوية في هذا البناء و هي الآن تملك زمام المبادرة الدولية في كافة جوانب الحياة.
القرون الأربعة الماضية هي التي تفعل فعلها الآن. ولو لاحظنا النشاط الاستعماري خلال تلك الفترة نجد ان النشاط التكنولوجي كان هو الأساس في توسيع و ترسيخ الاستعمار. أن مصير العالم بيد اللاعب التكنولوجي.   من جانب أخر عاشت الدول المسعَمرَه من قبل الاحتلال المتخلف مثل الدولة العثمانية (الرجل المريض) عصرا كارثياً فقدت خلاله زمام المبادرة التكنولوجية في عصرنا الراهن.
لقد عاشت دول الرجل المريض احتلالين الأول احتلال متخلف و بغطاء أسلامي و الثاني متطور غربي و باغطيه مختلفة. لقد فقدت دول الرجل المريض إمكانية بناء التكنولوجيا أو لنقل توفير الأوكسجين لمجتمعاتها في عصرنا الحاضر. لذا دخلت هذه الدول القرن العشرين و بحواضن الخدج (  Premature Incubators)  و ما تزال حتى الان في حواضن الأوكسجين الغربي. لا يمكن لهذه الدول الضعيفة البناء ان تعيش منفردة (مستقلة) من دون تكنولوجيا أو أوكسجين الحضارة. لقد تم تقسيم الدولة العثمانية الى دول ذات حدود (حواضن توفير تكنولوجيا).
المعاصرة بلا شك تعني لدى الكثير من العرب و المسلمين الغرب و انتاجاته الفكرية و التكنولوجية. لذا دائما ما يتهم كل من يدعو الى التحديث بأنه غربي في المجتمعات العربية و ذلك لعدم وجود حاضر عربي متطور فالماضي هو الموجود الوحيد و لكي تكون عربيا مسلما يجب ان تعيش في الماضي!  و رغم ان هذه المجتمعات لا يوجد شيء في حياتها غير مستورد أو غربي المنشأ فإنها تقف أمام أي تحديث بتهمة انه غربي.
مشكلة الاستعمار و الدول المستَعَمَرة في الوقت الحاضر هي مشكلة من يملك القوة ومن لا يملكها. و القوة في الوقت الحاضر هي قوة التكنولوجيا. لا يوجد ألان مجتمع قادر على الإستقلال بصورة مطلقه. الغرب عموما و حتى الولايات المتحدة الامريكيه تعتمد في الكثير من مصادرها على دول العالم المختلفة و لكنها لحد الآن هي المصدر الأساسي للإبداع العلمي و التكنولوجي في العالم.
بالنسبة للدول العربية التي فقدت زمام المبادرة العلمية منذ قرون فإنها تعيش بعيدا عن هامش الحضارة العالمية ألان. و ابعد ما تكون عن عالم العلوم و التكنولوجيا التي يمكن ان تسند مجتمعاتها. هذه المجتمعات لا تملك إمكانية الدفاع عن نفسها أو إطعام أبنائها بإمكانياتها الذاتية. إنها ما تزال تعيش مخلفات الرجل المريض.
لنأخذ العراق نموذجا و العراق قد يكون أفضل كثيرا بإمكانياته العلمية من بعض الدول العربية و الإسلامية. يمتلك العراق إمكانيات صناعية كبيرة و لكنها مستوردة و ليس هناك أية  تكنولوجيا وطنية و كذلك الكثير من المواد الأولية الداخلة في الصناعة كانت تُستورد من الخارج و هو بذلك حاله حال كل الدول العربية. لقد كان العراق على المستوى السياسي مستقلا سياسيا و يفخر باستقلاله السياسي.
