peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

في عام 2002 كنت احاضر لطلبة الدراسات العليا في كلية الهندسة في موضوع نظرية الليزر. هذا الموضوع من المواضيع النظرية الشائكة  وذلك لا عتماده على فيزياء الكم. لقد اشبع هذا الموضوع دراسة و بحثا منذ عشرينات القرن الماضي و لحد الوقت الحاضر.  و كثيرا ما احاول في محاضراتي  ان اقدم عرضا تاريخيا مرتبطا بالتطور الرياضي للصيغ العلمية لتبيان التطور الذي يتم ادخاله على الصيغ الرياضية المعتمدة وسبب هذا الادخال او التحديث. لقد كان الموضوع دسما و ثقيلا مليئا بالصيغ الرياضية و اسماء العلماء الذين اكتشفوها.
بعد ان انتهيت من احدى محاضرتي و كانت المحاضرة حافلة بالكثير من الاشتقاقات النظرية و بالكثير من مساهمات العلماء من دول مختلفة و الذين ساهموا في اغناء ذلك الاشتقاق الرياضي. تعرضت لسيل من اسئلة الطلبه المعهوده و الخاصة بالموضوع و لكن كان السؤال الاخير مختلفا عن باقي التسائلات. جائني من طالبة تهتم بالجوانب الفكرية, قالت هبة :  ” لقد عرفنا ان هذه المعادلة الرياضيه تعرضت لتعديلات مختلفة و ساهم في هذا التعديل علماء كثيرون”. اجبتها نعم و هذا ما لا يعرفه الا المتخصصون اصحاب العلاقة. قالت ” ان كل الاسماء التي طرحت لا تحتوي اسما عربيا او اسلاميا واحد و نحن اصحاب الحضارة؟ فاين نحن؟” لم اندهش لتسائل هبة لانها كانت محبة للاطلاع. لقد كنت صريحا مع هبة “ليس لنا مشاركة في النشاط العلمي المعاصر!” دون ان اتطرق لتفاصيل اكثر لا يحتملها وقت المحاضرة.
لقد كان ذلك ما قبل حرب 2003 و ايام المد القومي في العراق. لقد كانت هناك ثقافة مركزية تمجد التاريخ العربي القديم و في ذات الوقت ترفع الشعارات  لمستقبل يعود فيه العرب الى مجدهم السابق (رغم تراجع العراق وقت ذاك عن دول المنطقة). و لكن لم يكن هناك شيء يذكر عن الفرق الزمني ما بين الماضي التليد البعيد جدا و الحاضر المُجهد. لم يكن هناك تسائل لماذا اصبحنا هكذا؟ ما هي المشكلة؟  ألاجابة الرسمية العربية على ذلك هي ان الاستعمار و الصهيونية هما سبب المشكلة. على ذلك كان علي ان اجيب هبة ان الاستعمار والصهيونية العالمية هما سبب ماساة العرب و المسلمين و انقطاعهم عن الحضارة الانسانية و لكن لم اتطرق لهذا الموضوع.
حتى وقت ذاك كنت مهتما بالاضافة لتخصصي العلمي بفلسفة العلوم لعلاقتها باهتمامي العلمي ولكن هذا التسائل دفعني الي محاولة لدراسة تاريخ العلوم عند العرب و المسلمين و على اساس كمي احصائي و مقارنة نتائج بحثي بتاريخ العلوم في الغرب.
ماذا وجدتُ في بحثي؟  لقد تكونت حضارتنا الزاهرة في 700 م  تقريبا و بدئت بالزوال حوالي 1000 ميلادية اي استمرت قرابة الثلاثة قرون و استمر الانحطاط الحضاري  حتى وقتنا الحاضر. ليس هناك مجال لتقديم تفاصيل اكثر و لكن كل ما يمكن قوله ان هناك شيء مرعب قد حصل!
ماذا حدث للعرب و المسلمين لكي تنقرض حظارتهم وحتى وقتنا الحاضر ؟ لا شك ان هناك كارثة اشبه بكارثة انقراض الديناصورات.  ما هو تفسير هذا الانقراض ؟ لقد تعرضت كثير من الحضارات الى مصاعب و ازمات و لكنها تجاوزتها و عاودت المسير بصورة او باخرى.  اية كارثة حلت بالحضارة العربية الاسلاميه؟
للاسف ليس هناك من إجابات تقدم للمجتمع سوى شعارات سياسية حالمة و لعن مستمر للاستعمار الانكليزي سارق الثروات و امريكا عدوة الشعوب و الصهيونية العالميه. أما مراكز البحوث العربية فتلقي اللوم على هولاكو الشماعة الكبرى. لقد حصلت كارثة هولاكو عام 1253م  أي بعد ان بدء الانحطاط  بقرنين من الزمن. لنقل مع القائلين ان هولاكو محا ما بنته هذه الحضارة خلال القرون الثلاثة تلك لماذا لم تنهض هذه الامة بعد ذلك لتعيد البناء من جديد.  لقد مضى على هولاكو قرون عدة و ما زال العرب لم يتخلصوا من نكسته فاي امة هذه؟
لقد بنى الغرب قوته اثناء غفوة العرب و المسلمين التي استمرت قرونا ؟ اليس من حقنا التسائل عن سبب هذه الغفوه الكارثة؟ اليس من حقنا البحث عن تفسيرات علميه عن سبب هذه الغفوه الكارثة؟ لو عرفنا السبب سوف لن نتسائل لماذا لم نقدم شيئ للبشرية خلال التسعة قرون الماضيه؟
لقد كانت اليابان غافيه و لكنها استفاقت خلال القرن التاسع عشر و نهضت و انتكست في الحرب العالميه الثانيه و نهضت من جديد. لماذا لم ينهض العرب و المسلمون ليشاركوا الانسانية المعاصرة البناء؟
لقد مللنا التفسيرات الايديلوجية الجوفاء عن الاستعمار و الصهيونية.  أن مشكلة التخلف العربي و الاسلامي كانت قبل ان تصبح بريطانيا امبراطورية عظمى و قبل اكتشاف امريكا وقبل قيام الصهيونية العالميه و قبل احتلال فلسطين.