و نتيجة لكارثة سياسة متهورة  عاش العراق حصار دولي استمر من اواخر عام 1990 و حتى عام 2003. رغم ان هذا الحصار لم يكن حصارا كاملا مطلقا (هناك بعض التكنولوجيا كان من المسموح دخولها لأسباب إنسانية او قد يتم إدخال البعض بطرق أخرى) الا انه ترك مأساة حضارية كبيرة  كان الشعب العراقي ضحيتها. لقد كانت السلطة السياسية ابعد ما تكون عن تصور الحجم الحقيقي للإمكانيات التكنولوجية المحلية التي يمكن ان تلعب دورا بديلا في هذا الظرف القاسي و لكن كان الاستقلال السياسي الخدعة الكبرى التي تعيشها تلك القيادة و يعيش الكثيرين مثلها هذه ألأحلام.
لقد اظهر هذا الحصار بوضوح الكثير من المشاكل وهذه البعض منها:
1- مشكلة اعتماد العراق على الثروة النفطية فقط كمصدر تمويل وحيد تقريبا.
2- مشكلة الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة و عدم وجود تكنولوجيا ذات جذور وطنية.
3- الفجوة الكبرى ما بين البحث الأكاديمي المحلي و الإمكانيات الصناعية المحلية و التي هي أساسا تكنولوجيا مستورده.
4- البعد الحضاري الشاسع للفرد البسيط عن العلوم التطبيقية و إمكانية الاجتهاد الفردي في استخدامها في حياته أليوميه.
5- مشكلة علاقة السلطة بالعلم و التكنولوجيا.
6- عدم وجود منظومة علوم و تكنولوجيا كفوءة و مترابطة و يمكن ان تطرح البديل.
لقد اعطي الحصار مؤشرا حقيقيا عن مدى هشاشة الوضع العلمي و التكنولوجي المحلي للعراق و الذي هو بلا شك مماثل لدول المنطقة ان لم يكن أفضل من البعض منها. و لو تعرضت أي دولة من دول العالم العربي او الإسلامي لما تعرض له العراق لربما عاشت ماسي افضع و اكبر.
فهل كان العراق مستقلا ؟ العراق لم يكن مستقلا لأنه لم يكن بمقدوره إدارة كيانه ذاتيا و بصورة كبيرة انه لم ولن يستطيع الخروج من الحاضنة التكنولوجية و بالتأكيد هو ذات الحال بالنسبة  لكافة الدول و المجتمعات في المنطقة.
ان كل هذه الدول و للأسف  تعيش استقلالا بعيدا عن التكنولوجيا وهذا ما قد يعد  وهما كبيرا. وقد لا يكون حتى وهما إعلاميا لأنها لا تملك تصنيع تكنولوجيا الإعلام و الدعاية. إنها لا تملك تكنولوجيا تصفية المياه لشعوبها لأنها تستوردها كمعلومة و كتكنولوجيا. لا تملك اية دولة من هذه الدول إمكانية صناعة أعلامها الوطنية بمصانع من تكنولوجيتها ألمحليه. و لا تستطيع ان تدافع او تحارب الا بالمقدار المسموح لها من قبل الدول المنتجة للسلاح الذي تشتريه. و حتى الكتب الدينية و مستلزمات الإرشاد الديني يتم استيراد أجهزتها من بلاد “الكفار” التي أبدعت و صنعت تلك التكنولوجيا و الأماكن المقدسة هي الأخرى يتم تطويرها بتكنولوجيا يبدعها “الكافرون”. و الأدهى من ذلك تتبارى الشركات الصناعية الأجنبية على توفير مستلزمات دينية محلية بإطار تكنولوجي معاصر مثل الساعة التي تطلق الأذان. او أجهزة البحث عن القبلة…
و الطامة الكبرى لهذه الدول او المجتمعات ان يعيب احدها الاخر على مدى استقلاله و كأن كل واحدا منها قطبا عالميا فريدا. لقد فقدت تلك المجتمعات إمكانية ان تكون دولا مستقلة منذ ان فقدت حرية التفكير و رضت الاستعباد الفكري المؤدلج منذ قرون. أنها لا تملك سوى حدودا رسمها اللاعبون التكنولوجيون أما داخل الحدود فيمكن ان تلعب بمقدراته الدول المصنعة للتكنولوجيا. و رحم الله امرئ عرف قدر نفسه.
© منبر الحرية، 05 سبتمبر/أيلول 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018