أنها مشكلة الانغلاق الفكري التي بدئت منذ القرن الحادي عاشر الميلادي عندما تم تحريم التفكير و خنق الدين. و بدئت محاكم التفتيش بالظهور. لقد بنى الدين الاسلامي حضارة متميزة واضحة المعالم ما تزال اثارها شاخصة رغم الزمن. لقد كان الدين الذي قاد الى هذه الحضارة هو دين رسول الإسلام الذي منع المتاجرة بالدين و استعباد الناس و كانت الحرية كبيرة و قادت الى إبداعات كبيره. أما الذين خنقوه و شوهوه هم الذين سببوا هذه الكارثه الحضاريه الرهيبة.  لم يعد الدين كما كان لقد اصبح دينا جديدا و يزداد ابتعادا عن دين الدعوة الاولى بزيادة تراكم البدع و الانغلاقات الفكرية. لقد خنقوا روح الدين و حولوه الى صنم لا روح فيه. لذا قُتل المعتزلة و ابن عربي و اُحِرقت كتب ابن رشد و حُرمت الفلسفة و التفكير وو. لقد ظهرت محاكم التفتيش في اوربا قبل الثورة العلمية و كانت الثورة العلمية ناتجا لاندحار المحاكم و منشئيها أم محاكم التفتيش الاسلاميه فقد نشأت بعد الثورة العلمية و ادت الى خنقها و كبح جماح التطور الفكري و ثم العلمي. في الغرب اندحرت محاكم التفتيش بالفكر العلمي و عندنا اندحر العلم بمحاكم التفتيش.  لو تسنى للرعيل الاسلامي الاول ان يعود ليحيا الان بيننا فانه سيجد دينا جديدا و مختلفا عن الدين الذ ي عرفوه. انه دين المفكرين الاسلامين و ليس دين رسول الله. لقد قادت محاكم التفتيش الاسلامية و الانغلاق الفكري الى ان يعود الدين الاسلامي المؤدلج الى العرب عبر قوميات اخرى ليعيشوا (العرب) مستعَمرين  متخلفين مقيدين مابين استعمار عثماني او استعمار صفوي.  لقد دمر المستعمرون الاسلاميون الانسان العربي و المسلم و سرقوه اكثر من ما دمره و سرقه الاستعمار الغربي. خمسة قرون لم تبنى طابوقة واحدة في بغداد لتخلد المجد العثماني و عاصمة الخلافة العثمانية ما تزال زاهية لحد الان بما تركه العثمانيون ورائهم من سرقات من بلاد المسلمين. خلال بضع سنين بني الاستعمار الانكليزي السارق و الكافر و و و أضعاف  أضعاف ما بناه الاستعمار العثماني المسلم خلال خمسة قرون.
للأسف يغض الجميع الطرف عن هذه الحقبة الطويلة جدا و الحالكة السواد من التاريخ. انها ما تزال تفعل افعالها في الحاضرو ما يزال السلطان و الدراويش العثمانين يلعبون دورهم في التخدير و التنويم الجماعي و يحاولون احتلال زمننا الحاضر من جديد. تجد هولاء السلاطين و وعاضهم و دراويشهم اينما تذهب في بلاد العرب. للاسف ما يزال الفكر العربي والاسلامي يعيش السبات الحضاري و لم يستوعب النكسات و الهزائم لانهم ما يزالون يعتقدون بان المؤمن مبتلى! و سيبقى مبتلى ان لم تتغير العقول و ليس القصور. أن تركمات قرون و قرون من التخلف و الانحطاط لا يمكن ان تزول خلال عشرات السنين و من دون ارادة في التغيير.
العرب عاشوا التراجع الحضاري متخلفين لاكثر من ستة قرون عن الحضارة الانسانية لأنهم تنازلوا عن حريتهم الفكرية. الحرية و العلم صنوان فلا علم بدون حرية و لا حرية من دون علم. و العرب ألان في مرحلة ما بعد التخلف و ليس النهظة.  هل سيدركون الواقع المرير بعيون علمية فاحصة و يبدءون بالحلم بالنهضة على الأقل أم سيبقون في موقع المبتلى لانهم مؤمنون. هل من الافضل ان تبقى مؤمنا مهانا و تلعن الأقدار أم ان تكون عزيزا سيدا واعيا؟ ألان أجبتكِ يا هبة و أرجو ان تكوني قد عرفتِ ألان أين نحن ؟ معذرة لم استطع وقتها ان أجيبكِ. لقد كان زمنا قاسيا و ما يزال.
© منبر الحرية، 02 يوليو/تموز 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018